قبل أن يكتب التاريخ حكمه… رسائل مفتوحة إلى السيد الرئيس (7-7)(خواطر من أجل رؤية وطنية لمسؤولية القيادة في إصلاح وبناء الدولة السودانية بعد الحرب)

صناعة المستقبل… الدولة التي تستحقها الأجيال
السيد الرئيس…
من أعظم مسؤوليات القائد أن يدير الحاضر، وأن يصنع مستقبلاً قد لا يراه بعينيه، لكنه يتركه ميراثاً للأجيال القادمة. فالحاضر تصنعه القرارات اليومية، أما المستقبل فتشكله الرؤى الكبرى، والدول التي تفتقد رؤية بعيدة المدى تبقى أسيرة ردود الأفعال، مهما أحسنت إدارة أزماتها.
لقد انشغل السودان، لعقود طويلة، بإطفاء الحرائق أكثر من انشغاله ببناء المستقبل. وكلما انتهت أزمة، بدأت أخرى، حتى أصبح التخطيط للمستقبل ترفاً تؤجله الضرورات، بينما كانت الأمم من حولنا ترسم خرائطها لعقود قادمة، وتبني اقتصادها، وتطور تعليمها، وتصنع مكانتها في العالم.
واليوم، وبعد هذه الحرب القاسية، يفرض المستقبل سؤالاً أكبر: أيُّ سودان نريد أن نورثه لأبنائنا؟
إن إعادة بناء المباني مهمة، لكن إعادة بناء الإنسان أهم. وإصلاح الاقتصاد ضرورة، بينما يبقى بناء العقل المنتج ضمانة لاستدامة هذا الإصلاح. واستعادة الأمن غاية عاجلة، وترسيخ ثقافة الدولة هو الضمان الحقيقي لاستمرار الأمن.
ولذلك فإن السودان يحتاج إلى رؤية وطنية تمتد لعشرين أو ثلاثين عاماً، لا ترتبط بعمر حكومة، ولا تتغير بتغير الأشخاص، بل تصبح عقداً وطنياً تلتزم به مؤسسات الدولة جميعها، وتتعاقب على تنفيذه الحكومات جيلاً بعد جيل.
إن الأمم الكبرى تنهض بمشروع وطني جامع، يعرف فيه كل مواطن مكانه، ويشعر بأن نجاح الدولة نجاح له، وأن تقدمه الشخصي جزء من تقدم وطنه.
السيد الرئيس…
إن بناء الإنسان يجب أن يكون نقطة البداية. فالتعليم يمثل أكبر استثمار في المستقبل. والمدرسة هي البيئة التي تُبنى فيها القيم، والانضباط، وروح المبادرة، والانتماء الوطني، إلى جانب اكتساب المعرفة. والجامعة تمثل بيتاً لإنتاج المعرفة، والبحث، والابتكار، ومنها تنطلق العقول القادرة على قيادة المستقبل.
كما أن الثقافة والإعلام لا ينبغي أن يكتفيا بنقل الأخبار، بل عليهما أن يسهما في بناء الوعي الوطني، وتعزيز قيم العمل، واحترام القانون، ونبذ الكراهية، وترسيخ ثقافة الإنتاج والإبداع.
إن السودان يملك ثروة بشرية هائلة، وشباباً يمتلكون الطاقة والطموح، لكنهم يحتاجون إلى بيئة تفتح لهم أبواب الإنجاز، لا إلى واقع يدفعهم إلى الهجرة أو اليأس. وكل شاب يجد فرصة ليبدع داخل وطنه هو مكسب للدولة، وكل عقل يغادر لأنه لم يجد مكانه فيها هو خسارة وطنية لا تعوض.
وفي عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، أصبح المستقبل تُشكله المعرفة، والتقنية، والابتكار، والقدرة على المنافسة، بينما تتحول الموارد الطبيعية إلى قيمة حقيقية حين تُدار بهذه الأدوات. ولذلك فإن الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، أصبح ضرورة لحجز مكان السودان في عالم الغد.
السيد الرئيس…
لن تبلغ المقومات التي حبا الله بها السودان قيمتها الحقيقية إلا إذا أُحسن توظيفها في بناء اقتصاد منتج، وتعزيز القيمة المضافة، وجعل الإنسان السوداني محور التنمية وغايتها.
ويبقى المشروع الوطني هو الإطار الجامع الذي يجمع كل ذلك. مشروع يرتكز على السودان بوصفه وطناً يتسع للجميع، ودولة تعلو على الجميع، ويبتعد عن الانتماءات الضيقة والاستقطاب السياسي، ليجعل المصلحة الوطنية هي القاسم المشترك الذي يلتقي عنده الجميع.
إن الشعوب التي صنعت نهضتها لم تكن أقل تنوعاً من السودان، لكنها نجحت لأنها اتفقت على مستقبلها قبل أن تختلف على تفاصيل حاضرها. وما أحوجنا اليوم إلى هذا الاتفاق الوطني الكبير، الذي يجعل التنمية، والعلم، والإنتاج، والعدالة، ووحدة البلاد، أهدافاً وطنية جامعة.
السيد الرئيس…
سيأتي يوم يقرأ فيه أبناء هذا الجيل ما كُتب عن هذه المرحلة. ولن يسألوا كم كانت الخلافات، ولا كم كانت التحديات، بل سيسألون سؤالاً واحداً: هل امتلكت القيادة الشجاعة الكافية لتنظر إلى ما بعد الحرب، أم بقيت أسيرة لها؟
إن القادة الحقيقيين يُعرفون بحجم المستقبل الذي صنعوه لشعوبهم، وبما تركوه من مؤسسات، ورؤى، وفرص، تتجاوز أعمارهم وأعمار مراحلهم.
وإذا استطاع السودان أن يحول محنة الحرب إلى نقطة انطلاق نحو دولة حديثة، عادلة، قوية، منتجة، تحترم الإنسان، وتحتكم إلى القانون، وتؤمن بالعلم، فإن هذه الحرب، على قسوتها، ستكون آخر الحروب التي صنعت المستقبل بدلاً من أن تسرقه.
وحينها فقط… سيكتب التاريخ حكمه، وستكتب الأجيال شهادتها، وسيكون الوطن هو المنتصر الأكبر.
حفظ الله السودان، وألهم قيادته وشعبه الرشد، وجعل هذه المرحلة بدايةً لنهضةٍ تليق بتاريخ هذا الوطن وإمكاناته.



