أديس أبابا والحوار السوداني… بين مقتضيات الملكية الوطنية وإشكالات الوساطة

لم يعد الخلاف في السودان يدور حول مبدأ الحوار نفسه بقدر ما أصبح يدور حول طبيعته وشروطه ومن يملكه ويحدد مساراته. فالحوار في جوهره ليس ترفاً سياسياً ولا شعاراً أخلاقياً يُرفع في مواجهة الحرب، وإنما أداة من أدوات إدارة الصراعات الوطنية حين تبلغ مستويات يستحيل معها الحسم الكامل أو يصبح استمرار النزاع أكثر كلفة على الدولة والمجتمع. غير أن التجارب السودانية والإقليمية علمتنا أن الحوار لا ينجح بمجرد انعقاده، كما أن تعدد المنابر الخارجية لا يصنع سلاماً بالضرورة، إذ كثيراً ما تحولت بعض المبادرات إلى ساحات لإعادة إنتاج الأزمة أو فرض أجندات لا تعكس أولويات الداخل.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الملكية الوطنية بوصفه أحد أهم معايير نجاح أي عملية حوار أو تسوية سياسية. فالملكية الوطنية لا ترتبط بالضرورة بالمكان الذي ينعقد فيه الحوار، ولا بالجهة التي تسهّل إجراءه، وإنما تتصل قبل كل شيء بمن يملك القرار، ومن يحدد الأجندة، ومن يصوغ المخرجات النهائية، ومن يتحمل مسؤولية تنفيذها والدفاع عنها أمام شعبه. فالحوار قد ينعقد داخل السودان أو خارجه، وقد يستعين بوساطة إقليمية أو دولية، غير أن قيمته الوطنية تظل رهينة بمدى احتفاظ السودانيين بحقهم في توجيه مساره وتحديد أولوياته وصناعة نتائجه بعيداً عن الإملاءات أو الحسابات الخارجية.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الجدل الذي صاحب اجتماعات أديس أبابا التي دعت إليها الآلية الخماسية، وما أثارته من انقسام وسط القوى السياسية السودانية، خاصة داخل المكونات المحسوبة على المعسكر الداعم لمؤسسات الدولة والرافض لمشروع المليشيا والكيانات الموازية.
ففي الوقت الذي أعلن فيه تحالف سودان العدالة (تسع) رفضه القاطع للاجتماعات، معتبراً أنها تمت بترتيبات أحادية افتقدت التشاور مع القوى الوطنية، مضت مجموعة أخرى داخل الكتلة الديمقراطية نحو المشاركة المشروطة، مؤكدة تمسكها بالحوار السوداني السوداني ورفضها لأي شرعنة للدعم السريع أو ما يسمى بتحالف “تأسيس”. ثم عاد الخلاف داخل الكتلة نفسها ليطفو إلى السطح بين مؤيد للمشاركة ورافض لها، بما فتح الباب واسعاً لانتقادات سياسية وإعلامية حادة، كان من أبرزها ما طرحه الأستاذ عادل الباز حول التناقضات البنيوية التي تعانيها الكتلة الديمقراطية ومحدودية قدرتها على إنتاج موقف موحد.
وبعيداً عن السجال السياسي المباشر، فإن ما جرى يكشف عن قضية أعمق تتجاوز مجرد المشاركة أو المقاطعة، وتتصل بطبيعة الحوار الوطني نفسه ومعايير نجاحه.
فالحوار الوطني الجاد لا يقوم على الدعوات المفاجئة أو الترتيبات المنفردة، وإنما يستند إلى توافق وطني يمنح الأطراف شعوراً بأنها شريكة في صناعة العملية السياسية منذ بدايتها. ولذلك فإن القضايا الإجرائية المتعلقة بالأجندة والمشاركين وآليات الحوار وتوقيته ليست تفاصيل ثانوية، وإنما تمثل جزءاً أساسياً من بناء الثقة السياسية التي تُعد شرطاً أولياً لأي عملية تفاوضية ناجحة.
