
لقد تجاوزت الحروب في عالم اليوم حدود المواجهات العسكرية التي تُحسم بالمدافع والدبابات ومواجهات الميدان العنيفة، لتتحول إلى منظوماتٍ مركّبة تُدار بعقول استراتيجية وتخطيط معقد، وتُنفَّذ عبر أدوات متداخلة تتجاوز الميدان إلى عمق الدولة والمجتمع معًا. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الحرب الدائرة في السودان بوصفها نموذجًا متقدمًا لما يُعرف بالحرب الهجينة، بل وبوصفها حربًا متعددة الطبقات تُخاض في آنٍ واحد على مستوياتٍ متعددة، تتوزع بين السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
هذه الحرب، في طبيعتها، لا تستهدف كسب معركة آنية بقدر ما تسعى إلى إعادة تشكيل الدولة السودانية نفسها؛ بنيتها، ووظيفتها، وعلاقاتها الداخلية والخارجية. وهي، بهذا المعنى، ليست مجرد صراع على السلطة، بل مشروع لإعادة تعريف وترتيب السودان في صورته الجديدة.
تندرج هذه الحرب ضمن نمط الحروب الهجينة الحديثة، حيث تتداخل أدوات القوة الصلبة والناعمة، وتُستخدم فيها جماعات مسلحة، وأذرع سياسية، ووسائل إعلام، وشبكات اقتصادية ضمن منظومة واحدة تعمل بتنسيقٍ ظاهرٍ أحيانًا، وخفيٍّ في كثير من الأحيان. وفي هذا السياق، لا يُستبعد أن تكون هذه الحرب—بكل تعقيداتها—ساحة اختبار لتطوير نماذج صراع يمكن إعادة إنتاجها في مناطق أخرى من الإقليم بعد استخلاص الدروس وتحسين الأدوات، فالسودان بموقعه الجيوسياسي وبنيته الاجتماعية وموارده يمثل بيئة مواتية لاختبار هذا النوع من الحروب المركبة.
تحمل هذه الحرب في طياتها أهدافًا سياسية عميقة، من أبرزها تفكيك الدولة المركزية وإضعاف قدرتها على بسط سلطتها تمهيدًا لإعادة تشكيلها وفق موازين قوى جديدة، وإعادة توزيع السلطة عبر فرض واقع سياسي مختلف تُعاد فيه هندسة مراكز النفوذ بعيدًا عن الأطر المؤسسية التقليدية، إلى جانب السعي لإنتاج نخبة سياسية بديلة تدين بالولاء لمراكز التأثير الجديدة وتُقدَّم بوصفها ممثلًا مدنيًا للمرحلة القادمة. وفي هذا الإطار، يبرز دور بعض المكونات المدنية التي قدّمت مواقف سياسية تلتقي—موضوعيًا—مع بعض مآلات هذه الحرب، وبدرجات متفاوتة من التقاطع مع مساراتها، مثل بعض أطراف قوى الحرية والتغيير، ومنصات مثل تقدم وصمود، حيث تُطرح رؤى سياسية تتماهى أو تتقاطع مع مآلات إعادة تشكيل السلطة، حتى وإن اختلفت في الخطاب المعلن، وبذلك لا يُعاد توزيع السلطة فحسب، بل يُعاد تعريف من يملك حق تمثيل الدولة نفسها.
وعلى المستوى العسكري، تبدو الأهداف أكثر وضوحًا وحدّة، إذ تسعى هذه الحرب إلى تدمير القدرات العسكرية للبلاد، بدءًا من كسر الجيش السوداني عبر إنهاكه في حرب استنزاف طويلة، وتفكيك المنظومة الأمنية والعسكرية بكافة تشكيلاتها، بما يشمل القوات النظامية الأخرى، إلى جانب استهداف وتدمير البنية الصناعية الدفاعية التي تمثل أحد أعمدة الاستقلال الاستراتيجي للدولة. والنتيجة المستهدفة من ذلك ليست مجرد إضعاف المؤسسة العسكرية، بل نزع قدرتها على أن تكون ركيزة لاستقرار الدولة أو حاميًا لوحدتها.
