الحوار السوداني – السوداني: قضايا الخلاف التي لا يمكن تجاوزها [ ورقة نقاش تمهيدية ]

الواثق كمير
kameir@yahoo.com
القاهرة، 26 أغسطس
تقديم
_أنشر هذه الورقة بوصفها مساهمة تحليلية شخصية مستقلة. فهي ليست بوثيقة باسم أي لجنة أو مبادرة، وليست مقترحاً لأجندة جاهزة للحوار.
وهي لا تدّعي أن القضايا الواردة فيها هي القائمة النهائية أو الوحيدة، بل تطرح فرضية قابلة للنقاش والاختبار: هل تمثل هذه القضايا، ومعها الخلاف حول طبيعة حرب أبريل، بعض الخلافات التي ينبغي أن تُطرح كأسئلة في المشاورات الأولية مع الفرقاء، حتى لا يبدأ الحوار بالقفز فوق ما يعطله منذ البداية؟
كُتب الكثير عن سبل إنهاء حرب السودان، بينما انصرف اهتمام أقل إلى سؤال ربما يسبق ذلك: لماذا لم تستطع القوى السياسية والمدنية السودانية، حتى الآن، أن تبدأ فيما بينها حواراً وطنياً جاداً حول إنهاء الحرب؟
لم يكن السودان، منذ الاستقلال، دولة بلا رؤى، بل دولة أنهكتها صراعات الرؤى. فقد ظل الخلاف حول طبيعة الدولة ونظام الحكم، ومصادر الشرعية، وهوية السلطة، وشكل العلاقة بين المركز والأطراف، والعلاقة بين الدين والدولة، حاضراً في صميم التجربة السياسية السودانية. ولم تفلح التسويات التي سعت إلى التوفيق بين رؤى متناقضة في إرساء أسس دولة مستقرة. فقد كشفت تجربة اتفاقية السلام الشامل أن الاتفاقات السياسية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي إذا ظلت الخلافات التأسيسية الكبرى دون معالجة، في سياق انتهى في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان.
وفي ظل استمرار حرب أبريل، لا يقتصر التحدي على وقف القتال، بل يمتد إلى تفكيك جملة من الخلافات السياسية العميقة التي تجعل جمع الفرقاء السودانيين حول طاولة واحدة أمراً بالغ الصعوبة، وتهدد في الوقت نفسه فرص نجاح أي حوار لا يواجهها بصورة مباشرة. فالأزمة الراهنة لا تُعزى إلى غياب المبادرات أو نقص الأفكار والمبادئ العامة، بقدر ما ترجع إلى انقسام حاد حول قضايا محددة وملموسة أفرزتها الحرب ووضعتها في صدارة الصراع السياسي.
نحو حوار سوداني شامل: قضايا الخلاف
تعود جذور «صراع الرؤى» في السودان، في جوهرها، إلى قضايا تأسيسية عميقة ظلت معلقة منذ الاستقلال، من بينها طبيعة الدولة، ومصادر الشرعية، والعلاقة بين المدني والعسكري، وحدود السلطة المركزية، ومفهوم المواطنة. غير أن الغرض من هذه الورقة ليس تناول تلك القضايا في مستواها الدستوري أو النظري المباشر، بل النظر في الكيفية التي تجسدت بها، في سياق حرب أبريل، في صورة خلافات سياسية راهنة ومحددة.
ولا يعني ذلك أن القضايا التأسيسية قد اختفت أو حُسمت. فقد ظلت مؤجلة عبر المراحل الانتقالية المتعاقبة، حيث انشغلت النخب السياسية والعسكرية، في الغالب، بالصراع حول سلطة الانتقال وتقاسم مؤسساتها أكثر من انشغالها بمعالجة الأسس الدستورية والسياسية التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة. وهكذا ظل سؤال «من يحكم؟» يتقدم على سؤال «كيف تُبنى الدولة؟».
وبذلك، لا يبدو الصراع على السلطة نقيضاً لصراع الرؤى بقدر ما ظل متداخلاً معه: فالتنافس على السلطة أسهم في تأجيل القضايا التأسيسية، بينما أدى استمرار تلك القضايا دون حسم إلى إعادة إنتاج الصراع السياسي حول السلطة في كل مرحلة جديدة. ومن هذا المنظور، فإن الخلافات السياسية الراهنة يجب ألا تُفهم باعتبارها بديلاً عن القضايا التأسيسية، ولا مجرد خلافات شكلية تخفي وراءها صراعاً على السلطة فحسب، وإنما بوصفها تعبيرات سياسية مباشرة عن تداخل صراع المصالح والسلطة مع خلافات أعمق حول الدولة والشرعية والحرب والانتقال.
وفي صورتها الراهنة، أصبحت هذه الخلافات حاضرة منذ الخطوات الأولى لأي مسعى لجمع الفرقاء، كما أن تجاوزها أو ترحيلها يهدد بإعادة إنتاج الانقسام داخل أي حوار لاحق. ولذلك، فإن معالجتها لا تغني عن النقاش التأسيسي الأوسع، ولا تعني ضرورة حسمها قبل انعقاد الحوار؛ بل تقتضي فتح النقاش حولها منذ المشاورات الأولية، ثم وضعها على طاولة الحوار نفسه بوصفها من موضوعاته المفتاحية.
وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة. فرغم أن معظم القوى السياسية والمدنية تكاد تتفق، من حيث المبدأ، على أن المدخل إلى العملية السياسية يبدأ بوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وبناء الثقة، ثم الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة، فإن هذا التوافق يظل أقرب إلى الاتفاق على ترتيب المراحل منه إلى الاتفاق على شروط تنفيذها. إذ سرعان ما تظهر الخلافات الجوهرية حول طبيعة الحرب وأطرافها، ومن يشارك في العملية السياسية، وما هي أسسها. وهي خلافات تظهر بالفعل منذ المشاورات الأولية، وتؤثر في استعداد الفرقاء للجلوس معاً وفي تصوراتهم للعملية السياسية نفسها.
ومن هنا تنطلق هذه الورقة، ليس لمناقشة ترتيب المراحل، ولا للمطالبة بحسم هذه الخلافات قبل بدء الحوار، وإنما لتسليط الضوء عليها باعتبارها قضايا لا يمكن تجاوزها، وقد يكون طرحها للنقاش هو نفسه مدخلاً لابتدار الحوار وتطويره عبر مراحله المختلفة.
ولا تهدف هذه الورقة إلى تقديم وصفة للحوار، أو اقتراح مسار تفاوضي بديل، أو منافسة المبادرات واللجان القائمة، أو عرقلة عملها أو التقليل من شأنها. فغايتها أكثر تواضعاً، لكنها ربما أكثر أساسية: تقديم إطار تحليلي للنقاش مع مختلف القوى السياسية والمجتمعية لاختبار فرضية بسيطة، وهي: هل تمثل القضايا الخمس، إلى جانب الخلاف الحاكم حول طبيعة حرب أبريل، أبرز قضايا الخلاف التي لا يمكن تجاوزها في السعي إلى حوار سوداني–سوداني جاد وذي معنى؟
وبذلك، لا تُعنى الورقة بالإعداد للحوار أو كيفية إدارته أو تحديد مخرجاته، وإنما بسؤال يسبق ذلك كله: ما الخلافات التي ينبغي مواجهتها، منذ المراحل الأولى، حتى يصبح جمع الفرقاء ممكناً ويصبح الحوار نفسه أكثر قابلية للنجاح؟
ولا تفترض الورقة أن هذه القضايا ينبغي حلها خارج مائدة الحوار أو التوصل إلى توافق مسبق حولها. على العكس، فإن حدة الخلاف حولها هي التي تجعل من الضروري طرحها بصراحة وشفافية منذ المشاورات الأولية لجمع الفرقاء، ثم مواصلة مناقشتها داخل عملية الحوار نفسها. فالمقصود ليس إزالة الخلاف قبل الحوار، وإنما منع الخلاف من أن يحول دون الحوار أو يفجره بعد انطلاقه.
وهناك خمس قضايا رئيسة تشكل اليوم جوهر هذا الخلاف السياسي: قوات الدعم السريع؛ القوات المسلحة السودانية؛ قيادة القوات المسلحة؛ دور الإسلاميين؛ ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وقد أصبحت حدة الانقسام حول هذه القضايا حاضرة في محاولات جمع الفرقاء والتحضير للحوار، كما يمكن أن تهدد أي عملية حوارية إذا جرى تجاوزها أو ترحيلها. ومن هنا، فإن التعامل الصريح معها لم يعد مجرد تمرين نظري، ولا يعني اشتراط التوصل إلى اتفاق مسبق بشأنها، وإنما ابتدار النقاش حولها مبكراً، حتى في مرحلة المشاورات الأولية، ثم مواصلة معالجتها داخل عملية الحوار نفسها، بما يفتح المجال لبناء قدر من التفاهم المشترك حولها.
وقد سبق أن تناولتُ، في مقالات متفرقة وأوراق سابقة، هذه الإشكالات التي أفرزتها الحرب، سواء بصورة مباشرة أو في سياق نقاشات أوسع حول مسار الانتقال وأزمة الدولة السودانية. كما استفادت هذه الورقة من مشاورات ونقاشات مع عدد من المهتمين بالشأن السوداني، من مواقع ووجهات نظر سياسية وفكرية مختلفة، أسهمت في اختبار فرضيتها وإثراء بعض جوانبها.
ومع مرور الوقت وتعقّد المشهد، بدا لي أن جوهر الخلاف بين القوى السياسية والمجتمعية يتكثف أكثر فأكثر حول هذه القضايا نفسها، الأمر الذي عزز لديّ القناعة بأنها تمثل موضوعات مفتاحية لا يمكن تجاوزها في أي حوار سوداني–سوداني جاد.
