الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

حرب السودان.. حسابات الربح والخسارة بعد 1125 يومًا

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

اليوم، وبعد 1125 يومًا من حرب السودان، لم يعد المشهد كما بدا في أيامه الأولى؛ لا في الميدان، ولا في السياسة، ولا في مزاج المجتمع، ولا في حسابات القوى التي دفعت بهذه الحرب أو استثمرت فيها. فالبدايات في الحروب الطويلة غالبًا ما تكون مضلِّلة؛ تختلط فيها الصدمة بالدعاية، والاندفاع بسوء التقدير، وتبدو فيها القوة أكبر من حقيقتها. لكن الزمن يعيد فرز الوقائع بهدوءٍ قاسٍ؛ يكشف من يملك القدرة على الصمود، ومن كان مجرد اندفاعةٍ عنيفة بلا جذورٍ ولا أفق.

ولذلك فإن تقييم حرب السودان، بعد مرور 1125 يومًا على اندلاعها، بما يعادل ثلاث سنوات وتسعةً وعشرين يومًا، لا يمكن أن يُبنى على قراءةٍ عسكريةٍ مجردة، بل على فهمٍ أوسع لحسابات الربح والخسارة لدى الأطراف المحلية والإقليمية والدولية التي شاركت—بصورة مباشرة أو غير مباشرة—في صناعة هذه الحرب أو الاستثمار فيها.

لقد دخلت مليشيا الدعم السريع الحرب بأهدافٍ سياسية وعسكرية واضحة، وإن حاولت تغليف مشروعها بخطابٍ إعلامي وشعاراتٍ مرتبطة بالإصلاح والتحول السياسي. فالهدف الحقيقي كان الاستيلاء على السلطة بالقوة العسكرية، والانفراد بالحكم عبر مشروعٍ مسلح يقوم على إخضاع الدولة ومؤسساتها بالقوة، مع السعي إلى تفكيك مركز القوة الوطني المتمثل في الجيش السوداني. وفي سبيل ذلك، حاولت المليشيا استقطاب بعض الكيانات السياسية لتوفير غطاءٍ أو رافعةٍ سياسية لمشروعها العسكري، بالتوازي مع خدمة أجنداتٍ إقليمية ودولية تقاطعت مصالحها مع إضعاف الدولة السودانية وإعادة تشكيل موازين القوة في البلاد، ولو كان الثمن هو تدمير الوطن، واستنزاف الجيش، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وإدخال الشعب السوداني في واحدة من أكثر الحروب قسوةً في تاريخه الحديث.

وفي المقابل، خاض الجيش السوداني الحرب باعتبارها معركة وجود للدولة نفسها، لا مجرد مواجهة مع تمردٍ مسلح. وكان هدفه السياسي الحفاظ على وحدة الدولة ومنع سقوطها في نموذج المليشيات والحروب الأهلية المفتوحة، بينما تمثل هدفه العسكري في امتصاص الضربة الأولى، واستعادة التماسك، ثم الانتقال تدريجيًا من الدفاع إلى الهجوم واستعادة السيطرة على الأرض ومؤسسات الدولة.

وفي الأيام والأسابيع الأولى للحرب، بدا المشهد صادمًا وعنيفًا؛ إذ انتشرت المليشيا في نحو اثنتي عشرة ولاية من أصل ثماني عشرة ولاية، وسيطرت على مساحات واسعة، مستفيدة من عنصر المفاجأة، ومن انتشارها السابق داخل المدن، ومن دعمٍ خارجي منظم سياسيًا وماليًا ولوجستيًا وإعلاميًا. غير أن الحرب—كما تثبت تجارب التاريخ—لا تُحسم دائمًا بالضربة الأولى، بل بقدرة الأطراف على الصمود وإعادة بناء القوة.

لكن الحرب بدأت، منذ تلك المرحلة، في إنتاج معادلات مختلفة. فالجيش الذي تعرض لصدمةٍ كبيرة لم ينكسر، بل أعاد تنظيم صفوفه، واستعاد زمام المبادرة تدريجيًا، وانتقل من مرحلة الدفاع عن البقاء إلى مرحلة استعادة السيطرة والانتشار. وبعد أن كان التمرد قد تمدد في أغلب أنحاء البلاد، انحصر الصراع اليوم بصورة أساسية في أجزاء من كردفان وإقليم دارفور، بينما استعادت الدولة وجودها في مساحات واسعة كانت قد فقدتها في بداية الحرب.

