الرواية الأولى

نروي لتعرف

من اعماقي / د. امجد عمر

عالجوا الشعور وليس الموقف

د. امجد عمر



الملاحظ أن النقاش حول المشكلات الاجتماعية في الفترة الأخيرة يكثر، لكن اغلبه لا يصل إلى حلول حقيقية، بل قد تتفاقم بعض المشكلات مع مرور الوقت. السبب أننا في اكثر الأحيان نناقش ما ظهر أمامنا، ولا نضع ايدينا بموضع الألم الحقيقي. نتمسك بالموقف، ونبحث عن المخطئ، ونحاول أن نثبت من كان على حق، بينما يكون خلف ذلك الموقف شعور آخر لم يجد طريقه إلى الكلام.
لذلك قد ينتهي النقاش، لكن المشكلة تظل موجودة؛ لأنها ببساطة لم تكن في المكان الذي كنا نبحث فيه.
في كثير من الخلافات الأسرية، يكون هناك موقف واضح يشعل المشكلة، لكن خلفه شعور أعمق. قد يغضب أحد الطرفين لأن شريكه اهتم بأمه أو أخته أو ابنه أكثر منه في موقف معين، فيرى أن هذا الاهتمام كان يجب أن يكون من نصيبه. يبدأ الطرف الآخر في شرح موقفه: هناك سبب، وهناك ظرف، وهذا الشخص كان يحتاج إلى الاهتمام. قد يكون كلامه صحيحًا، لكن ذلك لا يعني أن المشكلة انتهت؛ لأن الطرف الآخر ربما لم يكن يناقش الموقف أصلًا، وإنما كان يعبر عن شعور داخلي يقول: «أشعر أنني لست في المكان الذي أريده في حياتك».
هنا نحتاج أن نفرق بين الموقف والشعور. الموقف يمكن أن يكون منطقيًا، لكن الشعور الذي نتج عنه حقيقي أيضًا. ليس المطلوب أن نحكم سريعًا على أحدهما بأنه مخطئ والآخر بأنه محق، وإنما أن نفهم لماذا كان هذا الموقف مؤلمًا.
أحيانًا لا يكون السؤال الحقيقي: «لماذا فعلت ذلك؟»، وإنما: «لماذا شعرت بهذا الألم عندما فعلت ذلك؟»
كثير من الخلافات تنشأ أيضًا بسبب اختلاف التوقعات. أحد الطرفين قد يرى أن الاهتمام يعني السؤال المستمر، والحديث عن تفاصيل اليوم، والكلمات الجميلة، والمشاركة في كل شيء. بينما يرى الطرف الآخر أن الاهتمام يظهر في تحمل المسؤولية، وتوفير الأمان، والوقوف وقت الحاجة.
إذا كان أحدهما بعيدًا بسبب العمل أو الغربة وضغوط الحياة، فقد لا يستطيع أن يتواصل بالطريقة التي يتوقعها الطرف الآخر، وفي الوقت نفسه قد لا يرى الطرف الآخر حجم الضغط الذي يعيشه شريكه.
هنا لا يكون الخلاف بالضرورة بسبب قلة الحب، وإنما بسبب اختلاف طريقة التعبير عنه.
أحدهما يقول: «لو كنت تهتم بي لفعلت كذا»، والآخر يقول: «أنا أفعل الكثير من أجلك، ألا ترى ذلك؟». كلاهما قد يكون صادقًا، لكن كل واحد منهما يتحدث عن الحب بلغة مختلفة.
الغيرة كذلك قد تخفي وراءها شعورًا آخر. عندما يرى أحد الأطراف شريكه يهتم بشخص آخر، قد يبدأ النقاش حول: لماذا اهتممت به؟ لماذا أعطيته هذا الوقت؟ لماذا لم تفعل الشيء نفسه معي؟
خلف هذه الأسئلة قد يكون هناك خوف من فقدان المكانة، أو حاجة إلى مزيد من الطمأنينة، أو رغبة في الشعور بأنني ما زلت مهمًا في حياتك. لذلك فإن الرد على السؤال الظاهر وحده قد لا يحل شيئًا؛ لأن المشكلة الحقيقية قد لا تكون في الشخص الذي حصل على الاهتمام، وإنما في الشعور الذي تولد لدى الطرف الآخر.
