الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي المجتمع /

(شمو إبراهيم شمو النموذج الحي والنجم الذي أفل)

الراحل شمو إبراهيم شمو

د. محمد أحمد آدم

الموت مأساة بكل ألامها ومراراتها جروح تبقى غائرة في القلب وتسكن أوجاعها ثنايا الروح إن المسافر يحدونا الأمل بلقائه يومآ وإن طال غيابه أما من ضمه أطباق الثرى فلا رجاء في عودته فالموت كأس وكأس الفراق مر المذاق
وقيل في الفراق
حينما يرحل العظماء تتوقف شلالات الخير والعطاء التي كانت تتدفق بقوة لتزهر الأرض فتغدو من بعدهم صحراء قاحلة تتعطش شوقآ لترتوي من ينابيع معرفتهم وعطائهم
وتنكسر النفوس لفقدانهم لأنهم أصحاب المباديء والقيم والاخلاق والصدق وأن عطائهم وإسهامهم يظل غرسآ باقيآ وحاضرآ بين الناس على مر الدهور والازمان
في فراق الأحباب تختلف طرق التعبير وتنساب الدموع مراثي باكية وكلما عظمت معزة الفقيد صدقت العواطف وجادت العيون بأصدق الرثاء
ترجل في مطلع هذا العام عن صهوة الحياة ورحل الى الدار الاخرة في بداية شهر رمضان المعظم أحد أبناء الجنينة ودارفور والسودان المخلصين والصادقين من الأتقياء الانقياء الذين لعبوا أدورآ مهمة في مسيرة الحياة الإجتماعية والعلمية والعملية وتركوا أثرهم نبراسآ ومشعلآ يضيء الطريق للأجيال وتهتدي به الشعوب الأستاذ والباحث والكاتب القدير شمو إبراهيم شمو قامة فكرية وثقافية تجمع بين عمق الباحث وبلاغة الشاعر وروح الصوفي وإني لأخط رثائي اليوم باحثآ فيه عن عزاء لما يعتلج في صدري من لوعة الحزن والحسرة إثر رحيل شخص عزيز على قلبي ورجل صدق بالوعد وأوفى بالعهد تحلى بمكارم الأخلاق في زمن تنكرت فيه النفوس للقيم شهد له الجميع بالثبات على المبادئ التي عاش ومات عليها وهو من أبناء السودان النجباء الذين أنجبتهم إحدى حرائر مدينة الجنينة دار اندوكة كما يحلو لأهلها تسميتها والتي عرفت بين مدن السودان بالمدينة الوادعة والملهمة بجمالها الأخاذ وسحر طبيعتها المتمثلة في جبالها الشاهقة وأوديتها البطاح ومافيها من أثار وعلى ضفاف وادي كجا تهادت المنطقة تكسوها الجمال وتحفها الخضرة اليانعة والمناظر الخلابة ويزينها اهلها الذين رضعوا من ثديها الالفة والمودة وورثوا الشمائل والخصال الحميدة التي إرتقت بهم الى معالي المجد الابدي
ولد الراحل شمو إبراهيم شمو في مدينة الجنينة في منتصف الأربعينيات والده الشيخ إبراهيم شمو شاع الدين أحد الأعيان الذي جمع مابين الواجهة الإجتماعية والريادة التجارية العابرة للحدود بين السودان وتشاد وأحد رجالات الطرق الصوفية الذين يسلكون الطريقة التجانية واسعة الإنتشار في إفريقيا وغرب إفريقيا بصفة أخص كما توجد على نطاق واسع في السودان وإقليم دارفور ودارمساليت تعد الشاعديناب من الأسر السودانية العريقة التي ذاع صيتها في مجالات التجارة السياسة المجتمع التصوف والإعلام وقد إمتد إنتشارهم ليشمل كافة أصقاع السودان مع تواجد بارز لهم في مدينة الجنينة منذ مطلع العشرينيات وفي عهد