ويعزز هذه الفرضية أن هذه القضايا ليست مجرد استنتاج نظري، بل تنطق بها بوضوح بيانات بعض القوى المدنية وإفادات قياداتها عند تقديم مبررات مقاطعة الاجتماعات المخصصة للتحضير للحوار. فهذه المواقف لا تقف عند تفاصيل تنظيمية، وإنما تنطلق من الخلاف حول تعريف طبيعة الحرب، ودور الإسلاميين، وموقع القوات المسلحة والدعم السريع في العملية السياسية، إلى جانب قضايا ملكية الحوار، والربط بين المسار السياسي ووقف القتال، وطريقة تمثيل القوى السياسية والمجتمعية.
وهو ما يعزز فرضية هذه الورقة بأن تعثر محاولات جمع الفرقاء لا يعود إلى غياب الدعوات إلى الحوار، بقدر ما يعود إلى استمرار الخلاف حول أسسه وأطرافه والقضايا التي ينبغي أن يتناولها. وفي الوقت نفسه، فإن وجود هذه الخلافات ليس سبباً للامتناع عن الحوار؛ فهي، على العكس، من الأسباب التي تجعل الحوار ضرورياً، ومن الموضوعات التي ينبغي أن يبدأ بها.
الخلاف الحاكم: كيف نفهم حرب أبريل؟
ترتبط القضايا الخمس بخلاف أوسع وأكثر عمقاً حول طبيعة حرب أبريل وأسباب اندلاعهاا. فالقوى السياسية والمجتمعية لا تختلف فقط حول وسائل إنهاء الحرب، وإنما تنطلق أصلاً من سرديات متباينة في تعريفها وتحديد أطرافها ودوافعها. وهذا التعدد في السرديات ليس مجرد خلاف نظري، بل يعكس انقساماً عميقاً حول طبيعة الدولة، ومصادر الشرعية، ودور المؤسسة العسكرية، وموقع الإسلاميين، وحدود التدخل الإقليمي والدولي. كما ينعكس مباشرة على المواقف من أطراف الحرب، ومن التفاوض، ومن طبيعة العملية السياسية المطلوبة.
وبذلك، فإن الخلاف حول طبيعة الحرب يمثل الإطار الحاكم للقضايا الخمس، ويفسر إلى حد كبير لماذا يتعذر على الفرقاء الاتفاق حتى على شروط الجلوس إلى طاولة واحدة. غير أن ذلك لا يعني ضرورة حسم السرديات المتعارضة حول الحرب قبل بدء الحوار، أو الاتفاق على رواية واحدة لأسباب اندلاعها. وإنما تبرز الحاجة إلى الاعتراف بوجود هذه السرديات، وتفكيك ما ترتب عليها من مواقف سياسية، وتحديد نقاط التباين الحقيقية التي تؤثر في إمكانية الحوار ومساره.
فالحوار الجاد لا يبدأ بإخفاء الخلافات أو ترحيلها، ولا يشترط اختفاءها قبل انعقاده، بل يبدأ بالاعتراف بها ووضعها على الطاولة بصورة واضحة ومنظمة. ومن ثم، فإن الخلاف حول طبيعة الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى شرط مسبق يمنع الفرقاء من اللقاء، بقدر ما ينبغي أن يصبح واحداً من الموضوعات المفتاحية التي يتعين عليهم مناقشتها.
وتبين التجربة أن الإشكال لا يكمن في غياب المبادرات أو كثرة التشخيصات، وإنما في العجز عن مواجهة القضايا التي ينقسم حولها المجتمع السياسي فعلياً. فمحاولات تجاوزها أو تأجيلها غالباً ما تؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام، سواء قبل انعقاد الحوار أو داخله.
ولا تهدف ورقة النقاش هذه إلى تقديم حلول جاهزة، بل إلى طرح إطار أولي للنقاش مع مجموعات سياسية ومجتمعية مختلفة، بغرض اختبار هذه الفرضية، وتحديد ما إذا كانت القضايا الخمس، إلى جانب الخلاف الحاكم حول طبيعة الحرب، تمثل بالفعل قضايا الخلاف الأكثر إلحاحاً التي لا يمكن تجاوزها عند الشروع في حوار سوداني–سوداني جاد.
إن التحدي الذي يواجه السودانيين اليوم لا يتمثل في الدعوة إلى الحوار فحسب، ولا حتى في انتظار حسم الخلافات قبل انعقاده، بل في تهيئة عملية حوارية قادرة على مواجهة هذه الخلافات بدلاً من القفز فوقها.
وبين استمرار صراع الرؤى، وبين الشروع في مسار وطني توافقي قادر على إدارة هذا التعدد سلمياً، تظل الخطوة الأولى هي تسمية الخلافات الحقيقية وطرحها بصراحة ومسؤولية منذ المشاورات الأولية لجمع الفرقاء، ثم وضعها على طاولة الحوار نفسه، لا باعتبار حلها شرطاً سابقاً لانعقاده، وإنما باعتبار مواجهتها جزءاً أصيلاً من عملية الحوار والمدخل الضروري لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام بناء رؤية وطنية مشتركة.



