
لم يكن بيان وزارة الخارجية الأميركية الصادر في الثاني والعشرين من سبتمبر 2026م بشأن السودان بياناً عادياً في سلسلة المواقف الأميركية من الحرب، ولا مجرد دعوة جديدة إلى وقف القتال وتخفيف المعاناة الإنسانية. لغته، وتوقيته، والسياق السياسي والدبلوماسي الذي صدر فيه، تضعه ضمن مرحلة مختلفة في تعامل واشنطن مع الملف السوداني، تبدو فيها الولايات المتحدة أكثر استعداداً للانتقال من الوساطة والضغط الدبلوماسي إلى محاولة إعادة تعريف أطراف الأزمة وشرعياتها ومستقبل السلطة في البلاد.
فالبيان يقول صراحة إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكذلك قادتهما، لا يمثلون «حكماً شرعياً ودستورياً للسودان»، ويضع الطرفين في صياغة واحدة باعتبارهما يحكمان بقوة السلاح، ثم يذهب أبعد من ذلك عندما يقرر أن سلوك قادة «الفصائل المتحاربة» يجعلهم غير مؤهلين لحكم البلاد. كما تعهدت واشنطن بالسعي إلى «زيادة كلفة استمرار النزاع» على الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذيه. هذه لغة تتجاوز الدعوة التقليدية إلى السلام، لأنها تتناول بصورة مباشرة سؤال الشرعية ومن يحق له أن يكون جزءاً من مستقبل الحكم في السودان.
المشكلة الأولى في هذا المنظور الأميركي تبدأ من وضع القوات المسلحة السودانية ومليشيات قوات الدعم السريع داخل إطار سياسي وقانوني واحد. فمهما كان الموقف من السلطة القائمة، ومن طبيعة المرحلة الانتقالية التي عاشها السودان وتعقيداتها الدستورية، تبقى القوات المسلحة مؤسسة دولة قائمة قبل الحرب، بينما نشأت قوات الدعم السريع بتكوين ومسار قانوني مختلفين ثم دخلت في مواجهة مسلحة مع الجيش والدولة في أبريل 2023م لتتحول الى مليشيا متمردة تقاتل الدولة والشعب. وحتى نظام العقوبات الأممي نفسه يعترف عملياً بوجود «حكومة السودان» ويتيح لها تقديم طلبات الاستثناء المتعلقة بحظر السلاح المفروض على دارفور. ومن ثم فإن الخلاف حول شرعية السلطة الانتقالية شيء، ومحو الفارق المؤسسي والقانوني بين جيش الدولة وقوة مليشية شبه عسكرية شيء آخر.
تستطيع الولايات المتحدة أن تنتقد أداء القوات المسلحة، وأن تطالبها باحترام القانون الدولي الإنساني، وأن تحاسب المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت بالأدلة، كما تستطيع أن ترفض استمرار الحكم العسكري وتدعو إلى انتقال مدني. لكن الانتقال من ذلك كله إلى وضع الجيش ومليشيا الدعم السريع في خانة سياسية واحدة لا يحل مشكلة الشرعية، وإنما يخلق مشكلة أخرى تتعلق بتعريف الدولة نفسها ومؤسساتها.
والتوقيت يزيد البيان أهمية. فمن الصعب قراءة ما صدر بمعزل عن تصاعد واضح في وتيرة التحرك الأميركي حول السودان خلال الأسابيع الأخيرة، وعن النشاط المكثف لمسعد بولس والاتصالات المتعلقة بالهدنة والمسار السياسي، وكذلك لقاء مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة في 20 سبتمبر، وهو لقاء كان السودان وتطورات الحرب فيه ضمن الملفات المطروحة، وشدد خلاله الرئيس المصري على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية.
ثم جاءت قضية تأشيرة دخول الفريق أول عبد الفتاح البرهان لأمريكا للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لتضيف بعداً آخر. فقد أفادت تقارير صحفية، نقلاً عن مصادر مطلعة على الاتصالات، بأن إصدار التأشيرة بدا مرتبطاً بالموافقة على مقترح لوقف إطلاق النار لمدة تسعين يوماً طرحه مسعد بولس. كما أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن أنطونيو غوتيريش يشعر بقلق عميق، ودعا الدولة المضيفة إلى إصدار التأشيرة وفق التزاماتها بموجب اتفاقية مقر الأمم المتحدة.
