
يشهد العالم تحولا متسارعا في طريقة تعامله مع الذكاء الاصطناعي، فبعد أن كان محورا للبحث العلمي والتنافس التقني، أصبح اليوم مجالا جديدا للتعاون الدولي، تتشكل حوله اتفاقيات ومنظمات ينتظر أن تؤثر في مستقبل الاقتصاد والمعرفة والتنمية.
في السادس عشر من يوليو 2026 شهدت مدينة شنغهاي الصينية توقيع الاتفاقية المؤسسة للمنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، إيذانا بميلاد منظمة دولية جديدة تعنى بتعزيز التعاون بين الدول في هذا المجال الحيوي، وخلال فترة وجيزة انضمت إلى الاتفاقية تسع وعشرون دولة بصفتها أعضاء مؤسسين، وكان السودان من بينها، حيث وقع الاتفاقية سفير السودان لدى جمهورية الصين الشعبية، في خطوة تستحق التوقف عند أبعادها الاستراتيجية.
وتوضح تجارب المجتمع الدولي أن كثيرا من المنظمات المؤثرة بدأت باتفاقيات تأسيسية جمعت عددا محدودا من الدول، ثم أصبحت مرجعا عالميا في مجالاتها، ومن أبرزها الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) ومنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO). وقد يبرز تساؤل حول المكانة التي ستصل إليها المنظمة الجديدة، غير أن المؤشرات الحالية تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يتجه ليكون أحد أهم محاور التعاون الدولي خلال العقود القادمة.
وتهدف المنظمة الجديدة حسب إعلان التأسيس إلى تعزيز التعاون في مجالات البحث العلمي، وتبادل الخبرات، وبناء القدرات، وتشجيع الابتكار، ودعم الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير الأطر والمعايير التي تساعد الدول على الاستفادة من هذه التقنيات بصورة آمنة وعادلة، مع إيلاء اهتمام بتمكين الدول النامية من المشاركة الفاعلة في الاقتصاد الرقمي.
وتحمل صفة الدولة المؤسسة قيمة تتجاوز المشاركة في مراسم التوقيع، فهي تمنح فرصة للمساهمة في صياغة التوجهات الأولى للمنظمة، والمشاركة في مناقشة سياساتها وبرامجها، وبناء شراكات مع الدول الأعضاء منذ بداية مسيرتها. وتكتسب هذه المشاركة أهمية إضافية في ظل التنافس العالمي على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والاستفادة من آثاره الاقتصادية والعلمية.
ويأتي انضمام السودان في توقيت مناسب لإعادة بناء رؤيته الوطنية للتحول الرقمي، فالبلاد تمتلك رصيدا من الكفاءات والخبرات في مجالات تقنية المعلومات والاتصالات، ويظل المطلوب هو توفير البيئة المؤسسية التي تحول هذه القدرات إلى مشروعات وطنية وشراكات دولية ومبادرات بحثية قادرة على مواكبة المتغيرات العالمية.
ومن المناسب أن تشكل هذه العضوية نقطة انطلاق لإعداد استراتيجية وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي، تتناول التشريعات، والحوكمة، والبنية التحتية الرقمية، وتنمية الكفاءات، ودعم البحث العلمي، وتشجيع الابتكار، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في التطبيقات الذكية، مع توسيع التعاون بين مؤسسات الدولة والجامعات ومراكز البحوث.
إن انضمام السودان إلى المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي بصفته دولة عضوا مؤسسا يمثل فرصة وطنية مهمة، ويبقى النجاح مرهونا بقدرتنا على استثمار هذه العضوية في بناء شراكات فاعلة، واكتساب المعرفة، والمشاركة في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي، حتى يكون السودان شريكا في صناعة هذا المستقبل، وليس مجرد متابع لما ينتجه الآخرون.



