
ليست السياسة قيمةً مطلقة تُقاس بصوابها في كل توقيت، كما أن الحرب ليست خطأً مطلقًا لمجرد استمرارها. فالمعضلة التي واجهت كثيرًا من الدول المضطربة لم تكن في وجود السياسة أو غيابها، وإنما في اختلال علاقتها بضرورات الدولة نفسها. إذ دفعت أممٌ أثمانًا باهظة لأن السياسة تأخرت حتى استنزفتها الحروب، بينما دفعت أخرى أثمانًا لا تقل فداحة حين استعجلت الترتيبات السياسية قبل أن تستعيد الدولة توازنها أو تكتمل شروط بقائها وسيادتها. وفي هذا الموضع الحساس من العلاقة بين القوة والتوافق، وبين مقتضيات الميدان وحسابات التسوية، يقف السودان اليوم أمام تحدي ترتيب الأولويات الوطنية على نحوٍ لا يجعل السياسة خصمًا للدولة، ولا يجعل الدولة رهينةً لتوقيتٍ سياسي غير ناضج.
ويجد هذا المعنى تجلياته بوضوح في الحالة السودانية الراهنة. فالحرب التي انفجرت في أبريل 2023م لم تُحدث مجرد اضطرابٍ أمني أو تنازعٍ سياسي محدود على السلطة، وإنما فتحت جرحًا عميقًا في جسد الدولة نفسها، حين امتدت آثارها إلى السيادة ووحدة القرار واحتكار القوة وخرائط السيطرة ومفهوم الشرعية الوطنية. ولذلك فإن الجدل المتصاعد حول الحوار والترتيبات السياسية والانتقال والحكومة المقبلة لا يتصل—في جوهره—برفض السياسة أو قبولها، وإنما بترتيب الأولويات الوطنية وتوقيت العملية السياسية وطبيعة الأرض التي ستقوم عليها.
فليست كل تسويةٍ مدخلًا للاستقرار بالضرورة، كما أن القيمة الحقيقية لأي ترتيبات سياسية لا تُقاس بمجرد إعلانها، وإنما بقدرتها على أن تأتي امتدادًا لاستعادة الدولة وتحصينها، لا سابقًا عليها أو خصمًا من شروطها.
والخطأ الأكبر في مثل هذه اللحظات هو اختزال العلاقة بين الحرب والسياسة في معادلةٍ تبسيطية من نوع “إما البندقية وإما الحوار”. فالدول لا تُدار بهذه الثنائية الحادة، لأن السياسة والحرب—في حقيقتهما—ليستا دائمًا نقيضين، بل كثيرًا ما تتحركان داخل مشروع الدولة ذاته، وفق ما تفرضه ضرورات البقاء ومقتضيات الاستقرار.
ولعل من أكثر ما يربك النقاش العام الخلط بين وظائف الدولة في زمن الحرب ومراحل تعافيها بعدها. فبناء الدولة—في معناه الأوسع—لا يبدأ بعد الحرب بالضرورة، ولا يتوقف أثناءها؛ بل يمتد، بحسب طبيعة الأزمة، ليشمل إدارة الحرب نفسها، ثم بناء السلام، ثم إعادة تأسيس المؤسسات والشرعية والعقد الوطني. ومن هنا يصبح من الضروري التمييز—لا بين مساراتٍ متعارضة، بل بين وظائفٍ ومستوياتٍ متداخلة داخل مشروع الدولة ذاته.
فإدارة الحرب ليست نقيضًا لبناء الدولة، كما أن بناء السلام ليس مرحلة منفصلة عنها، وإنما كلاهما جزء من سعي الدولة لحماية وجودها واستعادة توازنها ومنع الانهيار أو التشظي. وفي هذا السياق، قد تستخدم إدارة الحرب أدواتٍ سياسية ودبلوماسية وإعلامية أثناء القتال ذاته، وقد تتضمن تفاوضًا أو رسائل أو تفاهمات محدودة تخدم أهدافًا ميدانية أو إنسانية أو استراتيجية. أما بناء السلام، فهو مسار أكثر تعقيدًا، يتصل بمعالجة أسباب النزاع وترتيب علاقات القوى داخل الدولة والمجتمع ومنع تجدد الصراع. بينما يظل بناء الدولة الإطار الأشمل والأعمق الذي تنتظم داخله هذه الوظائف جميعًا، لأنه يتعلق بإعادة تأسيس الشرعية، وترميم المؤسسات، وتثبيت احتكار القوة وسيادة القانون، وصياغة عقدٍ وطني قادر على حماية الاستقرار واستدامته.