السلطان بحرالدين أندوكا برزت إسم العائلة الشخصية في مد جسور التواصل مع مختلف المجتمعات السودانية وساهمت بقوة في العمل التجاري وتنشيط العمل السياسي في الجنينة وقد واصلت العائلة هذا الدور الوطني عندما إفتتح الشيخ محمد شمو شاع الدين فرعآ لمؤتمر الخريجين في مطلع الأربعينيات ليربط المنطقة بالحراك السياسي والحركة الوطنية السودانية كما كان ينتمي لحزب الأشقاء الذي إندمج لاحقآ ليصبح الحزب الوطني الاتحادي ثم الحزب الاتحادي الديمقراطي بجانب مسيرته السياسية عرف بمساهماته الدينية والصوفيه حيث كان ينتمي الى الطريقة السمانية ويفسر القرأن الكريم بالمسجد العتيق وتوطدت صلاتهم الاجتماعية بمجتمع الجنينة بالتأخي والمصاهرة وشملت هذه الاسر ال النفار وال علي فؤاد وغيرهم وتوجت بزواج الاميرة (برة) كريمة مولانا المرحوم شاع الدين محمد شمو عضو المحكمة الشرعية بالجنينة ومدرس علوم الفقه والتجويد بالمسجد العتيق وأحد التجار بالمدينة من جلالة السلطان سعد عبدالرحمن بحرالدين أبكر سلطان سلطنة دارمساليت
والدته هي الحاجة الفاضلة أمنة محمود ال حجر من أسرة أولاد الريف بمدينتي الجنينة والفاشر أما جدته لأمه فهي تلك المرأة التي خلدت إسمها في تاريخ وذاكرة الجنينة وأصبحت جزءآ من إرثها وتراثها وهي الشهيرة ب(إيا روزا) وهي بذلك كغيرها من النسوة اللائي حفرن اسماءهن على جدار الذاكرة مثل ( اياتيلي وعجوزعشراي وإيا ناتا والداية كورا بارا وحوا كتكو)
ومثل الذين بقت أسماؤهم تحكي عن الأصالة والريادة والتاريخ والمجتمع
(سيدنا أبو القاسم وال التنياب وأبوه حسن والشيخ يحي جاتو والإمام عمر وأفندي بشير والقاضي الزقزقي ومكي إدريس وإبراهيم مكي الشفيع وأحمد هاشم وحبيب شاشاتي وكستاكي وشايب كرم الدين وشايب بيلو وشريف كرار وسعادة البيه والنور توتو وموسى كنو وموسى أم بحيتو والشاعر عمر الحضري والفنان سنين رزق وودعشر وكبير قاسي وفكي أبوميرماي والأسماء كثيرة)
تلقى تعليمه الأولى والأوسط بمدينة بالجنينة والثانوي بالفاشر ثم تخرج في كلية الآداب بجامعة الخرطوم عام 1970م ونال درجة الماجستير في التنمية الريفية من جامعة برمنجهام بالمملكة المتحدة عام 1979
بدأ حياته الوظيفية ضابطآ إداريآ ثم أنتدب لمشروع السافنا وهيئة توفير المياه في كردفان ودارفور عاد بعدها الى الخدمة وتدرج في المناصب حتى بلغ درجة مساعد المحافظ ثم إستقال من منصبه طواعية ليستقر في مدينة نيالا متفرغآ لأعماله الخاصةوإعداد البحوث والدراسات العلمية وقد قدم العديد من البحوث القيمة أبرزها بحثه حول الحواكير والإدارة الأهلية في دارفور التي مولته الامم المتحدة الى جانب أبحاث إخرى أثرت المكتبة السودانية ونفعت الباحثين وطلاب العلم
