
قلتُ في الجزء الأول من هذا المقال، أن قيادة قوات الدعم السريع، حين قررت الانقضاض على السلطة في 15 أبريل 2023 عن طريق انقلاب عسكري خاطف، لم تكن تمثل فقط مشروعاً محلياً لحكم السودان، بل كان مشروعها يمثل فوق ذلك بعداً إقليمياً ودولياً؛ وذهبت إلى القول بأن الدول الغربية – وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا – التي هللت لسقوط حكم الرئيس عمر البشير، وبشرت السودانيين بعهد جديد من الحرية والسلام والعدالة، فكّرت وقدّرت ثم أوكلت أمر “التحول الديمقراطي” في السودان إلى دولة يتوارث حكامها السلطة أباً عن جد، ولم يُعرف لها نجاح خارجي سوى نجاحها في قيادة الثورات المضادة لما عرف بالربيع العربي!!
ولم يكد مداد ذلك المقال يجف، حتى خرجت علينا إصدارة “آفريكا إنتلجانس” في عددها الصادر يوم 28 أغسطس الماضي لتضيف وثيقة جديدة حول الأيدي الخارجية التي كانت منخرطة في هندسة الأوضاع في السودان عقب سقوط الإنقاذ، ولتحدثنا بالتفاصيل عن العلاقة والاتصالات العلنية بين الدعم السريع وإسرائيل منذ سقوط نظام الإنقاذ، وقد استوقفتني في تقرير الصحيفة المطول، الفقرة التي تقول: (غير أن العلاقة مع تل أبيب لا تقتصر على المعدات والخدمات اللوجستية، فقد أفادت مصادر مطلعة على مناقشات جرت في واشنطن بأن الولايات المتحدة عارضت بشدة خططاً إسرائيلية لنشر ضباط استخبارات داخل السودان قبل اندلاع الحرب. وكان من المتوقع أن يعمل هؤلاء الضباط بصورة وثيقة مع الدعم السريع) ؛ تقرير الصحيفة، وثيقة الصلة بأجهزة الاستخبارات، يقول بلغة أخرى أن الشأن السودان، قبل الحرب، كان محل تداول وعمل على الأرض، بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا يحتاج المحلل إلى كثير عناء ليستنتج أن الوكيل الجديد في السودان، عرَّابة الاتفاقات الإبراهيمية، كانت الضلع الثالث في هذه المعادلة !!
وخلصنا في المقال السابق إلى أن الدعم السريع خسر مشروعه السياسي الذي أراد أن يقدم به نفسه لحكم السودان، كلياً، وأن الصورة التي كان يحاول ترسيخها لدى عامة السودانيين، وكانت تلك القوى الخارجية تحاول رسمها له، على خلفية استثمارها فيه، انهارت بسرعة غير متوقعة عقب اندلاع الحرب، فتحول الدعم السريع من قوة مساندة للانتقال والتحول الديمقراطي وحامية للمدنيين، إلى وحش باطش يرتكب كل أنواع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الخطف والقتل والاخفاء القسري والاغتصاب، وما إن يدخل بلدة، أو حتى يهدد بدخولها، حتى يفر أهلها من النساء والأطفال والشيوخ إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني؛ وعلى الرغم من نجاح رُعاته في الحيلولة – حتى الآن – في تصنيفه كمنظمة إرهابية، إلا أنه أصبح في نظر أحرار العالم مستحقاً لذلك وأكثر، وفي نظر أهل السودان كـ(الجرب) الذي يجب الفرار منه ومكافحة عدواه !
وخلصنا كذلك إلى أن “المشروع” العسكري للدعم السريع، والذي كان قد بشَّر به ياسر عرمان، وهو أن تتم إعادة هيكلة للجيش وأن يصبح “الدعم” أساسه، بموجب الاتفاق الإطاري الذي كانت تجري هندسته، باء بالفشل أيضاً ، فبعد أن فشل الإنقلاب الخاطف واندلعت الحرب، وبعد أن كان الدعم السريع يسيطر على، أو يشكل حضوراً عسكرياً في ، أربعة عشر ولاية من جملة ولايات السودان الـ18 ها هو اليوم يتراجع ليصبح وجوده في ثماني ولايات دون سيطرة كاملة، بما في ذلك ولايتين تخوض الحرب فيهما حليفته الجديدة، الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو ؛ والأهم من ذلك هو أن قادة ميدانيين مؤثرين كانوا في الدعم السريع، رأوا أن لا مستقبل له فعادوا إلى الصف المقابل وانخرطوا في أعمال حربية لمواجهته ، وأن الإمداد البشري من المقاتلين من داخل السودان يكاد يكون قد توقف، بعد أن فقدت القبائل التي انحازت قياداتها للدعم السريع عشرات الآلاف من الشباب، وتبين لها أنهم كانوا يموتون من أجل مشروع وهمي لم يجلب لهم سوى الموت والدمار!!