ولهذا ظل الاتفاق على المكان والزمان والمشاركين مدخلاً لازماً للحوار في معظم التجارب المقارنة، لأن فرض هذه العناصر بصورة مسبقة يخلق شعوراً بالوصاية ويضعف فرص الوصول إلى نتائج مستقرة ومستدامة. ومن هنا تبرز أهمية أن يكون الحوار ــ متى ما تهيأت شروطه الموضوعية ــ حواراً سودانياً سودانياً يُعقد داخل السودان، لا لأن الجغرافيا وحدها تصنع النجاح، وإنما لأن الداخل يمنح العملية السياسية معنى الانتماء الوطني ويعزز شعور الأطراف بأنها تتحاور تحت سقف الوطن لا تحت ظلال الرعاية السياسية الخارجية. أما دور الوسطاء والشركاء الدوليين والإقليميين، فينبغي أن يظل دوراً مسهلاً وميسراً يهيئ الظروف ويقرب وجهات النظر ويقدم الضمانات الفنية والسياسية اللازمة، دون أن يتحول إلى طرف مؤثر في صناعة القرار أو جهة تحدد الأجندة والمشاركين وتفرض إيقاع العملية السياسية ومساراتها.
كما أن نجاح الحوار يرتبط بوضوح المسارات وعدم الخلط بينها. فالجانب السياسي يختلف في طبيعته وأدواته عن الجانب الأمني والعسكري، ولكلٍ منهما أطرافه ومقتضياته. ومن حيث المبدأ، فإن القضايا الأمنية والعسكرية المتعلقة بوقف الحرب والترتيبات الميدانية ونزع السلاح ووقف العدائيات ينبغي أن تُناقش عبر قنواتها المختصة بين مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والطرف المسلح المقابل، بينما يُعنى المسار السياسي بالقوى المدنية والسياسية وقضايا الانتقال والدستور والحكم ومستقبل الدولة.
ومن هنا برز الجدل حول دعوة ما يسمى بتحالف “تأسيس” إلى اجتماعات المسار السياسي. فثمة قطاع واسع من القوى الوطنية ينظر إلى هذا الكيان باعتباره ذراعاً سياسياً مرتبطاً بمليشيا الدعم السريع، لا تعبيراً مدنياً مستقلاً نشأ من تفويض شعبي أو ممارسة سياسية طبيعية، بل إن الخطاب السياسي لـ”تأسيس” لا يخفي ارتباطه بالدعم السريع، إذ يُقدَّم الأخير داخل هذا المشروع باعتباره ذراعه العسكرية وحامله المسلح. ويزداد هذا الجدل تعقيداً مع الاتهامات المتداولة بشأن ارتباط المشروع بأدوار إقليمية داعمة للمليشيا، وعلى رأسها دولة الإمارات وفق ما تطرحه أطراف عديدة في الساحة السودانية. وفي مثل هذه البيئة، يصبح إدخال هذه الأطراف في مسار سياسي مدني دون معالجة الأسئلة الأمنية والعدلية المصاحبة أمراً مثيراً للشكوك حول طبيعة العملية السياسية نفسها.
غير أن الأزمة لا تقف عند حدود الأطراف المشاركة، وإنما تمتد إلى سؤال الوساطة ومعاييرها.
فالوسيط الناجح لا يُقاس بحجم حضوره الدولي ولا بعدد مؤسساته الراعية، وإنما بدرجة حياده وأهليته وثقة الأطراف فيه. فالوساطة ليست سلطة فوق النزاع، وإنما وظيفة تيسيرية تساعد المتخاصمين على الاقتراب من الحل دون أن تحل محلهم أو تتحدث باسمهم أو تحدد خياراتهم نيابة عنهم. وكلما تراجعت الثقة في حياد الوسيط أو بدا منحازاً لطرف أو متسامحاً مع أجندته، ضعفت فرص نجاح العملية السياسية مهما بدا إطارها مؤسسياً أو دولياً.
وفي هذا السياق يبرز السؤال المرتبط بمكان انعقاد الحوار نفسه. فاختيار المكان ليس مسألة لوجستية محضة، وإنما يحمل دلالات سياسية وأمنية ونفسية مؤثرة. ولذلك فإن تفضيل انعقاد الحوار داخل السودان يظل منطقياً كلما توفرت الظروف المناسبة، لأنه يعزز الإحساس بالملكية الوطنية ويخفف من ظلال الضغوط الخارجية. أما حين يُعقد الحوار خارج البلاد، فإن اختيار الدولة المضيفة يصبح عاملاً حساساً يتطلب قدراً عالياً من الثقة والاطمئنان.
