الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

إثيوبيا والبحر الأحمر… من عُقدة الجغرافيا إلى مشروع قوة

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

ليست كل التصريحات العسكرية مجرد رسائل داخلية لرفع الروح المعنوية، فبعضها يكشف ملامح استراتيجية تتشكل بصمت، ويعلن عن انتقال الدول من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة السعي لإعادة رسم موازين القوة في الإقليم. ومن هذا المنظور، يكتسب الحديث المنسوب لقائد القوات الجوية الإثيوبية الجنرال بلما مدارسا عن “مهام كبرى” ينتظر الجيش الإثيوبي تنفيذها، بالتزامن مع التصريحات المنسوبة لرئيس هيئة الأركان العامة الإثيوبية الأسبق الجنرال سامورا يونس ـ إن صح التصريحان ـ والتي تربط تلك المهام بقضية ما يوصف إثيوبياً بـ”استعادة” ميناء عصب الإريتري، أهمية تتجاوز حدود الخطاب السياسي أو العسكري، لأنها تعكس اتجاهاً استراتيجياً ظل يتبلور في التفكير الإثيوبي منذ سنوات. وسواء ثبتت دقة التصريحين بصيغتهما المتداولة أم لا، فإن مضمونهما يلتقي مع خطاب إثيوبي معلن ومتنامٍ بشأن ضرورة الوصول إلى البحر.

فإثيوبيا لم تُخفِ يوماً أن فقدان منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993م يمثل أحد أكبر التحديات الاستراتيجية أمامها. ومنذ ذلك التاريخ، ظل الوصول إلى البحر والمنافذ البحرية حاضراً بدرجات متفاوتة في الحسابات الاستراتيجية الإثيوبية، تارة عبر التفاوض، وتارة عبر الضغوط السياسية، وأحياناً عبر التلويح باستخدام القوة.

واليوم، ومع اكتمال مشروع سد النهضة، وتعاظم القدرات العسكرية الإثيوبية، وارتفاع وتيرة الخطاب الرسمي بشأن البحر الأحمر، تبدو أديس أبابا وكأنها تدخل مرحلة جديدة في مفهومها للقوة؛ تقوم على تعظيم توظيف الموارد الاستراتيجية، وتقليل الارتهان للخارج، ثم السعي لمعالجة معضلة الدولة الحبيسة، بما ينقلها من المطالبة بحقوق اقتصادية إلى محاولة فرض معادلات جيوسياسية جديدة.

ولا يتعلق الأمر بميناء عصب وحده، فالميناء يمثل في الحقيقة إحدى أدوات مشروع أكبر، هدفه تجاوز معضلة الدولة الحبيسة، وتعزيز مكانة إثيوبيا كقوة إقليمية تمتلك منفذاً دائماً على البحر الأحمر، بما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً يتناسب مع حجمها السكاني وطموحاتها الإقليمية.

لكن أي محاولة لتغيير الواقع الجغرافي بالقوة لن تكون قضية إثيوبية إريترية فحسب، وإنما ستنعكس على كامل منظومة أمن البحر الأحمر، الذي أصبح اليوم أحد أهم مسارح التنافس الدولي. فهذا البحر لم يعد ممراً للتجارة فقط، بل تحول إلى فضاء تتقاطع فيه مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا ودول الخليج وأوروبا، وأي تغيير في توازناته قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.

أما بالنسبة للسودان، فإن هذه التطورات لا يمكن النظر إليها بوصفها شأناً بعيداً عن أمنه القومي. فالسودان يمتلك أكثر من ثمانمائة كيلومتر من السواحل على البحر الأحمر، ويجاور إثيوبيا وإريتريا في آن واحد، ويقع في قلب التفاعلات الجيوسياسية التي تربط القرن الأفريقي بالشرق الأوسط.