وهذه ليست مجرد نتيجة ميدانية، بل مؤشر على فشل أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للمليشيا والداعمين لها، والمتمثل في إسقاط الجيش أو تفكيكه أو دفعه إلى الانقسام الداخلي. بل إن ما حدث كان عكس ذلك إلى حدٍ بعيد؛ إذ تماسك الجيش بصورة لافتة، وحافظ على بنيته القيادية والتنظيمية، واستطاع أن يُعيد إنتاج قدرته القتالية تحت ظروف شديدة التعقيد.

ولعل أحد أهم التحولات التي كشفتها الحرب، أن الرهان على انهيار المجتمع السوداني نفسه لم يتحقق بالصورة التي تصورها البعض. فرغم الانقسام السياسي، والضائقة الاقتصادية، والنزوح، والدمار، وشظف العيش، التف قطاعٌ واسع من الشعب حول الجيش باعتباره آخر مؤسسات الدولة السيادية القادرة على منع الانهيار الكامل.

ومع طول أمد الحرب، اكتسب الجيش وقيادته شرعيةً سياسية وشعبية متزايدة، وانعكس ذلك على الاعتراف بالحكومة القائمة بوصفها التعبير الرسمي عن الدولة السودانية، في مقابل فشل أي محاولات لانتزاع اعتراف دولي أو إقليمي بما عُرف بالحكومة الموازية أو حكومة “تأسيس”.

وفي المقابل، تكبدت المليشيا خسارةً أخلاقية وسياسية ضخمة ربما تفوق خسائرها العسكرية. فحجم الانتهاكات والفظائع التي ارتُكبت، من قتلٍ ونهبٍ واغتصابٍ وتهجيرٍ قسري واستهدافٍ للأحياء السكنية والبنية التحتية والخدمات المدنية، خلق صورةً ذهنية شديدة السلبية عنها داخليًا وخارجيًا. كما أن مخالفة قواعد الاشتباك، وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، واستخدام المرتزقة، والاستناد إلى التمويل الخارجي والمال السياسي الفاسد، كلها عوامل ساهمت في تآكل أي محاولة لتقديم المليشيا كقوة سياسية أو مشروع وطني بديل.

بل إن الحرب كشفت—بمرور الوقت—وجود شبكات دعمٍ إقليمية ودولية معقدة، شملت التمويل، والإمداد، والتنسيق الإعلامي والسياسي، وخطوط نقل السلاح والمرتزقة، في إطار مشروعٍ يتجاوز حدود السودان نفسه. ولذلك فإن هذه الحرب لم تكن مواجهة داخلية خالصة، بل ساحةً لتقاطعات إقليمية ودولية، حاولت فيها قوى متعددة إعادة تشكيل التوازنات في السودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يُعد بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين من أكبر الخاسرين في هذه الحرب، رغم ما امتلكوه من أدوات التأثير. فالإمارات، تعرضت لخسارةٍ كبيرة في صورتها داخل الوعي الشعبي السوداني، نتيجة الاتهامات المرتبطة بالدعم السياسي أو المالي أو اللوجستي للمليشيا. كما أن الكيانات السياسية التي وقفت خلف التمرد، أو حاولت تغطية ممارساته، أو ادعت الحياد في لحظةٍ كانت الدولة والشعب يتعرضان فيها لخطر التفكك، فقدت بدورها جزءًا كبيرًا من رصيدها الأخلاقي والسياسي.

فالحياد في الصراعات العادية قد يكون موقفًا سياسيًا مفهومًا، أما الحياد أمام تهديد وجود الدولة، وأمام الانتهاكات الواسعة بحق المدنيين، فإنه يتحول—في نظر قطاعات واسعة من الشعوب—إلى شكلٍ من أشكال الانحياز غير المباشر.

