الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

من واشنطن إلى أديس: بعد سقوط مؤامرة “نزع الشرعية”… ما هي معركة الخرطوم القادمة؟

السفير د. محمد يوسف حسن

قرار لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأمريكي في 9 يونيو 2026 لم يكن مجرد تعديل تشريعي. كان شهادة وفاة رسمية لأخطر مشروع استهدف وجود الدولة السودانية منذ اندلاع الحرب: مشروع “نزع الشرعية” عبر الأمم المتحدة.
حين شطب الرئيس براين ماست والعضو البارز غريغوري ميكس بند “تفعيل المادة 29” من مشروع H.R. 1939، لم تسقط فقرة في قانون. سقطت استراتيجية كاملة. استراتيجية أبوظبي التي أرادت خلق “فراغ شرعية” في نيويورك لتملأه “حكومة تأسيس” في نيالا.
بيان سفارة السودان في واشنطون في 12 يونيو 2026 قالها بوضوح: “احترام سيادة الدولة السودانية ليس عائقاً أمام السلام، بل هو أساس له”. هذه الجملة وحدها تلخص انقلاب المعادلة. لعامين كاملين كان الخطاب الغربي يعتبر “الضغط على الطرفين” هو طريق السلام. الآن، الكونغرس الأمريكي يعترف: لا سلام بتفكيك الدولة.

أولاً: ماذا يعني القرار لعملية السلام؟ 3 مكاسب وجرس إنذار:
1. المكتسب الأول: إغلاق بوابة “الشرعنة الدولية للتمرد”
مشروع نزع الشرعية كان يهدف لتحويل مليشيا الدعم السريع من “قوة متمردة” إلى “سلطة أمر واقع” عبر سحب الاعتراف من حكومة الخرطوم. شطب البند يعني أن واشنطن لن تمنح “تأسيس” غطاء الأمم المتحدة. بدون هذا الغطاء، أي “حكومة” تعلنها المليشيا ستظل كياناً غير شرعي حتى عند داعميها.

2. المكتسب الثاني: تفكيك معادلة “حرب الجنرالين”
البيان السوداني سجل تحفظاً مهماً: “نحذر من أي إطار يكافئ بين القوات المسلحة والمؤسسة الوطنية الدستورية وقوات الدعم السريع”. هذه أول مرة يوافق فيها الكونغرس ضمنياً على التمييز. إزالة بند نزع الشرعية تعني اعترافاً بأن الجيش يمثل الدولة. والمليشيا تمثل تمرداً عليها. هذا نسف لرواية “الطرفين” التي استثمرت فيها أبوظبي مليارات.

3. المكتسب الثالث: حماية الحسم العسكري
طالما كان سيف “نزع الشرعية” مسلطاً، كان يمكن استخدامه لفرض “حظر طيران” أو “ممرات آمنة” تحمي ما تبقى من المليشيا كما حدث في ليبيا 2011. إسقاط البند يسحب الغطاء القانوني لأي تدخل عسكري مباشر ضد حكومة الخرطوم. وهذا يمنح القوات المسلحة الوقت لإنهاء التمرد في دارفور وكردفان.
جرس الإنذار: الكونغرس لم يتخلَّ عن “المساواة في المحاسبة”. مشروع القانون ما زال يضع الجيش والدعم السريع في سلة واحدة عند الحديث عن الانتهاكات. المعركة انتقلت من “شرعية الوجود” إلى “شرعية السلوك”.

ثانياً: هل تغيرت واشنطن أم أنه تبادل أدوار؟
الإجابة: الاثنان معاً. هذه هي السياسة الأمريكية الكلاسيكية: “شرطي طيب وشرطي شرس”.

  1. الكونغرس يلعب دور “الشرطي الطيب”: يخفف الخطاب، يحافظ على شعرة معاوية، يمنع الارتماء الكامل للخرطوم في المحور الروسي-الصيني. هو من يحمي مصالح أمريكا الاستراتيجية طويلة المدى في البحر الأحمر.
  2. الإدارة، عبر مسعد بولس، تبقى “الشرطي الشرس”: تستمر في تبني رواية “المنبر البديل” و”الحكومة المدنية من المنفى” لإجبار الخرطوم على تنازلات في ملفات التطبيع، وميناء بورتسودان، والعلاقة مع موسكو.
    لكن قرار 9 يونيو يقيد يد “الشرطي الشرس”. بولس لا يستطيع تجاوز الكونغرس إذا أراد فرض عقوبات تطال مؤسسات الدولة. الكونغرس رسم خطاً أحمر: “عاقبوا الأفراد، لكن لا تفككوا الدولة”. وهذا تحول مهم، حتى لو كان تكتيكياً.