وتزداد خطورة هذا التحول بالنسبة للسودان لأن أي صدام محتمل بين إثيوبيا وإريتريا لن يبقى محصوراً بين الدولتين. فالسودان يشترك معهما في فضاء جغرافي وأمني واحد، وأي اضطراب واسع في هذا المثلث قد ينعكس على الحدود الشرقية، وحركة السكان والسلاح، وأمن الموانئ والساحل، والتوازنات السياسية والأمنية في شرق السودان. ومع استمرار الحرب السودانية، تصبح قدرة الدولة على التعامل مع أكثر من جبهة استراتيجية في الوقت نفسه موضع اختبار حقيقي.

كما أن الحرب الدائرة داخل السودان منحت بعض القوى الإقليمية فرصة لإعادة ترتيب موازين النفوذ، وهو ما يجعل أي تصعيد إثيوبي في ملف البحر الأحمر عاملاً إضافياً يزيد من تعقيد البيئة الاستراتيجية المحيطة بالسودان. فكلما انشغلت الدولة السودانية بحربها الداخلية، اتسعت مساحة الحركة أمام المشاريع الإقليمية المنافسة، وأصبح التأثير في مستقبل البحر الأحمر يجري من دون مشاركة سودانية فاعلة.

ولهذا، فإن الحرب في السودان تتجاوز أبعادها الداخلية، لتصبح عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. فالدول لا تنتظر حتى يستعيد الآخرون عافيتهم، وإنما تبني استراتيجياتها وفق موازين القوة القائمة في اللحظة الراهنة.

ومن زاوية أوسع، فإن استمرار الحرب السودانية يخدم موضوعياً كل مشروع إقليمي يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي في غياب السودان. فالدولة التي تمتلك ساحلاً يتجاوز ثمانمائة كيلومتر، وموانئ استراتيجية، وموقعاً يتوسط الساحل الأفريقي الغربي للبحر الأحمر، يفترض أن تكون جزءاً أصيلاً من صناعة ترتيبات أمنه، لا دولة منشغلة بصراع داخلي بينما يعيد الآخرون رسم البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.

ومن هنا، يصبح المطلوب من الدولة السودانية أكثر من مجرد متابعة التطورات. فالأولوية الأولى تبقى استكمال استعادة الأمن الداخلي وإنهاء التهديدات المسلحة التي تستنزف الدولة، لأن الدولة المنشغلة بحروبها الداخلية تفقد تدريجياً قدرتها على حماية مصالحها الخارجية.

وفي الوقت نفسه، يحتاج السودان إلى بناء استراتيجية وطنية متكاملة للبحر الأحمر، تعيد الاعتبار للقوة البحرية، وتطور قدرات المراقبة والاستطلاع، وتعزز الوجود العسكري على الساحل والجزر، وتربط الأمن البحري بالسياسة الخارجية والاقتصاد الوطني، حتى يصبح السودان فاعلاً في معادلات البحر الأحمر، لا مجرد متأثر بما يصنعه الآخرون.

كما تفرض المرحلة تنشيط الدبلوماسية السودانية مع دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، والعمل على بناء شراكات أمنية واستراتيجية تحفظ التوازن الإقليمي، وتمنع أي ترتيبات تمس المصالح السودانية أو تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة على حسابه.

إثيوبيا تقرأ الجغرافيا باعتبارها قيداً ينبغي تغييره، والسودان مطالب بأن يقرأ جغرافيته باعتبارها قوة ينبغي حمايتها واستثمارها. وبين القراءتين يتشكل جانب مهم من مستقبل البحر الأحمر. ومن هنا، فإن استعادة الدولة السودانية لقوتها، وحسم الحرب، وبناء قوة بحرية مقتدرة، وتأمين الشرق والساحل، وصياغة سياسة واضحة تجاه إثيوبيا وإريتريا ودول البحر الأحمر، لم تعد ملفات منفصلة؛ إنها أجزاء من معادلة واحدة اسمها الأمن القومي السوداني.

اترك رد

error: Content is protected !!