الحوار السوداني وورقة الواثق كمير… بين تعدد السرديات ووحدة الحقيقة

حين تُطرح الأوراق والأفكار السياسية في لحظات سياسية مفصلية، لا تبقى قيمتها محصورة في مضمونها وحده؛ فالتوقيت الذي تظهر فيه، والسياق الذي تتحرك داخله، والموقع الذي يشغله صاحبها، قد تمنحها من الدلالة والتأثير ما يتجاوز حدود النص نفسه. وورقة الدكتور الواثق كمير حول «قضايا الخلاف التي لا يمكن تجاوزها في الحوار السوداني–السوداني» تجمع، بدرجات متفاوتة، بين هذه العناصر الثلاثة، بما تطرحه من أسئلة حول أكثر قضايا الحرب والحوار تعقيداً، وبما أحاط بظهورها من سياق منحها حضوراً يتجاوز حدود المساهمة الفكرية المجردة. ومن هذه الزاوية تستحق الورقة قراءة متأنية تتجاوز الاتفاق أو الاختلاف مع تفاصيلها إلى مساءلة الفكرة التي تقف خلفها، والمنهج الذي تقترحه للتعامل مع الخلافات السودانية، وما يمكن أن يترتب عليه في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
فالورقة وجدت خلال الفترة الأخيرة اهتماماً وتداولاً ربما لم تحظَ بهما أوراق ومقالات عديدة تناولت الحرب والحوار ومستقبل العملية السياسية، وتزداد دلالة ذلك مع ظهور اسم الدكتور الواثق كمير ضمن أعضاء لجنة مهمتها التهيئة للحوار السوداني–السوداني. وهنا يصبح من الصعب التعامل مع الورقة باعتبارها جهداً فكرياً معزولاً تماماً عن سياقها السياسي، حتى وإن حرص صاحبها على التأكيد بأنها «ليست بوثيقة لأي لجنة أو مبادرة، وليست مقترحاً لأجندة جاهزة للحوار»، وإنما مساهمة شخصية مستقلة مطروحة للنقاش والاختبار.
هذا التنبيه مهم، وينبغي احترامه، لكنه لا يلغي حقيقة أن الأفكار تكتسب وزناً إضافياً عندما ينتقل أصحابها من فضاء الكتابة والتحليل إلى موقع المشاركة في صناعة العملية التي يكتبون عنها. وعند هذه النقطة لا تعود المسألة متعلقة بحق الكاتب في الاجتهاد، وهو حق أصيل، وإنما تصبح متعلقة بالأثر الذي قد تصنعه مفاهيمه إذا انتقلت، ولو جزئياً، من الورقة إلى منهج التفكير في الحوار نفسه. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: إلى أي مدى تعكس هذه الورقة تصوراً فكرياً يمكن أن يجد طريقه إلى هندسة التهيئة للحوار القادم؟
تنطلق الورقة من فرضية جديرة بالنقاش، مؤداها أن تعثر الحوار السوداني لا يعود إلى غياب المبادرات والدعوات إليه، بقدر ما يرتبط بخلافات عميقة يجري القفز فوقها، فتعود لاحقاً لتعطيله أو تفجيره من داخله. وتضع الورقة طبيعة حرب أبريل في قلب هذه الخلافات، إلى جانب خمس قضايا مترابطة تتصل بقوات الدعم السريع، والقوات المسلحة، وقيادة الجيش، ودور الإسلاميين، ثم دور الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وفي هذا التشخيص قدر معتبر من الوجاهة؛ فالحوار الذي يتجنب الأسئلة الصعبة قد ينجح في جمع الأطراف حول الطاولة، لكنه لن ينجح بالضرورة في إنتاج تسوية قابلة للحياة. كما أن تاريخ السودان السياسي يقدم شواهد كثيرة على اتفاقات عالجت نتائج الأزمات وأرجأت جذورها، فعادت الخلافات بصورة أكثر تعقيداً. ومن هذه الزاوية، فإن دعوة الورقة إلى تسمية الخلافات بدلاً من دفنها تحت لغة التوافق تبدو أكثر نضجاً من كثير من التصورات التي تبدأ من الرغبة في الاتفاق قبل تحديد موضوع الاختلاف.
غير أن موضع المراجعة يبدأ من الطريقة التي توضع بها هذه القضايا داخل إطار واحد بوصفها «خلافات» ينبغي الاعتراف بتعدد المواقف حولها وإدارتها داخل الحوار.
فهنا تظهر مشكلة منهجية تسبق الخلاف السياسي نفسه: هل كل ما يختلف عليه الفاعلون السياسيون يصبح، بمجرد اختلافهم عليه، «قضية خلاف» متكافئة الأطراف؟ وهل يكفي وجود روايات متعددة حتى تصبح الحقيقة نفسها متعددة؟
ليست كل القضايا السياسية من طبيعة واحدة، وليس كل خلاف بالضرورة مجرد اختلاف في السرديات.
