اقتصاد الحرب في السودان… المال السياسي وشبكات الإمداد(قراءة في اقتصاد الحرب وتحالفات التمويل واللوجستيات)

تكشف الحروب الحديثة أن الرصاصة التي تُطلق في الميدان لا تبدأ رحلتها من فوهة السلاح، وإنما من قرار تمويل، وعقد نقل، وشركة واجهة، ومطار عبور، ومسار بري أو جوي، وشبكة مصالح تتوزع بين دول ومؤسسات وأفراد. ومن هنا فإن فهم الحرب في السودان لا يكتمل بالنظر إلى خطوط القتال وحدها، بل يتطلب تفكيك البنية المالية واللوجستية التي حافظت على استمرارها، وحوّلتها من صراع داخلي إلى منظومة إقليمية ودولية متعددة المصالح.
التحقيق الاستقصائي الأخير والمتداول والمنسوب إلى وكالة رويترز يسلط الضوء على نمط معقد من شبكات الإمداد العابرة للحدود، استخدمت شركات خاصة، وطائرات شحن قديمة، ومطارات إقليمية، ووسطاء، ومسارات تمتد بين الإمارات وتشاد وليبيا والصومال ودارفور. وهذه المعطيات تكشف أن إطالة أمد الحرب لم تعد مرتبطة فقط بقدرة الأطراف المحلية على القتال، وإنما بوجود تمويل سياسي قادر على شراء الوقت، وتجديد العتاد، واستبدال الخسائر، وتوفير المقاتلين والخدمات اللوجستية.
والمال السياسي في هذا السياق لا يعني الأموال التي تُدفع مباشرة إلى طرف مسلح فحسب، بل يشمل منظومة أوسع من التمويل غير المباشر. فقد يظهر في صورة عقود طيران، أو استئجار طائرات، أو تأسيس شركات في مناطق قانونية مرنة، أو شراء وقود وقطع غيار، أو دفع أجور الطيارين والمهندسين والمرتزقة، أو تمويل المطارات ومخازن العبور، أو توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي للجهات المتورطة. وهكذا تتحول الحرب إلى سوق ضخمة، يتداخل فيها السياسي بالتجاري، والعسكري باللوجستي، والمعلن بالمستتر.
وتتعدد أشكال الخدمات التي تقدمها هذه الشبكات. فهناك النقل الجوي للأسلحة والذخائر والمقاتلين، والنقل البري عبر الحدود، وخدمات الصيانة والتشغيل، وتوفير الطواقم، والتخزين، والتأمين، والاتصالات، والمعلومات، وتزوير أو تغيير وثائق الملكية والتشغيل، فضلاً عن استخدام شركات مسجلة لأغراض مدنية غطاءً لأنشطة مرتبطة بالحرب. وفي كثير من الحالات قد لا تكون الشركة مالكة للسلاح أو الطائرة، لكنها تقدم الحلقة التي لا يمكن لسلسلة الإمداد أن تعمل من دونها.
أما الجهات المستفيدة، فهي لا تقتصر على المليشيا التي تتلقى السلاح والوقود والمقاتلين، بل تمتد إلى شركات ورجال أعمال ووسطاء وشبكات لوجستية تحقق أرباحاً من عقود النقل والتشغيل، وإلى جماعات مسلحة إقليمية وبعض الدول التي توظف استمرار الحرب لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، أو توسيع النفوذ، أو السيطرة على الموارد، أو منع قيام دولة سودانية قوية قادرة على حماية مواردها وقرارها الوطني. كما تستفيد قوى إقليمية ودولية بصورة غير مباشرة عبر ازدهار شركات الأمن والخدمات العسكرية، واتساع سوق السلاح، وعقود الإغاثة وإعادة الإعمار، واستخدام الأزمة ورقةً للضغط السياسي. فاقتصاد الحرب لا يعيش على الدمار فقط، بل يبني مصالحه على استمرار الحاجة إلى السلاح والنقل والإغاثة والتسويات المؤجلة.
وفي المقابل، يدفع الشعب السوداني الثمن الأكبر. فالضحايا ليسوا فقط من يسقطون في المعارك، وإنما أيضاً النازحون، واللاجئون، والأطفال المحرومون من التعليم، والمرضى الذين فقدوا العلاج، والمزارعون الذين تركوا أراضيهم، والعمال الذين توقفت مصانعهم، والمواطنون الذين انهارت قيمة دخولهم ومدخراتهم. كما تشمل الأضرار تدمير البنية التحتية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وانتشار السلاح، وظهور اقتصاد موازٍ قائم على التهريب والنهب، وتآكل سلطة الدولة لصالح شبكات العنف والمال.
والخطر الأكبر أن التمويل الخارجي لا يطيل الحرب فقط، بل يغيّر طبيعتها. فهو يمنح الأطراف المسلحة قدرة على تجاهل الضغوط الداخلية، ويقلل حاجتها إلى التسوية، ويجعل قرار استمرار القتال مرتبطاً بمصالح الممولين أكثر من ارتباطه بمصلحة السودانيين. وكلما اتسعت شبكة التمويل، أصبحت الحرب أقل خضوعاً للإرادة الوطنية وأكثر ارتباطاً بحسابات الخارج.