ولهذا لا تكون السياسة أثناء الحرب بالضرورة سياسة تسوية، كما أن أي حوار لا يعني تلقائيًا الدخول في مرحلة السلام النهائي. فالخلط بين هذه الوظائف كثيرًا ما يقود إلى ارتباكٍ في التقدير وإلى تحميل السياسة أو الحرب ما لا تحتمله وظيفتهما الحقيقية.
وتكشف التجارب الدولية أن العلاقة بين الترتيبات السياسية والعسكرية لا تخضع لوصفةٍ واحدة صالحة لكل النزاعات. فهناك حروب تقدمت فيها السياسة على الميدان لأن القتال فقد أفق الحسم أو تحول إلى استنزافٍ شامل يستحيل معه تحقيق مكاسب وطنية إضافية، فأصبحت التسوية ضرورة لحماية المجتمع والدولة من الانهيار. وفي المقابل، برزت حالات أخرى تقدمت فيها الضرورات العسكرية على السياسية، لا لأن الحرب غايةٌ في ذاتها، بل لأن الدولة نفسها كانت موضع تهديد، أو لأن تعدد السلاح والسلطات خلق واقعًا تصبح فيه التسويات المبكرة مدخلًا لشرعنة القوة خارج مؤسسات الدولة.
وفي مثل هذه البيئات، قد تتحول السياسة المبكرة—دون قصد—إلى تفاوض على الدولة نفسها بدل أن تكون تفاوضًا داخل الدولة. ولذلك يظل تحديد موقع النزاع نفسه عاملًا حاسمًا في تقدير الأولويات؛ إذ يختلف التعامل مع صراعٍ يدور داخل دولة مستقرة تختلف قواها حول ترتيبات الحكم، عن حربٍ مست جانبًا من بنية الدولة واحتكارها للقوة ووحدة مرجعيتها وسيادتها.
وفي هذا الإطار اكتسبت تصريحات السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان الأخيرة بشأن الحوار وزنًا سياسيًا يتجاوز مجرد إعلانٍ عابر أو دعوةٍ تقليدية للتوافق. فقد بدا واضحًا أن المبادرة لم تُقرأ باعتبارها خطابًا سياسيًا اعتياديًا، وإنما باعتبارها إشارة محتملة إلى مرحلة جديدة قد تمس شكل الحرب ومآلاتها وطبيعة الترتيبات التي يمكن أن تعقبها.
ومن هنا اكتسبت ردود الفعل قدرًا عاليًا من الحساسية والتباين. فالحوار—في ذاته—لا يمثل إشكالًا نظريًا في حياة الدول، إذ لا يمكن لمجتمعٍ أن يعيش بمنطق الحرب الدائمة أو القطيعة السياسية المطلقة. غير أن حساسية الاستجابة للمبادرة ارتبطت بما هو أبعد من مبدأ الحوار نفسه؛ إذ قرأتها بعض القوى بوصفها احتمالًا لإعادة ترتيب المجال السياسي وتحديد ملامح المرحلة المقبلة ومن يملك التأثير في صياغتها.
ولهذا لم يكن الخلاف الحقيقي حول الحوار من حيث المبدأ، بقدر ما كان حول توقيته ومرجعيته وحدوده ومن هم أطرافه، وما إذا كان المقصود به إدارة التباينات الوطنية وفتح المجال العام، أم الدخول في ترتيبات انتقالية قبل اكتمال شروط الدولة واستعادة سيادتها.
وفي هذا السياق برزت مواقف بعض القوى المعارضة أو القوى التي تُصنف ضمن المعسكر الرافض للحرب أو المختلف مع المؤسسة العسكرية، بما في ذلك مجموعات مثل “صمود” و”تأسيس”. وقد عكست ردود أفعال هذه القوى تعقيد المشهد أكثر من كونها مجرد اختلافات سياسية عابرة. فبعضها قرأ إعلان الحوار باعتباره فرصة محتملة لفتح المجال السياسي وكسر حالة الاستقطاب، بينما تعاملت معه أطراف أخرى بتحفظ أو ريبة، انطلاقًا من اعتقاد مفاده أن أي عملية سياسية تُدار من مركز القوة القائم قد تعيد تعريف التمثيل السياسي وفق ميزان القوة الراهن.