لقد تحول الدعم السريع من قوة عسكرية شبه موازية، تهيمن على كل شيء في الدولة، من الاقتصاد إلى التجارة والمصارف والخدمات الأمنية، وتتوزع معسكراتها في النقاط الحاكمة داخل ولاية الخرطوم وعلى أطرافها، ولها مقار بارزة في كل الولايات الأخرى، ويحتل قائدها – برتوكولياً – موقع الرجل الثاني في الدولة .. إلى مجموعات متمردة فاقدة للقيادة والسيطرة، تهيم في الصحاري والوديان وتمارس القتل والنهب بلا هدف.. ولا يختلف عاقلان الآن على أن الدعم السريع فقد وضعه (الزاهي) الذي كان يتمتع به قبل الحرب وفقد مستقبله الذي كان يطمح له، ولن يكون بوسعه – مهما لقي من دعم ورعاية – أن يستعيد أي من أوضاعه السابقة، حتى تلك التي كان يتمتع بها أيام حكم الإنقاذ.
والحال كذلك، فإن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه السلطة القائمة الآن، والسودانيون عموماً، هو أن يسود لديهم الاعتقاد بأن مشكلة السودان ستُحل بمجرد استكمال هزيمة الدعم السريع ورمي مشروعه السياسي والعسكري في مزبلة التاريخ، ذلك أن الحرب الحالية ليست سوى إحدى أظهر تجليات الأزمة التي صاحبت نشوء الدولة السودانية ولازمت مسيرتها منذ الاستقلال، وهنا أرجو أن أعيد تذكير القارئ الكريم بمقال من جزئين كتبته في مارس الماضي بعنوان “زلزال السودان .. هل نقترب من تشكل الكتلة الأكبر”، وفيه ذهبت إلى القول بأن الزلزال الذي ضرب السودان باندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 لم يكن سوى تعبير عن تلك الاختلالات التي صاحبت بناء الدولة السودانية منذ تشكلها في 1821 وحتى يومنا هذا، وأن ارتدادات ذلك الزلزال ستتوالى ما لم يتوقف “الفوران” في باطن الأرض وتتقارب الكتل المتجانسة لتشكل الكتلة الأكبر.
إن أزمة عدم الاستقرار السياسي في السودان، والتي تجلت في أنه ما إن يصل نظام ما إلى السلطة، عن طريق الانتخاب أو الانقلاب، إلاّ وينبري له معارضون هدفهم الأوحد هو الإطاحة به حتى يصلوا إلى كرسي السلطة الذي وصل إليه، وكأن السلطة أضحت هدفاً في حد ذاتها، هي الصفة التي لازمت دولة ما بعد الاستقلال، ولكي يحل الاستقرار بديلاً للاضطراب والنماء بديلاً عن الخراب والدمار، يتعين أن تتغير هذه المعادلة، وأن تعكف النخب السودانية على تشخيص الأزمة الوطنية بمنهج ومقاربة مختلفين عمّا سبق، منهج يقوم على التراضي لا التضاد، منهج يقر بأن الانتماء إلى السودان يجب أن يكون أصيلاً لا بديلاً، و أن يكون فوق الانتماءات الحزبية والجهوية والقبلية، ويقر في ذات الوقت أن السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق، و لكن لا خيار أمام شعبه سوى أن يصوغ ميثاقاً للعيش المشترك، يُثبِّت به القيم العليا والهوية الوطنية، ويجعل من ذلك أساساً للدستور الذي يُحكم به، ولا شك أن هذا يتطلب وعياً وإرادة جديدين، نرجو أن تكون الحرب غير المسبوقة التي نعيشها سبباً في بعثهما وبلورتهما.