لم يكن شمو رجلآ عاديآ بل كان عالمآ وباحثآ ومدققآ وشاعرآ وصوفيآ زاهدآ أفنى حياته في محراب التعبد والتقرب الى الله لقد كان كالمجرة تمور بداخلها النجوم وتدور في فلكها الاقمار ونبراسآ معجونآ بأصالة (الجنينة) التي حبا على ترابها وتغذى على قيمها وتشرب ثقافاتها وتراثها وعاداتها وتقاليدها وإرثها وتاريخها التليد حتى صار جنينيآ يضيء كالإبريز المضمخ بعبير المسلمية الاتي من نسل الشاعديناب فرع متأصل من شجرة وارفة الظلال تؤتي ثمارها كل حين إنه من جيل العباقرة من أبناء الجنينة كالشاعر محمد العاقب ومحمد السنوسي ومحمد الباقر إبن القاضي عبدالمالك ذلك الطالب العالم بجامعة أمدرمان الإسلامية (كلية الشريعةوالقانون) الذي وافته المنية في ريعان شبابه قبل أن يقطف ثمار مسيرته التعليمية والاستاذ الصحفي الكبير عبدالله آدم خاطر مولود أردمتا وبقية نخبة العقد الفريد من المشاهير والأعلام
كان شمعة مضيئة في العطاء ورمزآ للاخلاص والسخاء من معدن أصيل وانسانية نفيسه تشبه أسلافه
كان قلبآ نابضآ بالحب متواضعآ مؤدبآ نموذجآ حيآ ونعم المثل في التعامل والوفاء
يتمتع بسكينه في كل أحواله قلما تجده في شخص أخر متفانيآ في سبيل الجميع وملتزمآ بالقيم الأجتماعية
كان بشوشآ شفافآ ترى قلبه على لسانه مثالآ للخلق والتسامح جميل المحيا سمح السجايا
لم أر فيه غير النبل والإلتزام بالقيم ولم تختزن ذاكرتي عنه إلا تلك الذكريات العبقة المعطرة بعطر روحه الطاهرة
كانت له قدرة كبيرة في السرد والربط مابين الأحداث التاريخية بتفاصيلها المختلفة والحديث عن الشخصيات والقادة والرموز فعندما يتحدث عن السلطان أندوكا يغير من قعدته ويستقيم في جلوسه ليوحي لك أن الحديث عن أندوكا يتطلب حضورآ وإحساسآ خاصآ فيحكي أنه الحاكم العادل والمتدين الزاهد والعابد الناسك والقائد الشجاع والرؤوف برعيته وكأنه حضر لحظة ميلاده وعاش تفاصيل حياته لحظة بلحظة ليضع لك الواقع بين عينيك ويعرج بك الى مرح الطفولة البريئة التي ظلت عالقة بذاكرته وباقية في وجدانه فكان يقول (انحنا بردونا في طشت) هذه العبارة وحدها بحاجة الى توضيح لجيل اليوم (الذي لم يحظ بالبرود في الطشت وأكل القنقو وقطع التيراي وتناول شربات الكردالة)
علاقتي بالراحل شمو إبراهيم شمو علاقة أسرية ممتدة فقد نشأ صغيرآ ولعب طفلآ مع أخوالي وخالاتي ووالدتي وجئنا من بعدهم لنكمل المسيرة بذات الود والتواصل إمتدادآ لما يجمعني بأفراد أسرته الكريمة من محبة وتوثقت علاقتي به أكثر منذ العام 2011 عندما كنت ضمن طاقم إذاعة دارفور أف ام منذ تأسيسها بالخرطوم وكنت أقدم برنامجآ إذاعيآ تسجيليآ بعنوان (رحلة في دارفور) والذي يتناول التاريخ التراث الثقافة العادات والتقاليد والامكنة الى جانب ذلك تضم الخريطة الاذاعية برنامجآ منوعآ يبث يوميآ على الهواء مباشرة من الثامنة وحتى العاشرة مساء بمشاركة الجمهور فكنت أستضيفه للحديث في البرنامجين كل ما كان موجودآ في الخرطوم وإستمرت علاقتنا خارج إطار العمل الإذاعي
