الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

هل نحن آخر جيل يبرمج الحاسوب؟

د. محمد عبدالرحيم يسن




digital.start23@gmail.com
أنتمي إلى جيل بدأ رحلته مع البرمجة في زمن كان الحاسوب لا يفهم إلا ما نكتبه له حرفا بحرف، كنا نكتب التعليمات البرمجية سطرا بعد سطر، ونراجع كل تعليمة بعناية، ونقضي ساعات طويلة في البحث عن خطأ صغير قد يمنع البرنامج من العمل. بدأ كثير منا مع لغة التجميع، ثم انتقل إلى لغات البرمجة عالية المستوى، ومع كل مرحلة كنا نشعر أننا نقترب أكثر من الحاسوب، ونمنحه قدرة أكبر على تنفيذ ما نريده.
ورغم كل ما شهدناه من تطور في لغات البرمجة، وبيئات التطوير، وأدوات بناء التطبيقات، بقيت حقيقة واحدة لم تتغير، الإنسان المبرمج هو من يبتكر الفكرة، ويصمم الخوارزمية، ويكتب البرنامج، والحاسوب ينفذ ما يطلب منه.
واستمرت هذه القاعدة، قبل ان يشهد العالم تحولا لم يكن مطروحا من قبل.
المبرمج يصف ما يريد بلغة طبيعية، فتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي كتابة أجزاء كبيرة من البرنامج، واكتشاف الأخطاء، واقتراح التحسينات، وتسارعت عمليات التطوير. وما كان يحتاج إلى أسابيع أو شهور أصبح ينجز في ساعات، وأحيانا في دقائق.
ومع هذا التحول ظهر سؤال لم يكن يخطر ببالنا ونحن نكتب شفرة برمجية من قبل، وربما على اجيال اليوم:
إذا كان الذكاء الاصطناعي يكتب البرامج، فمن الذي سيكتب الجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي؟
ظل الجواب معلوما حتى وقت قريب، هم الباحثون والمهندسون الذين يضعون الأفكار، ويصممون بنية النماذج، ويجرون التجارب، ويطورون الأجيال الجديدة.
غير أن ما يجري اليوم يشير إلى بداية مرحلة مختلفة، تتجه فيها بعض المختبرات البحثية إلى تكليف الذكاء الاصطناعي بالمشاركة في ابتكار نماذج جديدة، وتجربة أفكار لم تخطر على الباحثين، وتحليل نتائجها، ثم إعادة تطويرها بصورة متواصلة.
ولا أتحدث هنا عن كتابة برامج أو تحسين تطبيقات، وإنما عن خطوة أعمق، تتعلق بالطريقة التي يولد بها الذكاء الاصطناعي نفسه.
وأنا أقرأ أحدث الأوراق البحثية في هذا المجال، وجدت نفسي أستعيد سنوات البرمجة الأولى، وأتساءل: هل وصلنا فعلا إلى اللحظة التي يبدأ فيها الحاسوب بالمشاركة في تصميم الأجيال التي ستأتي بعده؟ وهل سنكون نحن آخر جيل عاش رحلة البرمجة بصورتها التي عرفناها طوال العقود الماضية؟
لا أستعجل الإجابة، فهذه القضية تستحق التوقف والتأمل، لأنها قد تمثل واحدة من أكبر التحولات في تاريخ الحوسبة منذ ظهور لغات البرمجة.
في المقال القادم، أستعرض واحدة من أهم الأوراق البحثية التي اطلعت عليها هذا العام، والتي دفعتني إلى طرح هذا السؤال، وأناقش ما إذا كنا نقف بالفعل أمام بداية عصر جديد، يصبح فيه الذكاء الاصطناعي شريكا في تطوير نفسه، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل البرمجة، والبحث العلمي، ودور الإنسان في السنوات القادمة.

اترك رد

error: Content is protected !!