الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

السودان والتحالف البحري الجديد… مقعد على طاولة أمن البحر الأحمر

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

حين أعلنت المملكة العربية السعودية في الثلاثين من يوليو الماضي مبادرتها لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، لم يكن الأمر مجرد إضافة تحالف عسكري جديد إلى قائمة الترتيبات الأمنية المنتشرة حول البحار والمضائق. فالمنطقة التي يستهدفها التحالف، الممتدة عبر البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، حيث تتقاطع فيها التجارة والطاقة والأمن والحروب الإقليمية والتنافس الدولي. ومن هنا فإن السؤال بالنسبة للسودان يتجاوز مسألة الانضمام إلى تحالف بحري إلى سؤال أكبر حول موقع السودان في النظام الأمني الجديد الذي يتشكل على ساحلي البحر الأحمر.

بدأت المبادرة السعودية بقاعدة أوسع من الدول الأربع عشرة التي أعلنت في الثلاثين من يوليو دعمها للمشروع. فقد شارك في اجتماع الرياض رؤساء أركان وممثلون عن 43 دولة، إلى جانب مندوبية الاتحاد الأوروبي، من أصل 51 دولة ومنظمة وجهت إليها الدعوة. وأصدرت أربع عشرة دولة بياناً مشتركاً مؤيداً للتحالف، هي السعودية والسودان ومصر وتركيا وباكستان والأردن وقطر والكويت والبحرين واليمن وبنغلاديش ونيجيريا وجيبوتي والصومال، مع فتح الباب أمام انضمام دول أخرى بعد استكمال إجراءاتها الوطنية.

غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن «تحالف الـ14» كان نقطة البداية أكثر من كونه الصورة النهائية للمشروع. ففي اجتماع التخطيط الثالث الذي عقد في قيادة الأسطول الغربي بمدينة جدة في الثالث عشر من أغسطس، شارك ممثلون عن 39 دولة، وارتفع عدد الدول الموقعة على البيان المشترك إلى 15 دولة، فيما كانت 13 دولة قد استكملت إجراءاتها الوطنية ووقعت ميثاق التحالف وأعلنت انضمامها رسمياً، بما نقل المشروع إلى مرحلة التفعيل المؤسسي والعملياتي.

وتركيبة كهذه تستحق القراءة، فنحن لسنا أمام تجمع يقتصر على دول البحر الأحمر، ولا أمام امتداد تقليدي لمجلس التعاون الخليجي، ولا تحالف عربي خالص. وجود تركيا وباكستان وبنغلاديش ونيجيريا إلى جانب الدول العربية والأفريقية المطلة على المنطقة يمنح المشروع مساحة جغرافية وسياسية أوسع، ويشير إلى أن ما يجري بناؤه يتجاوز حماية ساحل أو دولة بعينها إلى تأسيس قدرة جماعية لحماية طرق الملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد.

وتعزز هذه القراءة السرعة التي انتقل بها المشروع من الإعلان السياسي إلى البناء المؤسسي. ففي السادس من أغسطس أعلنت السعودية تعيين اللواء البحري الركن عبدالله بن سالم الشهري قائداً للتحالف، ثم جرى الاتفاق على أن يكون نائب القائد في دورته الأولى من باكستان، وتحديد مقر القيادة واعتماد الشعار واستكمال الأطر التنظيمية والتخطيطية والأدلة المرجعية. كما شملت الترتيبات إنشاء هياكل للقيادة والأركان المشتركة، ومركز للعمليات والتنسيق البحري المشترك، ومركز لاستخبارات التحالف، تمهيداً لاستيعاب الضباط والكوادر من الدول الأعضاء والوصول تدريجياً إلى الجاهزية العملياتية.

وهذا التطور يطرح سؤالاً مهماً عن موقع التحالف الجديد وسط الترتيبات الموجودة أصلاً في المنطقة. فالبحر الأحمر ليس فراغاً مؤسسياً أو أمنياً؛ هناك مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وهناك ترتيبات وقوات بحرية دولية تعمل في مساحات متصلة بالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والمحيط الهندي. لذلك ستكون إحدى المسائل التي تحدد طبيعة التحالف الجديد علاقته بهذه الأطر، وما إذا كان سيكون مكملاً لها، أو سيتخصص في مهام لا تغطيها، أو يمثل انتقالاً من مستوى التشاور والتنسيق السياسي إلى مستوى أكثر عملياتية في الأمن البحري. الإجابة ستتضح بصورة أكبر مع اكتمال التفعيل وبدء ممارسة المهام على الأرض والبحر.

