
تتولى مسؤوليتك الجديدة وأنت تحمل سمعةً ارتبطت بالمواقف المبدئية، وهي سمعة نادرًا ما تصمد امام اتجاهات القرار في الخارجية البريطانية. ففي عام 2013، عارضت التدخل العسكري في سوريا، وقلت إن المبدأ يجب أن يكون قيداً على السلطة، لا ضحيةً لها.
واليوم، تقف مبادئك هذه أمام اختبار جديد.
ففي الوقت الذي تشارك فيه بريطانيا في التحذير من مجازر وشيكة قد ترتكبها مليشيا الدعم السريع في مدينة الأبيض، تستضيف في ويلتون بارك شخصيات وواجهات محسوبة على المليشيا نفسها للمشاركة في نقاشات حول مستقبل السودان.
وفي الوقت ذاته، تستمر الحكومة البريطانية في تسليح الإمارات، رغم تزايد الأدلة التي تشير إلى أن الدعم العسكري واللوجستي الإماراتي يمثل أهم عوامل استمرار الحرب في السودان، وتمكين مليشيا الدعم السريع من مواصلة جرائمها بحق المدنيين.
ولم يعد هذا مجرد رأي يطرحه السودانيون وحدهم. فأعضاء في البرلمان البريطاني، وتقارير برلمانية، وتحقيقات صحفية بريطانية، أثارت جميعها تساؤلات جدية حول ما إذا كانت الحكومة البريطانية قد قللت من التحذيرات المتعلقة بالإبادة الجماعية، وأحجمت عن مواجهة الدور الإماراتي في إدامة الحرب، بينما تواصل ادعاء الحيادية البريطانية والعمل من أجل السلام.
لا يمكن لبريطانيا أن تحذر من جرائم الدعم السريع صباحاً، ثم تمنح ممثليه منصة سياسية في نفس الوقت و تواصل تسليح الدولة التي تُبقي هذه الحرب مستمرة.
إن التغاضي عن هذا التناقض لا يضر بالسودانيين وحدهم، بل يقوض أيضاً مصداقية السياسة الخارجية البريطانية، ويضعف كل خطاب تدّعي من خلاله الدفاع عن القانون الدولي وحماية
المدنيين.
قد يكون من سبقوك قد وصفوا هذا بأنه توازن دبلوماسي. لكن التاريخ لن يجاملهم في تسمية المواقف على حقيقتها.
السؤال اليوم لم يعد، كما كان في سوريا عام 2013، ما إذا كان ينبغي التدخل، بل ما إذا كانت بريطانيا ستعمل على ايقاف التدخل القائم بالفعل. التدخل الإماراتي الذي باتت الأدلة عليه متراكمة، والذي يمد الحرب بأسباب استمرارها، ويغذي الإبادة الجماعية، ويطيل أمد التجويع، ويمنح مرتكبي المجازر القدرة على مواصلة جرائمهم.
مليشيا الدعم السريع التي تحاصر الأبيض وتجوع أهلها، والتي ارتكبت مجازر الفاشر وغيرها، ليست مجرد طرف سياسي في نزاع مسلح، بل هي منظومة عنف وافتراس ممنهج. أما الإمارات، فهي الداعم الخارجي الأبرز الذي يوفر لهذه المنظومة أسباب البقاء والاستمرار.
السودانيون، ومعهم العالم، يراقبون اليوم ما إذا كانت المبادئ التي صنعت سمعتك ستصمد عندما تواجه مقتضيات السلطة، أم أنها ستتراجع عندما تصبح كلفتها السياسية أعلى.
لقد قلت يومًا إن المبدأ يجب أن يقيّد السلطة. واليوم، تختبر السلطة بشكل مباشر مدى وفائك لذلك المبدأ.