حتى الكلمات الكبيرة التي تُقال في لحظات الغضب، ومنها التهديد بالانفصال أو الطلاق، قد تكون في بعض الحالات تعبيرًا عن ألم أو خوف أو رغبة في التأكد من مكانة الإنسان عند شريكه. هذا لا يعني أن الطلاق أمر بسيط أو أن كل تهديد به ينبغي تجاهله؛ فقد يكون أحيانًا تعبيرًا عن قرار جاد وأسباب حقيقية. لكن فهم الشعور الذي سبق الكلمة يساعدنا على معرفة ما إذا كنا أمام مشكلة تحتاج إلى حوار، أم أمام قرار يحتاج إلى معالجة أعمق.
لذلك، عندما تحدث المشكلة، لا ينبغي أن يكون أول سؤال: «من المخطئ؟»
الأهم أن نسأل: «ما الذي حدث؟ وماذا شعر الطرف الآخر؟»
إذا كان تصرف أو كلمة أو موقف قد سبب ألمًا أو ضيقًا لشخص نعيش معه، فليس ضروريًا أن نقتنع بأننا أخطأنا حتى نعتذر. يكفي أن نعرف أن ما فعلناه ترك أثرًا سلبيًا في إنسان يهمنا أمره.
قد أرى أن ما فعلته كان طبيعيًا ومنطقيًا، لكن عندما أعرف أنه أوجعك، أستطيع أن أقول: «لم أقصد أن أؤذيك، وأعتذر لأن الأمر ضايقك، وسأحاول ألا أكرره».
هذا الاعتذار لا يعني أنني تخلّيت عن رأيي، ولا يعني أنك أصبحت صاحب الحق في كل شيء. إنه فقط تقدير لمشاعرك، وتأكيد أن العلاقة عندي أهم من الانتصار في النقاش.
ليس كل ما يزعجنا يجب أن نطلب من الآخرين أن يغيروه، لكن في العلاقات القريبة هناك أشياء يمكننا أن نتركها ببساطة عندما نعرف أنها تؤذي من نحب. أحيانًا يكون التنازل عن تصرف صغير أسهل بكثير من إصلاح أثره بعد أن يكبر.
المشكلة أن الإنسان عندما يشعر بالألم لا يبحث دائمًا عن أفضل طريقة للتعبير عنه. قد يتحول الألم إلى غضب، والغضب إلى عتاب، والعتاب إلى اتهام، ثم يتحول الاتهام إلى مشكلة جديدة. في كل مرحلة نبتعد أكثر عن الشعور الأول الذي بدأ منه كل شيء.
لهذا، عندما نسمع غضبًا، علينا أن نحاول أن نسمع ما وراء الغضب. عندما نسمع عتابًا، نحاول أن نعرف ما الذي يحتاجه صاحبه. عندما نرى غيرة، نسأل عن الخوف الذي يقف خلفها.
ليس الهدف تبرير الخطأ، وإنما الوصول إلى المكان الذي يمكن أن يبدأ منه العلاج.
المواقف مثل الأوراق التي تظهر على سطح الماء، أما المشاعر فهي ما يتحرك في العمق. إذا ظللنا نطارد الأوراق، ستظهر لنا أوراق جديدة كل مرة. لكن إذا وصلنا إلى ما يحرك الماء من تحته، يمكن أن تتغير الصورة كلها.
العلاقات لا تحتاج دائمًا إلى شخص ينتصر في النقاش، بل إلى شخص ينتبه إلى أن هناك قلبًا يتألم خلف الكلام. قد نختلف في الرأي، وقد لا نتفق على تفسير الموقف، لكن يمكننا أن نتفق على شيء أبسط: ألا نستهين بمشاعر بعضنا.
لا تطاردوا الموقف حتى تنسوا الإنسان الذي يقف خلفه. اسألوا عن الألم قبل أن تحاكموا التصرف، وعن الاحتياج قبل أن تردوا على الغضب، وعن الخوف قبل أن تفسروا الغيرة.
فبعض الخلافات لا تحتاج إلى من ينتصر فيها، بل إلى من يكتشف الجرح الذي أشعلها.
عالجوا الشعور، وليس الموقف؛ فحين نصل إلى موضع الألم الحقيقي، يصبح حل المشكلة أسهل، ويصبح الاختلاف مجرد اختلاف راي، لا شرارة تشعل ما بيننا.

اترك رد