ومن هنا يتجاوز جوهر التباين مجرد القبول بالحوار أو رفضه، ليقترب من معركة أوسع تتصل بتحديد من يملك صياغة المشهد السياسي المقبل، وشكل الدولة، وموقع المؤسسة العسكرية فيها وحدود السلطة داخلها.
وتزداد هذه المسألة وضوحًا عند النظر إلى ما عُرف بميثاق إعلان القوى السودانية في نيروبي. فالميثاق لم يُقرأ لدى كثيرين باعتباره مجرد وثيقة سياسية معزولة أو مبادرة تفاوضية مستقلة، وإنما كجزء من تنافسٍ أوسع على المرجعية السياسية وتمثيل السودان وإعادة هندسة الشرعية أثناء الحرب.
فالحروب الطويلة كثيرًا ما تنتج محاولات لبناء مرجعيات موازية أو إعادة توزيع شرعية التمثيل خارج المركز التقليدي للدولة، سواء عبر حكومات موازية أو مواثيق سياسية أو تحالفات عابرة للحدود. غير أن تقييم هذه المبادرات لا يرتبط فقط بالاتفاق أو الاختلاف معها، وإنما بمدى تأثيرها العملي على وحدة الدولة واحتكارها للسيادة ومنع تشظي المرجعيات الوطنية.
ولهذا فإن موقع ميثاق نيروبي داخل المشهد لا ينفصل عن معركة الشرعية الجارية نفسها؛ فحين تتعدد المنابر والمواثيق ومراكز الادعاء بالتمثيل السياسي أثناء الحرب، يصبح التحدي الحقيقي هو الحفاظ على مرجعية وطنية جامعة لا تسمح بتحول التنافس السياسي إلى تعددٍ متوازٍ في مصادر الشرعية أو إلى تفاوضٍ على الدولة من خارج مؤسساتها.
ومن هذا المنظور، يحتاج أي مشروع سياسي يُطرح أثناء الحرب—مهما كانت دوافعه أو شعاراته—إلى تقييمٍ دقيق لا يكتفي بلغة التوافق أو العدالة أو المشاركة، وإنما ينظر كذلك إلى أثره الفعلي على بنية الدولة؛ فالمعيار الحقيقي يظل في قدرته على توحيد المرجعية الوطنية ودعم وحدة القرار، لا في فتح المجال لشرعياتٍ متوازية تتنازع المجال العام.
ولا تقل عن ذلك أهمية مسألة التدخل الخارجي، وهي قضية لا تتعلق فقط بالأدوار الإقليمية والدولية المعروفة في الأزمة السودانية، وإنما بطبيعة العلاقة نفسها بين الداخل والخارج أثناء الحروب.
فليس كل حضور خارجي تدخلًا بالمعنى السلبي، كما أن الوساطة أو الدعم الدولي ليست بالضرورة وصاية. لكن الفارق الجوهري يظل قائمًا بين وساطة تساعد الإرادة الوطنية، وبين تدخل يبدأ بالرعاية وينتهي بإعادة تشكيل أولويات الدولة وفق حسابات الخارج.
وقد علمتنا تجارب المنطقة أن التسويات التي تُبنى على توازنات خارجية أكثر من استنادها إلى توافق وطني صلب، تظل غالبًا قابلة للانتكاس بمجرد تغير المصالح أو تبدل الرعاة. ولهذا يصبح تحصين أي ترتيبات عسكرية أو سياسية أو دستورية من التأثيرات الخارجية المفرطة شرطًا من شروط الاستقرار، لا ترفًا سياديًا أو خطابًا عاطفيًا.
إن السودان لا يحتاج إلى عزلة عن العالم، لكنه يحتاج—قبل كل شيء—إلى ألا تصبح إرادته الوطنية مجرد ساحةٍ لتقاطع الإرادات الأخرى.
فالدولة التي تعجز عن السياسة تُطيل أمد النزاعات، لكن الدولة التي تستعجل السياسة قبل تثبيت أسسها قد تجد نفسها لا تفاوض على السلام، وإنما على ما تبقى من الدولة نفسها. وربما لهذا السبب لا تكون كل نهايةٍ للحرب بدايةً للسلام بالضرورة، كما أن السياسة التي تسبق اكتمال الدولة قد لا تُنهي الحرب… بقدر ما تعيد توزيعها بأدواتٍ أخرى.
الثلاثاء 2 يونيو 2026م



