الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

تصنيف الإرهاب بين المبدأ والهوى

مصطفي عبدالعزيز البطل

بين يديّ منشور قصير كتبه الاستاذ إبراهيم عثمان، جمع فيه باقة من التصريحات التي أدلى بها بعض قيادات تنظيم “صمود” في لقاءات متلفزة أو منشورة. والخلاصة التي يخرج بها القارئ من هذه التصريحات أن تصنيف قوات الدعم السريع منظمةً إرهابية يكاد يكون عملاً عبثياً؛ فلا هو يمنع حرباً، ولا يرد مظلمة، ولا يقدم ولا يؤخر. وبناءً عليه، فإن المطالبة بهذا التصنيف تبدو، في نظرهم، انشغالاً بما لا طائل من ورائه.

وهذه بعض الأقوال أو التصريحات التي رصدها الحبيب ابراهيم:

  1. 1-بكري الجاك (الناطق الرسمي باسم “صمود”): هل ستوقف الانشقاقات داخل الدعم السريع الحرب؟
  2. 2-بكري الجاك: هل يعني ارتكاب جرائم إرهابية بالضرورة تصنيف الجهة منظمةً إرهابية؟
  3. 3-بكري الجاك: لنفترض أن البرلمان الأوروبي صنف الدعم السريع منظمةً إرهابية، فهل سينهي ذلك الحرب أو يعالج جذورها التاريخية؟
  4. 4-بكري الجاك: هناك منظمات كثيرة صُنفت إرهابية، ومع ذلك لم تتوقف عن القتال، بل ظهرت لها مسميات جديدة.
  5. 5-بكري الجاك: لنفترض أن البرلمان الأوروبي فرض عقوبات على الدول الداعمة للحرب، بما فيها الإمارات، فهل سينهي ذلك الحرب؟
  6. 6-جعفر حسن: إذا صنف العالم الدعم السريع منظمةً إرهابية، فهل سيوقف ذلك الحرب؟ هذا هو السؤال الأساسي.
  7. 7-خالد عمر: هل أدى تصنيف حماس أو المؤتمر الوطني الأفريقي إلى وقف الحرب؟

انتهى.

وبعد الشكر لهؤلاء الأحباب على هذا الدرس المكثف في اقتصاد الجدوى، أود أن أطرح هذا التساؤل:

إذا كان تصنيف قوات الدعم السريع، وهي المليشيا التي قتلت واغتصبت ونهبت وروّعت وشردت وهجرت الملايين، وارتكبت من الجرائم والفظائع ما تقشعر له الأبدان، لا فائدة منه ولا قيمة له لأن التصنيف لن يغير شيئاً في الواقع، فلماذا أصبح تصنيف الحركة الإسلامية عملاً سياسياً وقانونياً بالغ الأهمية ومطلباً مشروعاً ذا جدوى وأولوية؟ ما الذي تغير؟ هل هو مفهوم التصنيف، أم هوية الجهة المطلوب تصنيفها؟

بل دعونا نعمم القاعدة توفيراً للوقت والجهد: إذا كان أي تصنيف لا يجدي ولا يفيد ولا يمنع الحروب، فلماذا تصنف الدول والمنظمات في الأصل جماعات إرهابية؟ ولماذا تفرض العقوبات؟ ولماذا تُنشأ قوائم الإرهاب أساساً؟ أليست كل هذه الإجراءات، وفق هذا المنطق مجرد نشاط بيروقراطي لا يقدم ولا يؤخر؟!

الغريب أن معيار “هل سيوقف الحرب؟” لا يظهر إلا عندما يكون الحديث عن الدعم السريع. أما عندما يتحول الحديث إلى الحركة الإسلامية، فيختفي هذا المعيار فجأة، وكأنه لم يكن، ويصبح التصنيف في حد ذاته إنجازاً سياسياً كبيراً يستحق السعي إليه، رغم أن المبرر هنا لا يتجاوز الحديث عن احتمال، مجرد احتمال، لممارسة الإرهاب أو العنف في المستقبل من جانب الحركة الاسلامية، بينما لا تكفي جرائم وفظائع الدعم السريع التي يعجز عنها الوصف الماثلة أمام العالم، بضحاياها وشهودها وأدلتها، لإقناع أصحاب هذا المنطق بجدوى التصنيف!

أن أحداً لم يقل يوماً إن تصنيف أي جماعة إرهابية هو عصا سحرية تنهي الحروب. فالتصنيف ليس بديلاً عن الحلول السياسية أو العسكرية، وإنما هو أداة لعزل الجهة او الكيان، وتجفيف مصادر تمويله وتسليحه، وتقييد حركته، ورفع كلفة التعامل معه، وتجريده من أي شرعية سياسية أو قانونية.

فإذا كانت هذه الآثار معتبرة عندما يتعلق الأمر بغير الدعم السريع، فلماذا تصبح فجأة بلا قيمة عندما يكون الدعم السريع هو المعني؟ ولماذا يتحول التصنيف من أداة قانونية وسياسية مشروعة إلى عمل عبثي لا جدوى منه، فقط لأن الجهة المراد تصنيفها هي الدعم السريع؟!

السؤال في حقيقته ليس عن جدوى التصنيف، بل عن ازدواجية المعيار. فإن كان تصنيف الإرهاب يُبنى على طبيعة الأفعال والجرائم، فالدعم السريع أولى به من كثير من التنظيمات التي سبقت إلى تلك القوائم. أما إذا كان التصنيف يُمنح أو يُحجب تبعاً لهوية الفاعل، لا لحقيقة أفعاله، فحينها لا يعود الحديث عن مبدأ قانوني أو أخلاقي، وإنما عن انتقائية سياسية تتبدل فيها المبادئ بتبدل الأسماء.

وعندئذٍ لا تكون المشكلة في تصنيف الإرهاب، بل في مفهوم الإرهاب كما يراه البعض؛ فهو ليس وصفًا للأفعال ولا حكماً على الجرائم، وإنما لقبٌ يُمنح ويُحجب بحسب هوية الخصم!

اترك رد

error: Content is protected !!