تقرير خاص | Africa Intelligence: صراع مبكر داخل تحالف “تأسيس” حول قيادة الجيش الموازي يكشف هشاشة المشروع العسكري للمليشيا


رصد و إعداد : الرواية الاولى
كشف تقرير حديث نشرته منصة Africa Intelligence الفرنسية المتخصصة في شؤون الاستخبارات والنفوذ السياسي في أفريقيا عن تصاعد خلافات جوهرية داخل تحالف “تأسيس” الذي تقوده مليشيا الدعم السريع، وذلك حول هوية القائد الذي سيتولى رئاسة الأركان للجيش الذي تسعى المليشيا وحلفاؤها إلى إنشائه في مواجهة القوات المسلحة السودانية.
ويأتي هذا التطور ليؤكد أن المشروع العسكري والسياسي الذي تحاول المليشيا تسويقه بوصفه بديلاً لمؤسسات الدولة السودانية لا يزال يعاني من تناقضات بنيوية وصراعات مراكز القوى بين مكوناته المختلفة، حتى قبل أن يرى هذا الجيش المزعوم النور.
وبحسب التقرير، فإن قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” يدفع بقوة نحو تعيين اللواء عثمان حامد حسين، رئيس العمليات الحالي بالمليشيا، قائداً للجيش المزمع تكوينه، بينما يتمسك حليفه عبدالعزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية شمال ونائب رئيس تحالف “تأسيس”، بترشيح جوزيف توكا نائب رئيس الحركة الشعبية وقائد قطاع النيل الأزرق.
وأوضح التقرير أن الخلاف لا يقتصر على تباين في وجهات النظر، بل يعكس صراعاً حقيقياً على النفوذ داخل التحالف، خاصة في ظل رفض عبد الرحيم دقلو، الرجل الثاني في المليشيا وشقيق قائدها، لفكرة تعيين توكا، متهماً إياه بالمسؤولية عن الإخفاقات العسكرية التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في ولاية النيل الأزرق، وبإعطاء الأولوية لمصالح المجتمعات المحلية على حساب الأهداف العسكرية للمليشيا.
مجلس أمن ودفاع لتأسيس جيش موازٍ
وأشار التقرير إلى أن هذه الخلافات برزت عقب إعلان حميدتي، في الأول من يونيو الجاري، إنشاء مجلس للأمن والدفاع داخل تحالف “تأسيس”، وهو المجلس الذي يتولى الإشراف على بناء الهياكل العسكرية والأمنية الجديدة التي ينص عليها ميثاق التحالف الموقع في نيروبي خلال فبراير 2025.
ويضم المجلس أربعة عشر عضواً، من بينهم رئيس وزراء التحالف محمد حسن عثمان التعايشي، ووزراء العدل والخارجية والداخلية في الحكومة الموازية التي تسعى المليشيا إلى تشكيلها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
وبحسب التقرير، فإن الهدف الأساسي من إنشاء هذه المؤسسات هو إضفاء مظهر الدولة على المشروع الذي تقوده المليشيا، وإقناع المجتمع الدولي بأنها تمثل كياناً منظماً يمتلك مؤسسات وسلسلة قيادة عسكرية وأمنية واضحة.
وتعتبر مدينة نيالا، التي يصفها التحالف بأنها عاصمته المؤقتة، نقطة الارتكاز الرئيسية لهذا المشروع، حيث ترى قيادة المليشيا أن تعيين رئيس أركان للجيش الجديد سيمثل رسالة سياسية للخارج في مواجهة الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية.
تناقضات داخلية تهدد التحالف
ويلفت التقرير إلى أن الخلاف بين حميدتي والحلو يتجاوز مسألة الأسماء والمناصب، ليعكس تباينات أعمق بشأن طبيعة المشروع نفسه ومستقبله.
ففي الوقت الذي تسعى فيه قيادة الدعم السريع إلى فرض هيمنتها العسكرية على التحالف، يتمسك قادة الحركة الشعبية بمصالحهم التنظيمية ومناطق نفوذهم التقليدية، خصوصاً في جبال النوبة والنيل الأزرق.
وأشار التقرير إلى أن منطقة جبال النوبة، التي ظلت لعقود تحت سيطرة الحركة الشعبية، أصبحت منذ عام 2024 جزءاً من مسرح العمليات العسكرية بعد إعلان التحالف بين الحركة الشعبية والدعم السريع، وهو تحالف أثار جدلاً واسعاً وسط قطاعات من سكان المنطقة.
وكشف التقرير أن جوزيف توكا نفسه كان قد هدد خلال عام 2025 بالانشقاق عن الحركة الشعبية، متهماً عبدالعزيز الحلو بتحويل أراضي جبال النوبة إلى ممرات لوجستية تخدم عمليات الدعم السريع، وهو ما يعكس حجم التوترات والخلافات داخل المعسكر المتحالف مع المليشيا.
ورغم ذلك، لا يزال الحلو يتمسك بتوكا ويعمل على ترشيحه لمنصب رئيس الأركان، مستنداً إلى ما يتمتع به من نفوذ داخل الحركة وسمعة اكتسبها من دوره في إنشاء مؤسسات مدنية وإدارية موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية.
كما أشار التقرير إلى أن توكا يحتفظ بعلاقات إقليمية نشطة، خاصة مع دوائر سياسية وأمنية في إثيوبيا، عبر اتصالاته المستمرة بمدينة أسوسا في إقليم بني شنقول – قمز، بينما تنتشر قواته في منطقة يابوس الاستراتيجية الواقعة على المثلث الحدودي الرابط بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان.
دلالات سياسية وعسكرية
تكشف هذه الخلافات أن مشروع “تأسيس” الذي تحاول المليشيا تقديمه كبديل للدولة السودانية يواجه تحديات داخلية عميقة حتى قبل اكتمال هياكله التنظيمية والعسكرية.
فبينما تواصل القوات المسلحة السودانية تعزيز سيطرتها الميدانية واستعادة مؤسسات الدولة في مختلف أنحاء البلاد، تبدو القوى المتحالفة مع المليشيا منشغلة بصراعات النفوذ وتقاسم المواقع داخل كيان لم ينجح حتى الآن في تجاوز تناقضاته الداخلية.
كما أن السجال الدائر حول قيادة الجيش المزمع تكوينه يؤكد أن المليشيا لا تزال تسعى إلى بناء قوة عسكرية موازية لمؤسسات الدولة الشرعية، وهو ما يفسر تمسكها بإنشاء هياكل سياسية وعسكرية بديلة في محاولة لمنح مشروعها غطاءً مؤسسياً، رغم افتقاره إلى الشرعية الوطنية والدستورية.
وفي المحصلة، يقدم التقرير الفرنسي مؤشراً إضافياً على أن التحالف الذي جمع الدعم السريع ببعض الحركات المسلحة والقوى السياسية المتحالفة معه لا يقوم على رؤية وطنية مشتركة بقدر ما تحكمه توازنات مؤقتة ومصالح متعارضة، وهو ما يجعل احتمالات الصدام والانقسام داخله قائمة كلما اقتربت لحظة توز