ومع ذلك، فإن الحديث عن الربح في حربٍ بهذا الحجم يظل حديثًا نسبيًا ومؤلمًا. فالسودان خسر عشرات الآلاف من الأرواح، وتعرضت مدنه وبناه التحتية واقتصاده ومؤسساته التعليمية والصحية والاجتماعية لدمارٍ هائل، ونزح الملايين، وتآكلت الطبقة الوسطى، وازدادت معدلات الفقر والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وهذه خسائر لا يمكن التقليل من فداحتها أو تجاوز آثارها بسهولة.
لكن، وبرغم هذا الخراب كله، ثمة مكسبٌ معنوي واستراتيجي بالغ الأهمية؛ وهو أن الدولة لم تسقط، وأن الجيش لم ينكسر، وأن المجتمع السوداني—رغم كل شيء—احتفظ بقدرٍ من التماسك، ورفض الخضوع الكامل لمعادلة المليشيا والفوضى.

لقد ربحت المؤسسة العسكرية معركة البقاء، وربح الشعب—بصبره وتضحياته—الحفاظ على فكرة السودان الموحد، وربحت قطاعات واسعة من السودانيين إدراكًا جديدًا لمعنى الدولة، وخطورة انهيار المؤسسات، وثمن الفوضى حين تتحول الحرب إلى مشروع لإعادة تشكيل الأوطان بالقوة والسلاح والمال الخارجي.

وفي المقابل، خسرت المليشيا مشروعيتها، وخسر داعموها إمكانية تحقيق حسمٍ سريع يعيد تشكيل السودان وفق حساباتهم، وخسرت القوى السياسية المرتبطة بها جزءًا كبيرًا من الثقة الشعبية، كما خسر الإقليم فرصة تجنيب السودان واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في تاريخه الحديث.

ولعل واحدةً من أكبر الخسائر التي أفرزتها هذه الحرب، أن المليشيا، ومعها شبكات الرعاية والدعم والتأييد السياسي والإعلامي التي ارتبطت بها، فقدت—إلى حدٍ بعيد—إمكانية القبول الطبيعي داخل الوجدان السوداني بوصفها مشروعًا يمكن أن يُبنى عليه مستقبل الدولة أو المؤسسة العسكرية أو الحياة السياسية. فحجم الدماء والانتهاكات والخراب الذي ارتبط بهذه الحرب، خلق حاجزًا نفسيًا وأخلاقيًا عميقًا بين قطاعات واسعة من السودانيين وبين كل من ارتبط بالمليشيا دعمًا أو تبريرًا أو تمويلًا أو اصطفافًا، وهو ما يجعل استعادة الشرعية السياسية أو العسكرية أو المجتمعية مسألةً بالغة التعقيد، حتى وإن توقفت الحرب عسكريًا في يومٍ من الأيام.

إن حسابات الربح والخسارة في حرب السودان لا تزال مفتوحة، لأن الحرب نفسها لم تنتهِ بعد بصورة كاملة، ولأن إعادة بناء الدولة ستكون معركةً أخرى لا تقل تعقيدًا عن المعركة العسكرية.

غير أن ما أثبتته هذه الحرب، بعد 1125 يومًا من الدم والخراب، أن السودان—رغم ما أصابه من استنزافٍ وجراحٍ وإنهاك—ليس وطنًا سهل الكسر، وأن الشعب السوداني لا يقبل أن يُسلَّم مصيره لمشروع المليشيا والفوضى والارتهان للخارج. وما تكشّف مع امتداد هذه الحرب، أن المليشيا التي قامت على العنف والارتهان قد تقتحم المدن وتبث الفوضى، لكن ذلك لا يكفي لإسقاط وطنٍ ما يزال شعبه يرى في دولته وجيشه معنى البقاء نفسه. والسودان، برغم الجراح، أثبت أنه أكبر من مشروع الاختطاف، والشعوب قد تُرهق وتدفع أثمانًا باهظة، لكنها لا تستسلم بسهولة حين تشعر أن المعركة أصبحت معركة وجودٍ وهويةٍ وكرامةٍ ووطن.

الخميس 14 مايو 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!