الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

الحرب أولًا… وحدود السياسة

المسلمي البشير الكباشي

المسلمي البشير الكباشي

أثار حديث الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة، جدلًا سياسيًا واسعًا لا تزال أصداؤه تتردد في الساحة السودانية، بعدما أعاد إلى التداول عبارة «ما عدا المؤتمر الوطني». وهي عبارة ارتبطت في الذاكرة السياسية بمرحلة ما بعد سقوط نظام الرئيس عمر البشير، وأصبحت ترمز إلى استبعاد حزب المؤتمر الوطني من أي ترتيبات سياسية أو شراكة في المرحلة الانتقالية.

غير أن جوهر النقاش لا ينبغي أن ينصرف إلى الدفاع عن المؤتمر الوطني أو الاعتراض على إقصائه، وإنما إلى سؤال أكثر أهمية وإلحاحًا: ما أثر هذا الخطاب على حرب الكرامة؟ وهل يخدم المجهود الحربي، أم يضيف إلى البلاد جبهة سياسية جديدة في لحظة تتطلب أعلى درجات التماسك الوطني؟

قد يذهب البعض إلى أن الجيش ينبغي أن ينشغل بإدارة العمليات العسكرية، وأن تظل هندسة المشهد السياسي من اختصاص القوى المدنية. لكن هذا الرأي يتجاهل حقيقة فرضتها تطورات السنوات الماضية؛ فمنذ سقوط نظام البشير في أبريل 2019، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبح الجيش، بحكم الأمر الواقع، مركز الثقل السياسي للدولة، باعتباره المؤسسة التي تستند إليها شرعية السلطة وقدرتها على البقاء. ولذلك فإن أي خطاب يصدر عن قيادته يتجاوز بطبيعته الإطار العسكري إلى المجال السياسي.

ومن الطبيعي أن تكون لدى القيادة العسكرية اعتبارات سياسية تواكب العمل الميداني؛ فقد ترى أن الانتصار العسكري يحتاج إلى تصور واضح لليوم التالي، أو إلى رسائل تطمئن الداخل والخارج بشأن مستقبل الدولة، أو إلى تهيئة البيئة المناسبة لإنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الحكم.

غير أن تعدد الدوافع لا يلغي المعيار الذي ينبغي أن يُقاس به أي خطاب سياسي في زمن الحرب، وهو معيار بسيط في صيغته، عميق في دلالته:

هل يعزز هذا الخطاب مركز ثقل الدولة، أم يضعفه؟

فمركز الثقل في الحرب السودانية لا يتمثل في القوة العسكرية وحدها، وإنما في منظومة متكاملة تشمل تماسك المؤسسة العسكرية، وصلابة الحاضنة الشعبية، والحد الأدنى من التوافق السياسي الذي يمنع انقسام الجبهة الداخلية في مواجهة تهديد وجودي.

فإذا أدى الخطاب السياسي إلى توسيع دائرة الالتفاف الوطني، وتعزيز الثقة بين المكونات الداعمة للدولة، فإنه يصبح جزءًا من القوة الوطنية الشاملة، ويسهم في دعم المجهود الحربي. أما إذا أفضى إلى استقطاب جديد، أو بعث برسائل إقصاء إلى قوى تشارك في معركة الوجود، فإنه يضيف عبئًا سياسيًا إلى معركة عسكرية لم تنته بعد.

ومن هنا، فإن وجود مساحة للحركة السياسية أمام القيادة العسكرية ليس أمرًا مستهجنًا، بل قد تفرضه ضرورات الحرب نفسها. غير أن هذه المساحة ينبغي أن تظل محكومة بهدف واحد هو خدمة المعركة، لا إعادة تشكيل الخريطة الحزبية أو رسم موازين القوى المدنية.

ولعل التجربة السودانية منذ الاستقلال تقدم درسًا بالغ الدلالة. فما من تدخل عسكري في السياسة إلا جاء في ظل انقسام مدني حاد. فقد جاء انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958 في سياق أزمة سياسية عميقة دفعت بعض القوى إلى الترحيب بتدخل الجيش. وأعقب حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان حالة استقطاب مهدت لانقلاب جعفر نميري عام 1969. أما انقلاب عام 1989 فقد سبقته أزمة سياسية وأمنية معقدة، رأت فيها الجبهة الإسلامية أن وجودها في السلطة أصبح مهددًا، في ظل تصاعد نفوذ المؤسسة العسكرية ومذكرتها الشهيرة التي طالبت بإعادة ترتيب المشهد السياسي.