ومكافحة هذه الظاهرة تتطلب الانتقال من إدانة الدعم الخارجي سياسياً إلى تفكيكه مالياً وقانونياً. ويبدأ ذلك بتوثيق مسارات الطائرات والسفن والشاحنات، وحصر الشركات والوسطاء والمصارف وشركات التأمين المرتبطة بالإمداد، وفرض عقوبات محددة على الكيانات والأفراد، وتجميد الأصول، وإلغاء التراخيص، وملاحقة الانتهاكات أمام المحاكم الوطنية والدولية، إلى جانب تعاون استخباراتي ودبلوماسي وتشديد الرقابة على المطارات والموانئ والحدود، وربط أي تسوية سياسية بوقف الإمداد الخارجي فعلياً لا شكلياً.
ما المطلوب من السودان؟
لا يكفي أن يثبت السودان وجود شبكات تمويل وإمداد خارجية، بل يجب أن ينتقل من موقع المتلقي للأضرار إلى موقع الدولة التي تطارد هذه الشبكات سياسياً وقانونياً ومالياً واستخباراتياً. ويتطلب ذلك توحيد ملف الدعم الخارجي داخل مركز وطني متخصص يتولى جمع الأدلة، وتحليل مسارات الطيران والتحويلات المالية، وربط الشركات والوسطاء والدول بسلسلة إمداد متكاملة قابلة للإثبات أمام المحاكم والجهات الدولية.
كما ينبغي بناء ملف قانوني يستند إلى الأدلة الفنية، من سجلات الرحلات، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات الشركات، وعقود التشغيل، ومسارات الأموال، وأرقام الأسلحة المضبوطة، وشهادات الخبراء والضحايا، لأن المعركة القانونية تُحسم بقوة البينة لا بقوة الاتهام.
وعلى المستوى الدبلوماسي، يجب أن يقدم السودان هذه القضية باعتبارها تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، لا مجرد نزاع داخلي، مع التحرك بالتنسيق مع سلطات الطيران المدني، والمصارف الدولية، وهيئات تسجيل الشركات، وشركات التأمين، لتعقب الطائرات والكيانات والأفراد المرتبطين بخطوط الإمداد. أما داخلياً، فإن إحكام الرقابة على الذهب والصادرات والحدود، وإنشاء قوائم وطنية للكيانات والأفراد المرتبطين بتمويل المليشيا، وتجميد أصولهم، وتأسيس آلية وطنية دائمة لرصد اقتصاد الحرب، تمثل جميعها أدوات استراتيجية لتجفيف منابع التمويل، لأن الحرب التي تُدار بالمال لا تُهزم إلا بحرمانها من موارده.
إن أخطر ما في المال السياسي أنه لا يشتري السلاح فقط، بل يشتري الزمن. فهو يمنح المليشيات القدرة على تعويض خسائرها، ويؤجل لحظة الحسم، ويُبقي الدولة في حالة استنزاف مستمر، حتى تتحول الحرب إلى مشروع قائم بذاته تتربح منه شبكات التمويل والنقل والوساطة. ولذلك فإن تجفيف منابع التمويل ليس إجراءً مالياً فحسب، بل استراتيجية عسكرية وسياسية لا تقل أهمية عن العمليات الميدانية نفسها.
للقد أثبتت الحرب في السودان أن الصراعات المعاصرة يتجاوز ميادين القتال إلى غرف التمويل، وشبكات النقل، وحسابات الشركات، وممرات الطيران، وأسواق السلاح، والتحالفات التي توفر للحرب أسباب البقاء. فالطلقة التي تصل إلى المقاتل، والطائرة التي تهبط في مطار ناءٍ، والوقود الذي يحرك الآليات، والمال الذي يدفع أجور المرتزقة، جميعها حلقات في منظومة واحدة تُعرف اليوم باقتصاد الحرب.
ومن هنا، فإن معركة السودان لم تعد معركة عسكرية فحسب، بل أصبحت معركة لتجفيف منابع التمويل، وتفكيك شبكات الإمداد، وملاحقة الوسطاء والواجهات الاقتصادية والقانونية التي تجعل استمرار الحرب ممكناً. فكل شحنة تُمنع، وكل حساب يُجمَّد، وكل شركة تُكشف، وكل مسار لوجستي يُغلق، قد يكون أثره في تقصير أمد الحرب أكبر من أثر معركة تُخاض في الميدان.
إن الانتصار الحقيقي لا يكتمل بتحرير الأرض وحدها، وإنما بتحرير قرار الدولة من شبكات المال السياسي التي تستثمر في استمرار الصراع. فحين يُهزم اقتصاد الحرب، تُهزم الحرب نفسها، ويصبح السلام خياراً ممكناً، لا مجرد أمنية مؤجلة.



