الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

السودان وتركيا والبحر الأحمر… عندما تتقاطع معركة الدولة مع تحولات الإقليم

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

في السياسة الدولية، لا تُقرأ الزيارات الرسمية فقط من خلال جدول اللقاءات والمراسم المصاحبة لها، فبعض الزيارات تنعقد في لحظات تتقاطع فيها المصالح، وتتغير فيها خرائط النفوذ، وتبحث فيها الدول عن موقعها داخل معادلات جديدة تتشكل من حولها.

ومن هذا المنظور، فإن زيارة رئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن حسن العطا إلى العاصمة التركية أنقرة، بدعوة رسمية من رئيس هيئة الأركان التركي الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، واستقباله من وزير الدفاع التركي يشار غولر، تحمل دلالات تتجاوز بعدها العسكري المباشر، لتندرج ضمن سياق أوسع يرتبط بمستقبل السودان، وإعادة بناء مؤسساته، والتحولات الأمنية المتسارعة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من توقيتها قبل أي شيء آخر؛ فالسودان يعيش واحدة من أصعب مراحله التاريخية، حيث تخوض الدولة حرباً تمثل في جوهرها صراعاً حول مفهوم الدولة ومؤسساتها وقدرتها على حماية سيادتها، وأن تكون صاحبة القرار في استخدام القوة داخل حدودها. وفي مثل هذه المراحل، تصبح العلاقات الدولية جزءاً من معركة إعادة بناء الدولة، وليس مجرد مسار دبلوماسي موازٍ.

لقد أظهرت الحرب السودانية أن طبيعة الصراعات الحديثة تغيرت بصورة عميقة؛ فلم تعد القوة العسكرية تعتمد فقط على حجم القوات أو كثافة النيران، وإنما أصبحت التكنولوجيا العسكرية، والطائرات المسيّرة، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة، عناصر أساسية في تحديد موازين القوة.

ومن هنا تبرز أهمية التجربة التركية التي استطاعت خلال السنوات الماضية أن تنتقل بالصناعة الدفاعية من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الإنتاج والتطوير، وأن تبني منظومة تجمع بين المعرفة العسكرية والتكنولوجيا والقدرة الصناعية الوطنية. فقد نجحت تركيا في تحويل الاستثمار في البحث والتطوير والصناعات الدفاعية إلى أحد عناصر قوتها الاستراتيجية، وربطت بين بناء القدرة العسكرية وتعزيز هامش استقلال القرار السياسي.

ولهذا فإن أهمية التقارب السوداني التركي في هذه المرحلة لا تكمن فقط في الجانب العسكري المباشر، وإنما في إمكانية بناء شراكات طويلة المدى ترتبط بتطوير القدرات، ونقل الخبرة، وتأهيل المؤسسات، والاستفادة من التجربة التركية في مجالات الصناعات الدفاعية، والتدريب، والتخطيط الاستراتيجي.

فالسودان في المرحلة المقبلة يحتاج إلى أكثر من إدارة المعركة؛ فهو بحاجة إلى إعادة بناء منظومته الدفاعية على أسس حديثة تستوعب دروس الحرب الحالية، وتستعد لتحديات المستقبل. وحتى بعد توقف القتال، ستبقى مسؤولية الدولة في حماية حدودها، وموانئها، ومجالها الجوي، ومواردها الاستراتيجية.

ومن هنا يصبح السؤال: لماذا تركيا الآن؟

الإجابة ترتبط بطبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة. فتركيا أصبحت لاعباً إقليمياً مؤثراً يمتلك خبرة متقدمة في الصناعات الدفاعية، وقدرة على تطوير التكنولوجيا العسكرية، وحضوراً متزايداً في ملفات الأمن الإقليمي. كما تقدم تجربتها نموذجاً لدولة استطاعت خلال فترة زمنية محدودة أن تربط بين تطوير القوة العسكرية وبناء قاعدة صناعية وطنية تمنح القرار السياسي مساحة أكبر من الاستقلالية، وهو درس مهم للدول التي تسعى إلى بناء قدرتها الوطنية في بيئة دولية لا تمنح النفوذ إلا لمن يمتلك أدواته.

ويمثل موقع تركيا في معادلات البحر الأسود والشرق الأوسط وأفريقيا، إلى جانب تجربتها في بناء علاقات متوازنة مع محيطها الإقليمي، عاملاً يمنحها قدرة على التحرك في مساحات تتداخل فيها اعتبارات الأمن والسياسة والاقتصاد.

ولهذا فإن التعاون بين الخرطوم وأنقرة يمكن أن يمثل فرصة للانتقال من علاقات فرضتها ظروف الحرب إلى شراكة استراتيجية تخدم مشروع بناء الدولة السودانية، خاصة في مجالات التدريب، وتطوير القدرات، والتكنولوجيا الدفاعية، والتخطيط للمؤسسات العسكرية والأمنية.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن قراءة هذه الزيارة بعيداً عن التحولات الكبرى التي يشهدها البحر الأحمر.

