خطاب القوات المسلحة في عيدها الثاني والسبعين… معركة الدولة وملامح المستقبل

بعض الخطابات تولد أكبر من مناسبتها، لأنها تأتي في لحظات تختبر فيها الدول قدرتها على الصمود، وتكشف طبيعة الخيارات التي تنتظرها في المستقبل. وفي مثل هذه المنعطفات، تصبح الكلمات الصادرة من مواقع المسؤولية جزءاً من معركة الوعي الوطني، لأنها تعكس رؤية الدولة لذاتها، وتحدد ملامح الطريق الذي تسلكه بعد عبور الأزمة.
ومن هذا المنظور، فإن خطاب السيد رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادة القوات المسلحة، يتحول من خطاب احتفائي إلى قراءة سياسية واستراتيجية للحظة السودانية الراهنة، ولطبيعة الصراع الذي خاضته الدولة، ولملامح المرحلة التي تنتظرها بعد الحرب.
فالجيش في تاريخ الأمم يمثل أحد الأعمدة الصلبة لفكرة الدولة؛ إذ ترتبط به معاني السيادة، وحماية الحدود، وصيانة النظام العام، وضمان بقاء القوة المنظمة داخل إطار المؤسسات الوطنية. ولهذا فإن اختبار القوات المسلحة السودانية خلال هذه الحرب تجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى اختبار قدرة الدولة نفسها على الصمود أمام محاولة فرض واقع تتعدد فيه مراكز القوة والقرار والسيادة.
ومن هنا تكتسب الرسالة الأولى للخطاب أهميتها؛ فقد وضع الحرب في إطار مواجهة حول طبيعة الدولة ومستقبلها. فجوهر القضية ارتبط بمنع تكريس نموذج تصبح فيه الدولة واحدة من عدة أطراف متنافسة على القرار الوطني، ويتحول السلاح من وسيلة لحماية الوطن إلى أداة لفرض الإرادات خارج إطار الشرعية.
ولهذا جاء التأكيد على استمرار المواجهة حتى إنهاء التمرد مرتبطاً بمفهوم الدولة وحقها في استعادة كامل سلطتها. فالتجارب التاريخية للدول الخارجة من الحروب الداخلية تشير إلى أن التسويات التي تتجاوز جذور الأزمة قد تمنح هدنة مؤقتة، بينما يبدأ الاستقرار الحقيقي عندما تستعيد المؤسسات الوطنية مسؤوليتها الكاملة عن تنظيم القوة وإدارة المستقبل.
وفي الوقت ذاته، حمل الخطاب رسالة سياسية مهمة عندما أكد استمرار السعي نحو السلام، وفق رؤية تقوم على عودة الدولة واستعادة الأمن وتهيئة الظروف الطبيعية لحياة المواطنين. فالسودان يحتاج إلى سلام يعالج جذور الأزمة، ويعيد بناء الدولة، ويمنح المواطنين الثقة في المستقبل؛ لأن السلام المستدام يرتبط بقدرة الدولة والمجتمع على تجاوز أسباب الانهيار وبناء مرحلة جديدة أكثر استقراراً.
أما الرسالة الأكثر عمقاً فقد ارتبطت بمستقبل العملية السياسية. فالإعلان عن دعم حوار سوداني داخلي، تقوم الدولة خلاله بتوفير الضمانات اللازمة دون أن تكون مالكة للحوار أو محددة لمساره، يمثل محاولة لإعادة مركز صناعة المستقبل السياسي إلى الداخل السوداني. وهذه الفكرة تكتسب أهميتها من أن كثيراً من أزمات السودان ارتبطت بانتقال قضاياه الكبرى إلى منصات خارجية، بينما ظلت الحلول المستقرة تحتاج إلى توافق وطني يصنعه السودانيون وفق مصالحهم ورؤيتهم لمستقبل بلادهم.
غير أن السودان بعد الخامس عشر من أبريل أصبح أمام واقع جديد. فقد أعادت الحرب تشكيل الوعي الوطني، وأعادت ترتيب الأولويات، وكشفت حجم المخاطر التي تواجه الدولة عندما تتعدد مراكز القوة خارج إطارها. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقد وطني جديد يعالج جذور الأزمات، ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويضع قواعد أكثر استقراراً لإدارة الاختلاف السياسي.
ومن هنا يصبح السؤال المركزي في المرحلة القادمة: من يملك حق صياغة السودان الذي يلي الحرب؟ فالمستقبل لن تحدده لحظة توقف القتال وحدها، وإنما قدرة السودانيين على بناء توافق جديد حول شكل الدولة، وطبيعة الحكم، والعلاقة بين المؤسسات الوطنية والقوى السياسية والاجتماعية. فالدول تنهض عندما تتحول تجاربها الصعبة إلى دروس تؤسس لمراحل أكثر استقراراً.
وعسكرياً، حمل الخطاب إشارة واضحة إلى أن نهاية العمليات العسكرية تفتح باباً لمرحلة جديدة من التحديات. فطبيعة الصراعات الحديثة تجاوزت المواجهات التقليدية لتشمل الحروب غير النظامية، واستخدام الوكلاء، والحرب المعلوماتية، والتدخلات الخارجية. ولذلك فإن تطوير القوات المسلحة وبناء قدراتها الحديثة يمثل ركناً أساسياً في مشروع حماية الدولة وصيانة أمنها الوطني.
أما الرسائل الإقليمية والدولية للخطاب فتتمثل في التأكيد على أن استقرار السودان يمثل مصلحة تتجاوز حدوده الوطنية. فالسودان يقع في قلب منظومة أمنية تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي ومنطقة الساحل، وأي ضعف في بنيته الداخلية ينعكس على محيط إقليمي واسع. ومن ثم فإن بناء السلام السوداني يحتاج إلى مقاربة تقوم على دعم الدولة ومؤسساتها، وتعزيز الاستقرار، ومنع إنتاج ترتيبات تعمق الانقسامات أو تمنح شرعية لأوضاع استثنائية فرضتها الحرب.
وفي المرحلة المقبلة، سيكون التحدي الأكبر هو الانتقال من معركة استعادة الدولة إلى مشروع بناء الدولة. فالحسم العسكري يمثل بداية الطريق نحو الاستقرار، لكنه يحتاج إلى مشروع وطني متكامل يعالج آثار الحرب، ويعيد الإعمار، ويؤسس لمؤسسات أكثر قوة وقدرة على مواجهة المستقبل.
لقد كشفت الحرب أن معركة بقاء الدولة كانت الاختبار الأول، بينما يمثل بناء الدولة التي تستحقها الأجيال الاختبار التاريخي الأكبر. فالحروب الكبرى تترك خلفها دروساً عميقة، والأمم التي تحسن قراءة تلك الدروس تمتلك القدرة على تحويل الألم إلى وعي، والتجربة إلى قوة، والمحنة إلى أساس لبناء مستقبل أكثر تماسكاً.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لتضحيات السودانيين ستظهر في قدرة الدولة على تحويل هذه التجربة إلى مرحلة جديدة تكون فيها السيادة للمؤسسات، والمرجعية للقانون، لتستعيد الدولة قدرتها على حماية سيادتها، وإدارة حاضرها، وصناعة مستقبل يليق بتضحيات أبنائها.