غير أن أخطر ما في هذه الحرب لا يكمن في وجهها العسكري فحسب، بل في طبقاتها العميقة التي تعمل على تفكيك الدولة والمجتمع من الداخل بصورة منهجية. فهناك طبقة ديموغرافية تتجلى فيها محاولة إعادة تشكيل الخريطة السكانية عبر النزوح القسري والهجرة والتوطين غير المتوازن، بما يؤدي إلى تغيير—بل وتشويه—التركيبة السكانية. وهناك طبقة اجتماعية يُعْمل عليها لإذكاء النعرات القبلية وتأجيج الفتن وإضعاف الروابط، حتى يتحول المجتمع إلى كيانات متنازعة بدل أن يكون كيانًا متماسكًا. وفي عمق ذلك، تمتد طبقة ثقافية يُستهدف فيها الإرث والرموز والذاكرة الجمعية بتدمير البنيات التحتية الثقافية من متاحف و مسارح و غيرها، فتُطمس الهوية تدريجيًا تحت ضغط الحرب والفوضى.
وتمتد هذه الطبقات إلى المستوى العلمي والتعليمي، حيث أُسْتُهْدِف النظام التعليمي في بنيته الأساسية عبر تدمير المدارس والجامعات ومراكز البحث والتطوير، وتعطيل العام الدراسي، بما لا يؤدي فقط إلى تعطيل العملية التعليمية، بل إلى إضعاف القدرة على إنتاج المعرفة، وقطع استمرارية التكوين العلمي للأجيال، وهو ما ينعكس على المدى البعيد في تآكل الكفاءات الوطنية، وإفراغ الدولة من أحد أهم عناصر قوتها المستقبلية.
ويمتد هذا التفكيك إلى الاقتصاد، حيث يُعاد تشكيله في صورة اقتصاد حرب قائم على النهب والتهريب، خاصة في ما يتعلق بالموارد الطبيعية مثل الذهب، في ظل غياب الدولة وتراجع قدرتها على الرقابة والسيطرة. ويترافق ذلك مع تنشيط شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، من تهريب البشر إلى المخدرات، بما يخلق اقتصادًا موازيًا يتغذى على الفوضى ويُطيل أمدها. وفي موازاة ذلك، تتعرض البنية التحتية لعمليات تدمير واسعة تطال الطرق والكباري والمطارات وشبكات الاتصالات، بما يؤدي إلى شلل وظيفي يعقّد أي محاولة للتعافي السريع، ليتحول الاقتصاد من أداة بناء دولة إلى أداة إطالة عمر الصراع.
إن هذه المستويات المتداخلة، حين تعمل في وقت واحد، لا تُنتج مجرد أزمة عابرة، بل تُنتج حالة انهيار مركّب يصعب احتواؤه بالمعالجات التقليدية، ما لم يُقابل برؤية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس جديدة.
إن التبصير بالحلول يبدأ من إدراك طبيعة هذه الحرب، فالدولة مطالبة بإعادة بناء مؤسساتها على أسس مهنية ومؤسسية، وتبني استراتيجية وطنية شاملة للأمن تأخذ في الاعتبار طبيعة التهديدات الهجينة، مع استعادة السيطرة على الموارد خاصة الذهب، وإغلاق مسارات التهريب، والعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية ضمن خطة إعمار مرتبطة بالأمن والاستقرار، إلى جانب إعادة بناء المنظومة الدفاعية والصناعية بما يحقق قدرًا من الاستقلال الاستراتيجي.
وفي المقابل، يقع على عاتق المجتمع دور لا يقل أهمية، يتمثل في تعزيز الوعي بخطورة هذه الحرب متعددة الطبقات، وعدم الانجرار وراء خطاب الكراهية، والعمل على ترميم النسيج الاجتماعي عبر مبادرات قائمة على المصالحة، ودعم الهوية الوطنية الجامعة في مواجهة التفكيك القبلي والجهوي، والسعي إلى تقوية الاقتصاد الإنتاجي كبديل عن اقتصاد الحرب.
إن أخطر ما في حرب السودان ليس ضجيج المعركة وصوت الرصاص، بل صمت التحولات العميقة التي تجري تحت سطحه. فهي حرب لا تُخاض فقط في الميدان، بل في العقول والبنى والعلاقات التي تُشكّل الدولة والمجتمع. ولهذا، فإن مواجهتها لا تكون بالسلاح وحده، بل بإدراك طبيعتها، وفهم طبقاتها، وبناء مشروع وطني مضاد يعيد للسودان تماسكه، ويستعيد به دولته، ويؤسس لمستقبل لا تُعاد فيه إنتاج هذه الحرب، لا في السودان ولا في غيره. وحين تُفهم الحرب على هذا النحو، لا يكون الخروج منها نهاية معركة، بل بداية استعادة الدولة.
السبت 25 ابريل 2026م