وإذا كان التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، فإنه كثيرًا ما يعيد إنتاج أنماطه. وما يزال السودان، بعد أكثر من سبعين عامًا على الاستقلال، يدور في الحلقة نفسها؛ كلما تعمق الخلاف بين القوى المدنية، اتجهت الأنظار إلى الجيش ليكون الحكم بين المتنازعين، أو السند لهذا الطرف أو ذاك.

ومن هنا تبرز أهمية أن تحافظ المؤسسة العسكرية على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية، وأن يكون خطابها جامعًا لا مفرقًا، لأن قوة الجيش لا تتجسد في انحيازه إلى فريق، وإنما في احتفاظه بثقة الجميع بوصفه مؤسسة الدولة، لا مؤسسة حزب أو تيار.

فكلما توسعت القيادة العسكرية في إدارة تفاصيل الصراع الحزبي، ازداد خطر انصرافها عن وظيفتها الأساسية، وهي إدارة الحرب وتحقيق أهدافها. كما أن استمرار هذا الانخراط قد يفتح الباب، بمرور الوقت، أمام انتقال الاستقطاب السياسي إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بما يحمله ذلك من مخاطر على تماسكها ووحدتها المهنية.

ومن زاوية أخرى، فإن الجيش الذي واجه طوال سنوات اتهامات بالارتباط بالمؤتمر الوطني، ينبغي أن يتحاشى الوقوع في اتهام معاكس، وهو الارتباط بقوى سياسية أخرى لم تستمد شرعيتها بعد من الإرادة الشعبية. فاستقلال المؤسسة العسكرية لا يتحقق بالانتقال من اصطفاف إلى آخر، وإنما بالارتفاع فوق جميع الاصطفافات.

إن مشروعية الجيش اليوم لا تستند إلى حضوره في المشهد السياسي، وإنما إلى نجاحه في أداء مهمته الوجودية: حماية الدولة، واستعادة الأمن، وكسب الحرب. فهذه هي المهمة التي من أجلها يقاتل الجنود، ومن أجلها ينتظر ملايين السودانيين العودة إلى ديارهم، واستئناف حياتهم الطبيعية.

كما لا يمكن إغفال أن التيار الإسلامي، بمختلف مكوناته، يمثل أحد الأطراف المشاركة في المجهود الحربي إلى جانب قوى أخرى، وهي حقيقة يعترف بها حتى كثير من خصوم الجيش الذين يصفون الحرب بأنها حرب الإسلاميين. ولذلك فإن أي خطاب يحمل دلالات الإقصاء في هذه المرحلة ينبغي أن يُوزن بميزان المصلحة الوطنية، لا بميزان الخلافات الحزبية، لأن أثره يتجاوز الحزب المقصود إلى الحالة المعنوية والسياسية للجبهة الداخلية بأكملها.

إن الحكمة التي تفرضها ظروف الحرب تقتضي أن يظل الدور السياسي للقيادة العسكرية محصورًا في كل ما يعزز وحدة الدولة ويقوي مركز ثقلها، لا في إدارة المنافسة بين الأحزاب أو تقرير من يشارك ومن يُستبعد. فالحروب الكبرى لا تُحسم بتفوق السلاح وحده، وإنما بقدرة الدولة على المحافظة على وحدة إرادتها الوطنية.

أما معارك السياسة، فسيأتي أوانها عندما تضع الحرب أوزارها، ويعود الاحتكام إلى الشعب، بوصفه المصدر الوحيد للشرعية في تقرير مستقبل الحكم ومن يتولى إدارته.

ففي زمن الحرب، لا ينبغي أن تكون السياسة منافسًا للمعركة، بل خادمًا لها. ذلك أن حماية الوطن والانتصار عليهما تقوم كل الشرعيات، ومن دونهما لا يبقى مجال لسياسة ولا لدولة.

اترك رد

error: Content is protected !!