بالنسبة للسودان، المسألة أكثر مباشرة. فالسودان ليس دولة بعيدة تشارك في التحالف من باب التضامن السياسي، وإنما دولة من دول الساحل الغربي للبحر الأحمر، وموانئه وسواحله ومياهه الإقليمية جزء أصيل من المسرح الجغرافي الذي يتحرك فيه المشروع. وكل تحول كبير في معادلة أمن البحر الأحمر يلامس مباشرة أمن السودان القومي وتجارته الخارجية وموانئه واقتصاده وعلاقاته الإقليمية والدولية.

ومن هذه الزاوية، تحمل مشاركة السودان فوائد حقيقية إذا أحسن توظيفها. فالتحالف يضع ضمن آلياته تبادل المعلومات والاستخبارات، والتخطيط العملياتي، والتدريبات والتمارين البحرية المشتركة، وبناء القدرات وتنفيذ العمليات البحرية المشتركة. ويمكن للسودان أن يوظف ذلك في تطوير قدراته في المراقبة والاستطلاع والإنذار المبكر والبحث والإنقاذ ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة وحماية الموانئ والمنشآت الساحلية، إلى جانب تطوير قدرات قواته البحرية وربطها بشبكة أوسع من المعلومات والقيادة والسيطرة.

لكن المكسب الأهم قد يكون سياسياً واستراتيجياً. وجود السودان داخل المنظومة يعني وجوده داخل الغرفة التي تناقش جانباً من مستقبل أمن البحر الأحمر، بينما كان غيابه سيعني أن ترتيبات تمس ساحله وموانئه ومصالحه البحرية يجري تشكيلها من حوله دون أن يكون طرفاً مباشراً فيها. فالبحر الأحمر لم يعد مجرد مساحة مائية تفصل أفريقيا عن الجزيرة العربية؛ أصبح ممراً تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى والقوى الإقليمية، وتنتشر حوله القواعد العسكرية والموانئ والاستثمارات الاستراتيجية، وتعبر خلاله التجارة والطاقة والكابلات البحرية وسلاسل الإمداد. ومن يشارك في بناء منظومة أمنه اليوم قد يمتلك غداً صوتاً أكبر في تحديد قواعد الحركة داخله.

ولهذا يمكن قراءة المبادرة السعودية في مستوى أبعد من أهدافها العسكرية المباشرة. فمن الممكن النظر إليها باعتبارها جزءاً من اتجاه سعودي أوسع نحو امتلاك قدرة أكبر على المبادرة وصناعة الترتيبات الأمنية الإقليمية وقيادتها، بدلاً من الاعتماد بدرجة كبيرة على ترتيبات تصوغها وتقودها قوى من خارج المنطقة. واختيار السعودية دولة مؤسسة وقائدة ومقراً دائماً للتحالف، واستضافتها مؤسساته التنفيذية والعملياتية الرئيسية، يمنح الرياض مركزاً مؤسسياً متقدماً في هذه الهندسة الأمنية الناشئة.

ولا ينفصل ذلك عن التحولات الاقتصادية والاستراتيجية الأوسع التي تشهدها المملكة. فالساحل الغربي السعودي أصبح جزءاً متزايد الأهمية من مشروعات التنمية والاستثمار والموانئ والسياحة والبنية التحتية، كما أن أمن البحر الأحمر يرتبط مباشرة بأمن التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والوصول إلى قناة السويس وباب المندب. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة بناء قدرة إقليمية لحماية البحر الأحمر باعتباره متصلاً بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية السعودية بقدر اتصاله بالحسابات العسكرية والأمنية. وهذه قراءة في الاتجاه الذي يمكن أن يأخذه المشروع، أما حدوده الفعلية فستحددها الممارسة وميثاق التحالف وقرارات الدول الأعضاء.

وفي هذه النقطة تلتقي الفرصة بالمحاذير بالنسبة للسودان. فالتحالف يمكن أن يخدم مصالحه ما دام يعزز أمن الملاحة والبحر الأحمر ويحترم سيادة الدول الأعضاء ومصالحها الوطنية. والبيان التأسيسي نفسه يجعل المشاركة في أنشطة التحالف وعملياته خاضعة للقرار السيادي لكل دولة وفق قوانينها وإجراءاتها الوطنية. وهذه ضمانة مهمة من حيث المبدأ، لكن قيمتها العملية ستظهر عند التعامل مع الأزمات الفعلية.

فالبحر الأحمر متصل بصراعات شديدة التعقيد، من اليمن إلى القرن الأفريقي، ومن التنافس الدولي على الموانئ والقواعد إلى صراعات النفوذ الإقليمي والدولي. ولذلك ينبغي أن تكون حدود الالتزام السوداني واضحة، بما يشمل متى يصبح العمل العسكري المشترك التزاماً على الدولة العضو، ومن يحدد مصدر التهديد، وكيف تتخذ القرارات، وما قواعد الاشتباك، وما حدود تبادل المعلومات الاستخبارية، وأين تنتهي مسؤولية التحالف وتبدأ السيادة الوطنية للدولة العضو.

