التحالف البحري الجديد في البحر الأحمر… السودان أمام اختبار الجاهزية

قبل أيام تناولنا في هذه المساحة المبادرة السعودية لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، وقرأناها باعتبارها تحولاً يتجاوز إنشاء إطار جديد للتعاون العسكري، إلى بداية إعادة ترتيب لمنظومة الأمن البحري في واحد من أهم الأقاليم الاستراتيجية في العالم. وتأتي خطوة تعيين اللواء البحري الركن عبدالله بن سالم الشهري قائداً للتحالف لتمنح تلك القراءة بعداً أكثر وضوحاً؛ فالمشروع بدأ ينتقل من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة البناء العسكري والمؤسسي.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة المهام التي أُسندت إلى قائد التحالف، والتي تشمل قيادة العمل البحري الدفاعي المشترك، والإشراف على التخطيط والتنسيق بين الدول الأعضاء، والتنسيق مع التحالفات البحرية الأخرى، إلى جانب استكمال الأجهزة القيادية والأركانات المشتركة، واستقبال القدرات التي ستشارك بها الدول، وتطوير مجالات تبادل المعلومات وبناء القدرات والتدريب والتمارين المشتركة.
فالتحالف الذي يجري تشكيله أمامنا يتجه نحو بناء قيادة وأركان مشتركة، وآليات للتخطيط وتبادل المعلومات، وبرامج للتدريب والتمارين، إلى جانب استيعاب القدرات البحرية للدول الأعضاء وتنسيق العمل مع التحالفات البحرية الأخرى. وهذا يعني أن البحر الأحمر يتجه تدريجياً نحو مرحلة أكثر تنظيماً في إدارة أمنه، وأن الدول المطلة عليه ستكون أمام واقع استراتيجي جديد يتطلب منها تحديد مواقعها وأدوارها ومصالحها بدقة.
وهنا تصبح الجاهزية هي المسألة الأهم بالنسبة للسودان. فالتحالف يدخل مرحلة بناء القيادة والأركان وتحديد آليات العمل واستقبال قدرات الدول الأعضاء، وهي مرحلة ستكشف مبكراً ما تستطيع كل دولة أن تضيفه إلى المنظومة الجديدة. وبالنسبة للسودان، يبدأ الاختبار من وضوح رؤيته لأمن البحر الأحمر، ويمتد إلى قدراته البحرية، وكفاءة منظومات المراقبة والاستطلاع وتبادل المعلومات، وحضوره داخل هياكل القيادة والتخطيط. وهي عناصر ستحدد في مجموعها حجم الدور السوداني داخل التحالف خلال السنوات المقبلة.
يمتلك السودان ساحلاً يتجاوز ثمانمائة كيلومتر على البحر الأحمر، وموانئ ذات أهمية استراتيجية، ومياهاً إقليمية ومنطقة اقتصادية خالصة، وجزراً ومواقع بحرية تحتاج إلى الحماية والمراقبة، فضلاً عن موقع يتوسط تقريباً الضفة الغربية للبحر الأحمر. ولذلك يمثل السودان عنصراً مهماً في معادلة أمن البحر الأحمر، ويمنحه موقعه الجغرافي وزناً يصعب تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستدامة للمنطقة، بصرف النظر عن مستوى قدراته البحرية الراهنة.
والجغرافيا، على أهميتها، تفتح مجالاً للدور؛ أما وزنه فتحدده قدرة الدولة على استثمار موقعها.
وتتحدد مكانة الدول داخل التحالفات العسكرية بحجم ما تضيفه إلى منظومة الأمن الجماعي، إلى جانب ما تمنحه لها الجغرافيا من مزايا. وهنا ينبغي أن تمثل خطوة تعيين قيادة للتحالف جرس تنبيه لمؤسسات الدولة والقيادة العسكرية في السودان، لأن المرحلة المقبلة ستنتقل على الأرجح من الاجتماعات والتصورات العامة إلى تحديد الهياكل والمهام وقطاعات المسؤولية والقدرات التي تستطيع كل دولة تقديمها.
أول المطلوبات يتمثل في صياغة رؤية سودانية متكاملة لأمن البحر الأحمر تحدد المصالح الوطنية، والتهديدات البحرية، والأولويات، وحدود المشاركة في المنظومات الإقليمية، وما يريد السودان الحصول عليه وما يستطيع تقديمه. فغياب الرؤية يضع الدولة داخل ترتيبات يصوغها الآخرون، بينما تمنحها الاستراتيجية الوطنية الواضحة القدرة على توظيف التحالف لخدمة مصالحها وأمنها القومي.
وثانيها، أن تنظر الدولة إلى تطوير القوات البحرية باعتباره جزءاً من متطلبات الأمن القومي خلال مرحلة ما بعد الحرب. فقد فرضت الحروب الداخلية على السودان لعقود أن يتركز جانب كبير من موارده العسكرية وعقيدته العملياتية على القتال البري، وظلت الجبهة البحرية أقل حضوراً في حسابات بناء القوة. والتحولات الجارية في البحر الأحمر تفرض مراجعة هذا الاختلال.
ويحتاج السودان إلى بناء قدرات بحرية تتناسب تدريجياً مع طول ساحله وحجم المصالح التي يتعين حمايتها، عبر تطوير القطع البحرية، ومنظومات المراقبة الساحلية، والاستطلاع البحري، والطيران المسيّر، والاتصالات والقيادة والسيطرة، وقدرات القوات الخاصة ومشاة البحرية، إلى جانب تطوير القواعد والمنشآت وكافة البنى التحتية البحرية.
والتحالف الجديد يمكن أن يشكل إحدى نوافذ بناء هذه القدرات، خصوصاً أن من أهدافه المعلنة التدريب والتمارين المشتركة وتبادل المعلومات وبناء القدرات.