وتكتسب هذه الاعتبارات أهمية خاصة في الحالة السودانية الراهنة، حيث لا ينفصل تقييم مكان الحوار عن طبيعة العلاقة السياسية والأمنية بين السودان والدولة المضيفة ومدى الثقة المتبادلة بينهما.
ويزداد السؤال تعقيداً حين يتعلق الأمر بإثيوبيا وأديس أبابا تحديداً؛ إذ تبدو المفارقة حاضرة في نظر قطاع واسع من السودانيين بين دولةٍ ترعى الحوار وتدعو إلى السلام ووقف الحرب من جهة، وبين اتهامات متداولة داخل الساحة السودانية تتعلق بتقديم تسهيلات أو توفير بيئات داعمة للمليشيا من جهة أخرى. ومثل هذه التصورات أو القناعات، سواء ثبتت أو ظلت محل جدل، لا تساعد على بناء الثقة المطلوبة في الدولة المضيفة، وتجعل من سؤال المكان والحياد جزءاً أصيلاً من النقاش حول فرص نجاح الحوار نفسه.
ومن هنا يثار الجدل حول ملاءمة أديس أبابا كمقر لهذه الاجتماعات، في ظل ما بات يُطرح باعتباره دعماً لوجستياً وتسهيلات ومعسكرات وتجميعاً لقوات مرتبطة بالمليشيا داخل الأراضي الإثيوبية، إضافة إلى أنشطة تنطلق من بعض المطارات باتجاه مناطق النزاع في السودان، خاصة إقليم النيل الأزرق والكرمك ومناطق داخل العمق السوداني. وهي معطيات تجاوزت في نظر كثيرين مرحلة الشكوك والاتهامات المتبادلة، وأصبحت تطرح تساؤلات جدية حول مدى ملاءمة إثيوبيا كمكان محايد أو بيئة باعثة على الثقة لاستضافة حوار سوداني يبحث عن السلام والاستقرار.
وفي المقابل، فإن القوى المدنية والسياسية الداعمة لمؤسسات الدولة مطالبة أيضاً بمراجعة أدائها الداخلي. فالتباينات حول المشاركة أو المقاطعة قد تكون أمراً طبيعياً داخل التحالفات السياسية، لكن ظهورها بصورة متضاربة ومتناقضة يضعف الرسالة الوطنية ويمنح خصوم الدولة فرصة لاستثمار الانقسامات. ولذلك تبدو الحاجة ملحة لتوحيد الرؤى بين هذه المكونات، سواء انتهت إلى المشاركة أو الرفض، بحيث يصدر القرار من تقدير جماعي واضح يحدد مضمون المشاركة أو مبررات المقاطعة والرسائل المراد إيصالها للرأي العام وللوسطاء معاً.
كما أن المسؤولية الوطنية تقتضي قدراً من الانضباط الأخلاقي والسياسي لدى المشاركين أنفسهم. فقد أظهرت تجارب سابقة كيف يمكن لبعض المنابر الخارجية أن تتحول إلى بيئات تعيد إنتاج النخب نفسها وتفصل العملية السياسية تدريجياً عن قواعدها الوطنية والاجتماعية، بما يضعف صلتها بالأولويات الحقيقية للمجتمع والدولة. ولذلك فإن قيمة أي مشاركة سياسية لا تُقاس بحجم الحضور الخارجي أو الامتيازات المصاحبة له، وإنما بمدى مساهمتها في خدمة المصالح الوطنية العليا وتعزيز سيادة السودان ووحدة قراره.
ولذلك فإن جوهر الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بمدينة أديس أبابا في ذاتها، بقدر ما يتعلق بالسؤال الأعمق المرتبط بملكية العملية السياسية ومن يملك حق توجيهها وتحديد أولوياتها ومآلاتها النهائية.
إن السودان لا يفتقر إلى الدعوات للحوار بقدر ما يفتقر إلى شروط الحوار الصحيح. فالتسويات التي تُبنى خارج الإرادة الوطنية أو تحت ظلال الانحياز لا تؤسس سلاماً مستقراً، كما أن الحوار الذي يضع الدولة والمليشيا في كفةٍ واحدة يربك معنى الشرعية ويضاعف أزمات الثقة. وسيظل السلام المستدام مرتبطاً بحوار يملكه السودانيون، وتحرسه العدالة، وتدعمه وساطة محايدة، ويظل الوطن فيه هو السقف الأعلى والمرجعية النهائية.
الخميس 4 يونيو 2026م