فالتحالفات العسكرية لا تحددها أهدافها المكتوبة وحدها، وإنما الكيفية التي تتطور بها عندما تتغير البيئة الأمنية. وقد يكون التحالف اليوم معنياً بحماية السفن وحرية الملاحة، لكن ماذا يحدث إذا أصبح تهديد الملاحة جزءاً من مواجهة إقليمية أكبر؟ وهل تحتفظ كل دولة عضو بالمساحة الكافية لتحديد موقفها وفق مصالحها الوطنية، أم يصبح الالتزام الجماعي مدخلاً إلى صراعات لم تكن طرفاً فيها؟

وهذه المسألة أكثر حساسية بالنسبة للسودان بسبب تعدد علاقاته ومصالحه. فالسودان لديه مصالح وعلاقات مهمة مع السعودية ومصر وتركيا ودول الخليج، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى المحافظة على قدرته على بناء علاقاته الدولية والبحرية والدفاعية مع أطراف أخرى وفق مصالحه الوطنية. والانضمام إلى أي منظومة أمنية ينبغي أن يزيد مساحة الحركة السودانية، لا أن يضيقها.

ولهذا لا يكفي أن يسأل السودان ماذا سيقدم للتحالف، وإنما عليه أن يسأل أيضاً ماذا سيحصل منه. هل ستترجم المشاركة إلى تطوير حقيقي للقوات البحرية السودانية؟ هل سيحصل السودان على تقنيات للرصد الساحلي والإنذار المبكر؟ هل يمكن إنشاء أو تطوير مركز وطني للمعلومات البحرية مرتبط بمنظومة التحالف؟ هل ستكون هناك برامج لتأهيل الكوادر وتطوير البحث والإنقاذ وحماية المنشآت البحرية؟ وهل يمكن أن تقترن الشراكة الأمنية بتعاون أوسع في الموانئ واللوجستيات والصناعات البحرية والبنية التحتية الساحلية؟

هذه ليست مطالب جانبية، وإنما الطريقة التي تتحول بها المشاركة من وجود سياسي داخل تحالف إلى قيمة مضافة للأمن القومي. والسودان يمتلك في المقابل ما يقدمه وما يفاوض به؛ فساحله وموانئه وموقعه المقابل للجزيرة العربية وامتداده الأفريقي تمنحه أهمية لأي منظومة تسعى إلى بناء أمن بحري مستدام في المنطقة. وبالتالي ينبغي أن يدخل السودان هذه المعادلة بعقلية الدولة التي تمتلك مصالح وأصولاً استراتيجية يحتاج إليها الآخرون أيضاً.

وهنا يظهر البعد الأبعد للمشروع. فإذا نجح التحالف وتحول إلى مؤسسة فاعلة، فقد نكون أمام بداية انتقال تدريجي في مفهوم أمن البحر الأحمر نفسه، من منطقة تتولى القوى الخارجية جانباً كبيراً من حمايتها إلى منطقة تحاول دولها والدول المرتبطة بها بناء جزء أكبر من أمنها بنفسها. وقد تتجاوز آثار ذلك مستقبلاً الدوريات البحرية إلى التنسيق الاستخباري وأمن الموانئ وحماية الطاقة والكابلات البحرية ومواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ والتهديدات غير التقليدية.

وعند هذه النقطة يتغير السؤال من «من يحمي السفن التي تعبر البحر الأحمر؟» إلى سؤال أكثر أهمية هو «من يضع قواعد أمن البحر الأحمر؟».

هذا هو السؤال الذي يجعل مشاركة السودان مهمة، ويجعلها في الوقت نفسه بحاجة إلى رؤية وطنية واضحة. المطلوب أن يعرف السودان ماذا يريد من وجوده داخل التحالف، وما حدود التزاماته، وما الذي يريد الحصول عليه، وكيف يحول موقعه الجغرافي من حقيقة على الخريطة إلى وزن سياسي وأمني واقتصادي على طاولة صناعة القرار.

فالتحالفات تتغير، والتهديدات تتبدل، والمصالح يعاد ترتيبها، لكن البحر الأحمر سيظل جزءاً ثابتاً من جغرافيا السودان وأمنه القومي. وإذا كانت هناك هندسة أمنية جديدة تتشكل لهذا البحر، فمن مصلحة السودان أن يكون داخل الغرفة التي ترسمها، وأن يدخل إليها بمشروعه الوطني ورؤيته ومصالحه، لا بمجرد مقعد يحمل اسمه.

اترك رد