ويظهر ذلك بوضوح في السؤال الذي تمنحه الورقة مساحة مركزية: كيف نفهم حرب أبريل؟
تتعامل الورقة مع تعريف طبيعة الحرب باعتباره أحد أعمق مواضع الانقسام بين القوى السودانية، وترى أن القوى المختلفة تنطلق من سرديات متباينة في تعريف الحرب وأسبابها وأطرافها ودوافعها، وأن المطلوب ليس حسم هذه السرديات قبل الحوار، وإنما الاعتراف بوجودها ووضعها على الطاولة. وهي ترى أن الخلاف حول طبيعة الحرب ينعكس مباشرة على الموقف من أطرافها، وعلى مصادر الشرعية، ودور المؤسسة العسكرية، وموقع الإسلاميين، وحدود التدخل الإقليمي والدولي، ومن ثم على شكل العملية السياسية نفسها.
هنا تحديداً تحتاج الفرضية إلى تدقيق أعمق.
فالحوار يستطيع استيعاب اختلاف المواقف السياسية، وتعدد القراءات حول أسباب الأزمة ومسؤولية النخب ومسار الانتقال وشكل الدولة ومستقبل الحكم. لكنه لا يستطيع، من دون كلفة معرفية وسياسية كبيرة، أن يبدأ من افتراض أن الوقائع نفسها مجرد روايات متوازية. فهناك فرق بين تعدد التفسيرات وتعدد الحقائق، وبين الاختلاف حول معنى الواقعة والاختلاف حول وقوعها، وبين الجدل السياسي حول المسؤولية والقدرة على إثبات عناصرها.
وإذا تحول كل شيء إلى «سردية»، فقد نجد أنفسنا أمام مساواة غير مقصودة بين ما يمكن إخضاعه للتفاوض السياسي وما ينبغي إخضاعه للتحقق والتوثيق والقانون.
هذه ليست ملاحظة لغوية، وإنما مسألة تمس فلسفة الحوار ذاته. فالحوار ليس محكمة، لكنه أيضاً لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن الحقيقة، ولا يمكن لتسوية مستقرة أن تقوم على تعليق الحكم على الوقائع وتحويلها جميعاً إلى وجهات نظر متنافسة. هناك مساحة للاختلاف السياسي، ومساحة أخرى لتثبيت الوقائع، وأي خلط بين المساحتين قد يجعل التوافق نفسه قائماً على أرض رخوة.
فالسودان عاش منذ الخامس عشر من أبريل 2023م حرباً أنتجت وقائع مادية هائلة: قتالاً واسعاً، وسيطرة على مدن ومؤسسات ومنازل المواطنين، ونزوحاً ولجوءاً، وانتهاكات جسيمة، وأدواراً وتدخلات إقليمية ودولية، وتحولات عسكرية وسياسية عميقة. ويمكن للسودانيين أن يختلفوا حول تفسير مقدمات الحرب، وحول أخطاء الأطراف التي سبقتها، وحول المسار السياسي الذي انتهى إليها؛ لكن تحويل طبيعة الحرب كلها إلى مجموعة سرديات متقابلة قد يجعل الحوار يبدأ من أرضية ملتبسة لا تساعد لاحقاً في تحديد المسؤوليات أو ترتيب الأولويات أو حتى تعريف معنى السلام المطلوب.
فإذا لم يكن هناك حد أدنى من الاتفاق على ما جرى، فكيف يمكن الاتفاق على ما ينبغي فعله بعده؟
وهذا يقود إلى ملاحظة أخرى تتعلق بوضع القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ضمن قائمة واحدة من «قضايا الخلاف». صحيح أن الموقف من الطرفين أصبح جزءاً من الاستقطاب السياسي، لكن مجرد وجود الخلاف حولهما لا يضعهما في موقع قانوني أو مؤسسي أو تاريخي متماثل. فالنقاش الجاد ينبغي أن يميز بين طبيعة الموقع المؤسسي والقانوني لكل طرف، ومسار نشأته وتطوره، وبنية قيادته، وعلاقته بالدولة، والوضع الذي أفرزته الحرب، بدلاً من اختزال كل ذلك في مجرد وجود موقفين سياسيين متقابلين منهما.
فالتكافؤ في الحضور على طاولة النقاش لا يقتضي التكافؤ في الوصف القانوني أو الموقع المؤسسي.
مستقبل القوات المسلحة، وإصلاحها وتطويرها وعلاقتها بالحكم المدني، كلها موضوعات مشروعة للحوار الوطني؛ بل هي من صميم أي مشروع جاد لبناء الدولة. غير أن مناقشتها ينبغي ألا تنطلق من صياغة تذيب الفروق القانونية والمؤسسية بين أطراف المشهد، لأن الحوار حين يفقد القدرة على التمييز بين مواقع الأطراف داخل بنية الدولة، يتحول من أداة لإعادة بناء النظام السياسي إلى أداة لإعادة تعريف النظام السياسي من نقطة الصفر.