وإذا كانت واشنطن تريد هدنة «دون شروط مسبقة»، فإن سؤالاً مشروعاً يطرح نفسه: هل يستقيم أن تصبح تأشيرة المشاركة في أعلى منبر دولي أداة مرتبطة، وفق هذه التقارير، بقبول تصور سياسي أو أمني معين للهدنة؟ الوساطة تحتاج إلى أدوات ضغط أحياناً، لكن هناك فارقاً بين الضغط السياسي وبين استخدام التزامات الدولة المضيفة للأمم المتحدة ضمن عملية التفاوض. وهذا الفارق مهم لأن القضية لم تعد تتعلق بالبرهان كشخص، وإنما بحق دولة عضو في المنظمة الدولية في تمثيل نفسها أمام جمعيتها العامة.
ولا تقف مؤشرات التصعيد عند ملف التأشيرة. فقد سبقتها الاتهامات الأميركية للسودان باستخدام أسلحة كيميائية، وهي اتهامات قد تترتب عليها عقوبات أميركية إضافية، بينما تنفي الخرطوم تلك الاتهامات. وجود هذه الاتهامات يفرض التحقيق والتحقق المستقل، لكنه يجعل الملف في الوقت نفسه جزءاً من بيئة ضغط متصاعدة، خصوصاً عندما يقترن بالعقوبات والتحركات الدبلوماسية المتزامنة.
وفي مجلس الأمن دفعت الولايات المتحدة كذلك باتجاه توسيع حظر السلاح القائم في دارفور ليشمل كامل السودان، مع إدخال الطائرات المسيّرة وتقنياتها بصورة أكثر وضوحاً ضمن النظام الرقابي وتعزيز قدرات فريق الخبراء. وقد واجه هذا الاتجاه معارضة من روسيا والصين وعدد من أعضاء المجلس، وانتهى الأمر في 11 سبتمبر إلى تمديد تقني للنظام القائم حتى التاسع من أكتوبر، وتمديد ولاية فريق الخبراء حتى التاسع من نوفمبر.
وفي التوقيت نفسه تقريباً حدث تحول آخر يستحق الانتباه في القرن الأفريقي. فقد انتهت حالة الطوارئ الأميركية المرتبطة بأزمة إثيوبيا، وأزيلت بموجب ذلك عقوبات مرتبطة بالأمر التنفيذي الصادر إبان حرب تيغراي. كما عدلت واشنطن سياستها المتعلقة بتراخيص تصدير المواد والخدمات الدفاعية الموجهة إلى القوات المسلحة والشرطة والاستخبارات والأجهزة الأمنية الإثيوبية.
وقد يبدو هذا في ظاهره قراراً يخص العلاقات الأميركية الإثيوبية، لكن السياسة لا تقرأ دائماً بظاهر القرارات منفردة، وإنما بتزامنها وموقعها داخل المشهد الإقليمي. ولذلك يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان رفع القيود عن إثيوبيا يستهدف إعادة بناء العلاقة معها فحسب، أم أن له وظيفة أوسع ترتبط بالسودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. ولا يمكن تجاهل هذا الاحتمال، خاصة في ظل الحرب السودانية وما أفرزته من تحولات في الحدود والتحالفات وحركة السلاح وموازين القوة. وقد يكون السودان، في الحسابات الاستراتيجية البعيدة لهذا التحول، معنياً بالقرار بدرجة لا تقل عن إثيوبيا نفسها، وربما أكثر مما يبدو في القراءة الأولى.
لكن قراءة سياسة الضغط الأميركية تظل ناقصة إذا توقفت عند ما تمارسه واشنطن مباشرة تجاه السودان. فهناك وجه آخر للمسألة لا يقل أهمية، يتعلق بمن لا يصل إليهم الضغط بالمستوى نفسه، وبالشبكات الإقليمية التي تتحدث واشنطن نفسها عن دورها في تغذية الحرب، وبمسارات السلاح والتمويل، وبالأسئلة التي يثيرها الموقف الأميركي من الاتهامات المتكررة بشأن الدعم الخارجي لمليشيا قوات الدعم السريع.
ومن هذه النقطة تحديداً ينتقل النقاش من أدوات الضغط الأميركي على السودان إلى سؤال أكثر حساسية: كيف تتعامل واشنطن مع القوى والشبكات التي أسهمت في استمرار الحرب، ولماذا يبدو الضغط متفاوتاً بين طرف وآخر؟
ذلك هو الوجه الآخر للسياسة الأميركية تجاه السودان، وهو ما يتناوله الجزء الثاني من المقال.
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026م



