
القاهرة، 17 أغسطس 2026
تتكرر، في النقاش السوداني الراهن، عبارة تبدو في ظاهرها بديهية ومقنعة: “لا حوار تحت النار”. وهي عبارة مفهومة تماماً من حيث الدافع الأخلاقي والسياسي؛ فلا يجوز أن يتحول الحديث عن الحوار إلى ستار لاستمرار الحرب، ولا أن تنشغل القوى السياسية والمدنية بصياغة المبادرات بينما تستمر المدافع والطائرات والمسيرات في قتل المدنيين، وتدمير المدن والقرى، وتعميق النزوح واللجوء، وتمزيق ما تبقى من النسيج الوطني.
وقد أعاد هذه المسألة إلى واجهة النقاش مقال مهم نشره مؤخراً البروفيسور مكي مدني الشبلي، دعا فيه لجنة تهيئة الحوار إلى أن تجعل وقف النار أولوية على الانشغال بترتيبات الحوار. وأحسب أن أهمية مقاله لا تأتي فقط من قوة عبارته المركزية: “لا حوار تحت النار”، بل من أنه يفتح سؤالاً أوسع حول العلاقة بين وقف الحرب والمسار السياسي: هل يسبق أحدهما الآخر بالضرورة، أم ينبغي التفكير فيهما كمسارين متلازمين؟
لكن صحة عبارة “لا حوار تحت النار” كتحذير أخلاقي لا تجعلها، بالضرورة، قاعدة سياسية مطلقة. فالسؤال ليس: هل نوقف الحرب أم نتحاور؟ فهذا سؤال يضع الأمرين في مواجهة غير صحيحة. السؤال الأدق هو: كيف نجعل أي مسار سياسي خادماً لوقف الحرب ومكملاً له، لا بديلاً عنه ولا غطاءً لاستمرارها؟
وقف الحرب أولوية لا جدال حولها. بل إن أي حديث عن حوار سوداني–سوداني يفقد معناه إذا انفصل عن وقف النار، وحماية المدنيين، وفتح المسارات الإنسانية، ومنع شرعنة سلطات الأمر الواقع التي تنتجها الحرب. غير أن وقف النار نفسه لا يصنع السلام تلقائياً. فقد يوقف الرصاص مؤقتاً، لكنه لا يعالج جذور الصراع، ولا يجيب على سؤال الدولة، ولا يحدد مستقبل السلاح، ولا يبني شرعية سياسية جديدة، ولا يمنع عودة الحرب إذا بقيت أسبابها قائمة.
صحيح أن الحرب، في وجهها العسكري المباشر، تدور بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وصحيح أن المدنيين لا يملكون المدافع ولا الطائرات ولا قرار إطلاق النار. لكن الحرب في السودان ليست مجرد اشتباك عسكري معزول عن السياسة والمجتمع والانقسام المدني والخطاب العام. هي أيضاً حرب رؤى، وحرب اصطفافات، وحرب سرديات، وحرب شرعيات متنازعة. ولذلك فإن وقف إطلاق النار، حتى لو وقّعه المتحاربون، لن يصمد طويلاً ما لم تحيط به بيئة سياسية ومدنية تساعد على حمايته، وتمنع تحويله إلى استراحة قصيرة قبل جولة أخرى. وتجربتنا السودانية نفسها تقول ذلك. فطوال سنوات الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وبالرغم من اختلاف طبيعتها وسياقها عن حرب اليوم، لم تنتظر المفاوضات توقف القتال بالكامل حتى تبدأ. فقد وُقّع بروتوكول مشاكوس في يوليو 2002، ثم تواصلت مفاوضات نيفاشا حول قضايا الحكم، والثروة، والسلطة، والمناطق الثلاث، والترتيبات الأمنية، إلى أن انتهت العملية بتوقيع اتفاق السلام الشامل في يناير 2005. ولم يكن وقف إطلاق النار الشامل شرطاً سابقاً لكل العملية السياسية، بل كان جزءاً من مسار تفاوضي أوسع.
هذه التجربة لا تصلح، بالطبع، للاستنساخ الميكانيكي. فحرب اليوم تختلف في أطرافها، وطبيعتها، وجغرافيتها، ودرجة تفكك الدولة والمجتمع، وحجم الانتهاكات، وتعدد التدخلات الخارجية. كما أن ما جرى في مشاكوس ونيفاشا كان تفاوضاً بين طرفي الحرب السياسيين، أي حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية، ولم يكن حواراً مدنياً عاماً، ولا تفاوضاً مباشراً بين الجيش السوداني والجيش الشعبي كجهازين عسكريين منفصلين عن مرجعيتهما السياسية. ومع ذلك، فالمغزى الأهم يبقى قائماً: أن المسار السياسي لم ينتظر صمت البنادق بالكامل حتى يبدأ، وأن وقف إطلاق النار الشامل لم يكن شرطاً سابقاً على العملية السياسية كلها، بل كان جزءاً من مسار تفاوضي أوسع انتهى باتفاق السلام الشامل. لذلك فالتجربة لا تقدم نموذجاً جاهزاً لحرب اليوم، لكنها تذكّرنا بحقيقة أساسية: السياسة لا تبدأ بعد صمت البنادق فقط؛ أحياناً تكون السياسة الجادة أحد شروط إسكاتها.