ثالثاً: أبوظبي تنقل المعركة إلى أديس… ماذا على الخرطوم أن تفعل؟
فشل سيناريو نيويورك يعني أن الهدف القادم هو أديس أبابا. الخطة البديلة واضحة: تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، ثم الاعتراف بـ”تأسيس” كسلطة أمر واقع في مناطق سيطرتها. الأدوات: المال، والإغاثة المسيسة، وخطاب “منع الإبادة”.

على الحكومة السودانية أن تسد 4 ذرائع فوراً، قبل أن تُستخدم ضدها:

1. ذريعة “غياب المدنيين”: شكل الحكومة الآن
أكبر هدية تقدمها الخرطوم لخصومها هي تأخير تشكيل حكومة كفاءات واسعة. كل يوم تأخير هو دليل يُستخدم في أديس أبابا بأن “العسكر يتمسكون بالسلطة”. الحل: إعلان حكومة تكنوقراط من 15 وزيراً خلال 30 يوماً، يمثلون كل الأقاليم، ويقودها شخصية مدنية وطنية مشهود لها. هذه الحكومة هي درع الشرعية الأفريقية.

2. ذريعة “عرقلة الإغاثة”: افتح الممرات وأنت من يصور
تقرير “المجاعة” هو السلاح القادم. الرد لا يكون بالإنكار، بل بالمبادرة. على حكومة الخرطوم أن تعلن من طرف واحد فتح كل المعابر والمطارات للإغاثة، وتدعو الاتحاد الأفريقي للإشراف المباشر. من يرفض هو المليشيا. صوّر شاحنات الإغاثة وهي تدخل الفاشر عبر الجيش، واترك للعالم أن يرى من ينهبها في الطريق.

3. ذريعة “المساواة مع المليشيا”: حاكم مجرمك قبل مجرمهم
العالم لن يقبل خطاب “نحن ملائكة وهم شياطين”. القوة الأخلاقية تأتي من مبدأ “ما عدا المجرم”. على النائب العام السوداني إعلان محاكمات علنية عاجلة لأي ضابط أو جندي متورط في انتهاكات. عندها فقط تستطيع الخرطوم أن تطالب العالم بمحاكمة قادة الدعم السريع على الإبادة الجماعية. من ينظف بيته أولاً، يملك حق اتهام جاره.

4. ذريعة “العزلة الأفريقية”: خاطب الجنوب بلغته
ألمانيا خسرت التصويت لأنها خسرت رواية فلسطين. الخرطوم ستكسب التصويت الأفريقي إذا كسبت رواية “أفريقيا ضد المرتزقة”. خطابك لأديس أبابا ونيروبي وأبوجا يجب أن يكون: “السودان لا يدافع عن نفسه فقط. هو يدافع عن مبدأ السيادة الأفريقية ضد مشروع إماراتي يستخدم مليشيا عابرة للحدود لتفكيك الدول ونهب مواردها. اليوم السودان، وغداً بلدكم”. هذه هي اللغة التي تفهمها قارة اكتوت من فاغنر والاستعمار.

الخلاصة: من الدفاع إلى الهجوم:
قرار الكونغرس في 9 يونيو 2026 يعني أن أمريكا قررت ألا تقتل حكومة الخرطوم. لكنها لم تقرر بعد أن تساعدها على الانتصار.
الكرة الآن في ملعب الخرطوم. الفوز في واشنطن يجب أن يُستثمر فوراً في أفريقيا. التأخير قاتل. الفراغ السياسي والإنساني في دارفور وكردفان ستملؤه أبوظبي بالمال والغذاء والسلاح لو لم تملأه الخرطوم بالحكومة والعدالة والإغاثة.
المعركة لم تنته. انتقلت فقط من قاعة الكونغرس إلى أروقة الاتحاد الأفريقي. ومن حرب “الشرعية القانونية” إلى حرب “الشرعية الأخلاقية”.
والذي سيحسمها ليس تصويت نيويورك، بل صورة شاحنة إغاثة عليها علم السودان تدخل مدينة محاصرة. ليس خطاباً في واشنطن، بل محاكمة عادلة في الخرطوم.

ألمانيا جلست على “طاولة الصغار” لأنها دافعت عن القاتل. حكومة الخرطوم ستجلس على “طاولة الكبار” إذا أثبتت أنها تدافع عن الضحية: الشعب السوداني، كل الشعب السوداني، ما عدا المجرم. ١٣ يونيو ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!