يعد الباحث من أبرز الباحثين والمدققين المعاصرين في تاريخ السودان ودارفور عمومآ وتاريخ (دارمساليت ) على وجه الدقة وفي هذا المجال سيصدر له كتاب قيم فيما بعد يتحدث عن سلطنة دارمساليت والذي يشكل إضافة علمية حقيقية للمكتبة السودانية الى جانب ديوانه الشعري الذي سيرى النور بدوره وكان يحاضر طلاب دارفور بالجامعات والمعاهد العليا بدورهم المختلفة بالعاصمة المثلثة وكنت أصطحبه دائمآ في هذه المحاضرات فيتحدث حديث الباحثين العلميين المتمكنين من حيث إستعراض التاريخ والنقد والتدقيق والتصحيح ويلقي على الطلاب مواد علمية قلما يجدونها في المحاضرات وقاعات الدراسة
وفي العام 2014 تقدمت بمشروعي البحثي لدراسة الماجستير في التاريخ وكانت مشكلة البحث تتمحور حول دراسة (معركة دروتي) لقد سر بذلك كثيرآ ووجدته خير مصدرآ لي في كتير من الموضوعات المتعلقة بالبحث وقد نشر العديد من المقالات أهمها مقالة نشرت بمجلة (إتحاد الكتاب والادباء السودانيين ) أبان دورة رئاسة الأستاذ الشاعر عالم عباس محمد نور تناول فيها أهزوجة (تيلم تيلم تيلم دانو) وهي أهزوجة جميلة تحكي عن إرث وتراث وثقافة أهل دارفور حيث بين فيها أنها خارجة من بيئة دارفور ولهجتها الفطرية وذلك ردآ على من حاولوا تغيير مفرداتها وإدخال مصطلحات جديدة ليثبت في النهاية ملكيتها التراثية لدارفور وكنت أرجع اليه دائمآ في تدقيق تاريخ الجنينة ودارمساليت وهو حينها يقيم في نيالا وصل إلى الخرطوم في بداية رمضان العام 2023م قبل إندلاع الحرب بأيام ثم غادر الى الدويم للحاق بزوجته ورفيقة دربه الأستاذة حنان عثمان التي تستقر مع أسرتها هناك وكنت على تواصل دائم معه عند إندلاع الحرب الملعونة غادرت الخرطوم قاصدآ الدمازين حالي حال الكثيرين من الذين تفرقوا في بقاع الأرض وتشتت بهم السبل بسبب
هذه الحرب الملعونة التي لم تبق ولم تذر أبلغته بسفري الى القاهرة فأخبرني أنه ينوي السفر للقاهرة لإجراء بعض الفحوصات الطبية سررت بذلك وعقدت العزم على زيارته قبل مغادرتي إلا أن الاقدار حالت دون أن نلتقي غادرت الدمازين الى القاهرة وإنقطع التواصل بيننا بعدها بدأت أسأل عنه أخيه العزيز زين العابدين إبراهيم شمو لأطمئن على صحته وأحواله فيطمئنني وتارة أخرى أسأل أبناء أخته الكريمين التجاني وأبوبكر الجزولي التلب فيطمئناني كذلك إلى أن قرأت نبأ وفاته في ذلك اليوم الأليم عبر قروب (وادي كجا) أكبر ملتقى إجتماعي لأهل الجنينة والذي وقع علي كالصاعقة وران على قلبي الحزن
رحل شمو كما عاش في صمت تاركآ خلفه فراغآ وإرثآ وسيبقى شمو شخصآ باقيآ في دواخلي ومنحوتآ في ذاكرتي فارق الدنيا وستبقى روحه الطيبة تسكن القلوب فقد فاز بجميل أخلاقه ودماثة طبعه وطيب معشره وحسن تعامله
تأثرت لموته وحزنت لفراقه ولكن (كل نفس ذائقة الموت)
أعزي في هذا المصاب الجلل زوجته وأسرة الشيخ إبراهيم شمو وال شمو بالجنينة والفاشر ونيالا والمسلمية وفي كل ارجاء السودان وأصدقاءه وزملائه ومعارفه في نيالا والفتيحاب وأصهاره وأحبابه في الدويم في هذا الفقد الكبير
نسأل الله أن ينزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا


إنا لله وإنا إليه راجعون
الثلاثاء
21 يوليو
2026
القاهرة

اترك رد

error: Content is protected !!