من هنا تبدو الحاجة إلى التمييز بين مهمتين مترابطتين لا ينبغي الخلط بينهما ولا فصلهما تماماً. الأولى هي وقف الحرب، وهذه مسؤولية المتحاربين أساساً، عبر هدنة إنسانية ووقف إطلاق نار شامل ومراقب. والثانية هي بناء السلام، وهذه مسؤولية القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، عبر حوار وطني جاد حول مستقبل الدولة، والجيش الواحد، والعدالة، والحكم، والدستور، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، وضمانات عدم العودة إلى الحرب.
الخطأ أن نطلب من المدنيين أن يحلوا خلافاتهم كلها قبل أن يوقف المتحاربون النار. والخطأ المقابل أن نترك وقف الحرب لترتيبات عسكرية معزولة عن السياسة، فيتحول إلى اتفاق بين حاملَي السلاح يعيد ترتيب موازين القوة دون معالجة جذور الأزمة. المطلوب ليس تقديم هذا على ذاك بصورة جامدة، بل بناء مسارين متوازيين ومترابطين: مسار عسكري/إنساني لوقف النار، ومسار سياسي/مدني لتهيئة شروط السلام ومنع إعادة إنتاج الحرب.
بهذا المعنى، فإن أي لجنة أو جهد لتيسير الحوار لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن منابر وقف إطلاق النار، ولا إلى غطاء للسلطة أو لأي طرف من أطراف الحرب، ولا إلى مصنع جديد للمبادرات. لكنه يستطيع، إذا التزم بحدوده، أن يعمل في مساحة لا يستطيع الوسطاء الخارجيون وحدهم ملأها: الاستماع إلى القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، فهم مخاوفها وشروطها، وبناء قاسم مشترك سوداني حول ما يجعل وقف الحرب والحوار اللاحق ممكنين ومقبولين.
وليست هذه دعوة إلى أن تنشغل القوى المدنية بنفسها بينما الحرب مستمرة، ولا إلى أن يصبح الحوار غطاءً سياسياً لواقع عسكري يتشكل كل يوم. بل العكس تماماً: المطلوب أن يكون وقف الحرب في قلب أي تهيئة سياسية جادة، وأن يكون واضحاً منذ البداية أن حماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، ورفض التقسيم ومؤسسات الأمر الواقع، وبناء جيش قومي مهني واحد، ليست قضايا ثانوية تؤجل إلى ما بعد الحوار، بل شروط أساسية لأي مسار يستحق أن يسمى مساراً وطنياً.
وفي المقابل، فإن مطالبة المتحاربين بوقف النار، مهما كانت ضرورية ومشروعة، لا تكفي وحدها. فقد صدرت عشرات النداءات والبيانات والمبادرات التي طالبت بوقف الحرب، ولم يكن النقص في العبارة الأخلاقية الصحيحة، بل في القدرة على تحويلها إلى مسار سياسي وعسكري وإنساني قابل للتحقق. لذلك فالسؤال العملي ليس فقط: من يخاطب البرهان وحميدتي؟ بل أيضاً: ما البيئة السياسية والمدنية التي تجعل وقف النار ممكناً، وتحميه إذا حدث، وتمنع أن يتحول إلى هدنة هشة أو صفقة بين حاملَي السلاح؟
ولذلك فإن الصيغة الأدق ليست: “هيئوا لوقف النار قبل أن تهيئوا للحوار”، وكأن التهيئة السياسية مناسبة مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الحرب. الصيغة الأدق هي: اجعلوا وقف النار في قلب التهيئة للحوار، واجعلوا التهيئة السياسية جزءاً من شروط وقف الحرب، لا بديلاً عنها.
نحن لا نحتاج حواراً يهرب من الحرب، ولا هدنة تهرب من السياسة. نحتاج مسارين يضغط كل منهما في اتجاه الآخر: وقف الحرب الآن، وتهيئة سياسية جادة تمنع عودتها غداً.
فالحوار الذي لا يرى النار قد يتحول إلى تمرين سياسي معزول عن الواقع. ووقف النار الذي لا يرى السياسة قد يتحول إلى هدنة هشة، أو صفقة عسكرية، أو استراحة حرب. وبين هذين الخطرين، يحتاج السودان إلى تفكير لا يكتفي بالشعار الصحيح أخلاقياً، بل يبحث عن الطريق الممكن سياسياً: كيف نوقف النزيف الآن، وكيف نمنع أن يعود النزيف باسم جديد غداً.