والأمر نفسه ينطبق على التدخل الخارجي. فالورقة تضع «دور الفاعلين الإقليميين والدوليين» ضمن القضايا الخمس المختلف حولها، بينما تبدو الحاجة أكبر إلى الانتقال من العمومية إلى أسئلة أكثر تحديداً: ما حدود الدور الخارجي المقبول في الحوار السوداني؟ من يملك العملية السياسية؟ وكيف يُمنع تأثير مصالح الدول على إرادة السودانيين؟ وكيف تُناقش الاتهامات المتعلقة بالتدخل في الحرب ودعم أطرافها؟
وهنا يصبح الفرق مهماً بين «دور خارجي» يمكن مناقشة ضرورته أو حدوده، وبين أفعال خارجية قد تمس السيادة نفسها. فاللغة الواسعة قد تكون مفيدة في فتح باب النقاش، لكنها تصبح خطرة حين تضع الوساطة، والضغط السياسي، والدعم العسكري، والتدخل المباشر داخل خانة تحليلية واحدة.
ميزة الورقة الأساسية أنها تحاول إخراج الحوار من وهم الإجماع المسبق، وهذه نقطة تحسب لها. فالحوار الحقيقي لا يحتاج أطرافاً متفقة قبل أن تجلس، وإلا انتفت الحاجة إليه. كما أن دعوتها إلى تسمية الخلافات ووضعها على الطاولة بدلاً من إخفائها تمثل منهجاً أكثر واقعية من صناعة توافق شكلي سرعان ما ينهار عند أول اختبار. والورقة نفسها تؤكد أن المطلوب ليس إزالة الخلاف قبل الحوار، وإنما الاعتراف به وطرحه بصورة مبكرة ومنظمة.
لكن الوجه الآخر لهذه الفكرة أن الاعتراف بالخلاف لا يعني تحييد الحقيقة، وإدارة التعدد لا تعني مساواة جميع الروايات، وفتح القضايا للنقاش لا ينبغي أن يحول الثوابت المتعلقة بالدولة وسيادتها ومؤسساتها إلى مجرد وجهات نظر متقابلة.
فالحياد المنهجي مطلوب من القائمين على الحوار، لأنه يضمن عدالة العملية وحق الأطراف في التعبير عن رؤاها، لكنه يختلف عن الحياد المعرفي تجاه ما يمكن التحقق منه. فالأول ضرورة لإدارة الحوار، أما الثاني فقد يقود، إذا أسيء استخدامه، إلى تسوية بين الحقيقة ونقيضها.
وهنا تعود أهمية موقع الدكتور الواثق كمير نفسه.
فوجود اسمه ضمن لجنة التهيئة للحوار يمنح هذه الورقة، بصرف النظر عن تأكيد استقلاليتها، وزناً يتجاوز حدود المساهمة الأكاديمية العابرة في المجال العام. والاهتمام الكبير الذي حظيت به مؤخراً يعزز الحاجة إلى مناقشتها بجدية، لأن بعض مفاهيمها قد تتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى مفاتيح لفهم الحوار وترتيب أجندته وتحديد نقطة بدايته.
وهذا لا يعني نسبة الورقة إلى اللجنة، ولا افتراض أنها تمثل رؤية متفقاً عليها، لكن السياسة لا تفصل بسهولة بين الفكرة وصاحبها عندما يصبح صاحب الفكرة جزءاً من مؤسسة مسؤولة عن تهيئة المجال الذي تتحدث عنه الفكرة.
والسؤال في النهاية ليس ما إذا كانت ورقة الواثق كمير مع الحوار أو ضده؛ فهي بوضوح تنطلق من الإيمان بضرورته. السؤال الأهم هو: من أي أرضية يبدأ الحوار؟
نحتاج حواراً يضع الخلافات الحقيقية على الطاولة، نعم، لكننا نحتاج بالقدر نفسه إلى أرضية وطنية واضحة تمنع تحول الحوار إلى عملية لإعادة تعريف الدولة نفسها تحت ضغط الحرب وموازين القوة والتدخلات الخارجية.
نجاح الحوار السوداني لن يتوقف فقط على قدرته على جمع المختلفين، وإنما على قدرته على التمييز بين ما يجوز أن نختلف حوله، وما يجب أن نتحقق منه، وما ينبغي أن نتوافق عليه باعتباره من أسس الدولة وسيادتها.
وربما يكون السؤال عن الأرضية التي يبدأ منها الحوار هو ما ينبغي أن يسبق القضايا الخمس نفسها:
هل نذهب إلى الحوار باعتبار الحقيقة نفسها موضوعاً للتفاوض، أم نذهب إليه لبناء رؤية وطنية مشتركة تنطلق من وقائع يمكن التحقق منها، ومن حقيقة الدولة وسيادتها وحقها في البقاء؟
الفارق بين السؤالين ليس بسيطاً؛ فقد يكون هو الفارق بين حوار يعالج أزمة السودان، وحوار يعيد إنتاجها في صيغة جديدة.