وثالث المطلوبات هو الحضور المبكر داخل الهياكل القيادية والأركانات المشتركة للتحالف. ففاعلية المشاركة تُقاس بقدرة الدولة على الحضور في مستويات التخطيط وصناعة القرار، من خلال ضباطها داخل الأركانات المشتركة وغرف العمليات ومراكز القيادة وتبادل المعلومات، إلى جانب ما تقدمه من قدرات بحرية في الميدان. ففي هذه المستويات تتشكل العقائد المشتركة، وتُصاغ الإجراءات، وتُحدد أنماط العمليات، وتُبنى شبكات التعاون العسكري التي يمكن أن ترسم طبيعة العلاقات بين الدول الأعضاء لسنوات قادمة.
وللسودان رصيد مهني يمكن البناء عليه في هذا الجانب، بما تمتلكه قواته البحرية من ضباط تلقوا تدريباً وتأهيلاً في مدارس عسكرية مختلفة، وبما راكمته من معرفة ببيئة الساحل السوداني ووسط البحر الأحمر.
أما المطلوب الرابع، فيتعلق بالمعلومات البحرية.
فالأمن البحري الحديث أصبح يعتمد على المعلومة بقدر اعتماده على السفينة. ومراقبة حركة السفن، وتحليل الأنماط غير الطبيعية، ومتابعة شبكات التهريب، وتكامل الرادارات الساحلية مع أنظمة التعرف الآلي والتتبع والمراقبة، وتبادل المعلومات في الزمن المناسب، أصبحت جميعها عناصر أساسية في بناء الصورة البحرية المشتركة.
والسودان، بحكم موقعه، يستطيع أن يكون جزءاً مهماً من شبكة الوعي بالمجال البحري في وسط البحر الأحمر، إذا استثمر في بنيته التقنية وربطها بالمنظومة الإقليمية، مع المحافظة الصارمة على مقتضيات السيادة والأمن الوطني.
وتأتي الحرب الحالية لتضيف بعداً آخر لهذه المسألة.
فقد كشفت الحرب السودانية بوضوح ترابط الأمن البري والبحري والجوي للدولة. فشبكات السلاح والتمويل والتهريب وحركة الأشخاص والموارد تستطيع استخدام مسارات برية وبحرية وجوية مترابطة، وهو ما يجعل تأمين الساحل السوداني والموانئ والمياه الإقليمية جزءاً من معركة استعادة سيادة الدولة، واحتكارها لأدوات القوة، وحماية مواردها ومنافذها الاستراتيجية.
كما يحتاج السودان إلى التعامل مع التحالف الجديد ضمن رؤية أوسع لعلاقته بالمملكة العربية السعودية.
فالبلدان يمتلكان ساحلين متقابلين في وسط البحر الأحمر، وتربطهما مصالح أمنية واقتصادية مباشرة، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير تعاون ثنائي موازٍ للعمل متعدد الأطراف، يشمل مراقبة البحر، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، والبحث والإنقاذ، والتدريب البحري، وتبادل المعلومات، وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية.
وهنا يمكن أن تتطور العلاقة السودانية السعودية في المجال البحري نحو شراكة استراتيجية لأمن وسط البحر الأحمر، تحقق مصالح البلدين وتسهم في تعزيز الأمن الإقليمي بصورة أوسع.
ويتطلب ذلك قراراً سودانياً مبكراً.
فانتظار اكتمال هياكل التحالف قبل البحث عن موقع داخلها سيضعف فرص التأثير في مساره. والمرحلة الحالية هي مرحلة التأسيس، وهي ذات قيمة استثنائية في حياة المؤسسات والتحالفات؛ فالدول التي تشارك مبكراً في صياغة القواعد والهياكل وآليات العمل تكتسب مساحة أوسع للتأثير في الاتجاهات التي ستستقر عليها المنظومة لاحقاً.
ولذلك ينبغي تشكيل فريق وطني مشترك تقوده الجهات المعنية بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية، بمشاركة القوات البحرية وهيئة الموانئ البحرية والجهات ذات الصلة، لإعداد ملف متكامل لمشاركة السودان، يحدد المصالح والقدرات والاحتياجات وفرص التعاون والمشروعات التي يمكن طرحها على قيادة التحالف.
كما ينبغي أن تدخل الخرطوم إلى هذه المنظومة وهي تحمل مشاريع محددة: مقترحاً لإنشاء أو استضافة مركز لتبادل المعلومات البحرية، وبرامج لتأهيل القوات البحرية وتطوير قدرات حماية السواحل والأمن البحري، وتعزيز قدرات المراقبة والاستطلاع، وإجراء تمارين مشتركة، وتطوير برامج البحث والإنقاذ ومكافحة التهريب والهجرة غير المشروعة والجريمة العابرة للحدود.
إن تعيين قائد للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات يمثل خطوة تنظيمية في ظاهرها، لكنه يحمل دلالة استراتيجية أعمق؛ فترتيبات أمن البحر الأحمر بدأت تنتقل من التصورات إلى المؤسسات، ومعها ستتحدد مواقع الدول وأدوارها داخل المنظومة الجديدة.
ويمتلك السودان من الجغرافيا ما يكفي ليكون رقماً مهماً في هذه المعادلة، وسيظل حجم حضوره مرتبطاً بما يستطيع أن يقدمه من رؤية وقدرات ومبادرات منذ مرحلة التأسيس. فالفرصة ما تزال مفتوحة، وما يفعله السودان اليوم سيحدد إلى حد بعيد مكانه في الترتيبات التي تتشكل على امتداد البحر الأحمر.