فهذا الإقليم لم يعد مجرد ممر مائي يفصل بين قارات، وإنما أصبح واحداً من أهم ميادين التنافس الجيوسياسي في العالم. فهو شريان للتجارة الدولية، وممر للطاقة، ومنطقة تلتقي فيها مصالح الخليج والشرق الأوسط والقرن الأفريقي والقوى الدولية الكبرى.

وأثبتت التطورات الأخيرة أن أمن البحر الأحمر أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية، الأمر الذي دفع إلى ظهور ترتيبات إقليمية جديدة تهدف إلى حماية الملاحة وتعزيز التنسيق الأمني والبحري.

وفي هذا السياق تأتي المبادرة السعودية لإنشاء إطار تعاون بحري دفاعي متعدد الأطراف لحماية أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، باعتبارها مؤشراً على إدراك متزايد لحاجة المنطقة إلى بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر فاعلية، تقوم على التعاون وتبادل المعلومات ورفع مستوى الجاهزية البحرية.

كما تأتي اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ضمن هذا السياق الأوسع، باعتبارها تعبيراً عن توجه نحو تعزيز التعاون الدفاعي بين دول تمتلك قدرات عسكرية وسياسية ومواقع استراتيجية مهمة.

وهذه التحولات تطرح أمام السودان سؤالاً مركزياً: هل سيكون السودان جزءاً من هندسة النظام الأمني الجديد في البحر الأحمر، أم سيكتفي بمراقبة التحولات التي تجري حوله؟

فموقع السودان على البحر الأحمر، وامتلاكه ساحلاً طويلاً، ووجود موانئه في قلب أحد أهم طرق التجارة العالمية، يجعل استقراره جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي.

لكن الجغرافيا وحدها لا تمنح الدول النفوذ، وإنما القدرة على تحويل الموقع إلى سياسات ومصالح وقدرات.

ولهذا فإن المطلوب من السودان هو الانتقال في نظرته إلى البحر الأحمر من كونه حدوداً ساحلية إلى اعتباره مجالاً استراتيجياً لصناعة القوة. وهذا يتطلب تطوير القدرات البحرية السودانية، وتعزيز حماية الساحل، وتأهيل القوات البحرية، وتطوير منظومات المراقبة والاستطلاع، وبناء قدرات مكافحة التهريب والأنشطة غير المشروعة، وتأمين الموانئ والمياه الإقليمية، وحماية المنطقة الاقتصادية البحرية واستثمار إمكاناتها.

كما يتطلب الأمر انتقال السودان من موقع الدولة المعنية بأمن البحر الأحمر إلى موقع الدولة المشاركة في صياغة قواعد أمنه، لأن غياب السودان عن هذه المعادلات قد يجعل الآخرين يشاركون في صياغة مستقبل الإقليم دون الدولة الأكثر ارتباطاً بجغرافيته ومصالحه.

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى أن يرى السودان البحر الأحمر باعتباره مجالاً للنمو والنفوذ والشراكة، وليس مجرد منفذ تجاري أو شريط ساحلي.

إن زيارة الفريق أول ركن ياسر العطا إلى تركيا يمكن قراءتها باعتبارها جزءاً من مسار إعادة تموضع استراتيجي للسودان في بيئة إقليمية تشهد إعادة تشكيل لموازين القوة. فهي تأتي في وقت يحتاج فيه السودان إلى بناء شبكة علاقات متوازنة تقوم على دعم مؤسسات الدولة، وتعزيز قدراتها الوطنية، والحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي.

وفي البيئة الأمنية الجديدة، لن تصنع وفرة السلاح وحدها النفوذ؛ فالقوة الحقيقية أصبحت نتاجاً لتكامل التكنولوجيا والمعرفة والمؤسسات والقدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى دور سياسي مؤثر، يحمي المصالح الوطنية ويمنح الدولة هامشاً أكبر في صناعة القرار.

والسودان، بما يمتلكه من موقع وثروات وعمق تاريخي، أمام فرصة لإعادة تعريف مكانته؛ فالهدف ليس فقط تجاوز آثار الحرب، وإنما بناء دولة أكثر قدرة على حماية مصالحها والمشاركة في صياغة مستقبل الإقليم.

فالجغرافيا منحت السودان موقعاً لا يمكن تجاهله على خريطة البحر الأحمر، لكن التاريخ لا يمنح المكانة لمن يمتلك الموقع فقط؛ وإنما لمن يمتلك القدرة على تحويل الموقع إلى رؤية استراتيجية، والرؤية إلى قدرة، والقدرة إلى نفوذ يحمي المصالح الوطنية ويصنع الدور الإقليمي.

الأربعاء 19 أغسطس 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!