
في مقالي السابق “هل نحن آخر جيل يبرمج الحاسوب؟” تركت القارئ أمام سؤال ظل يلاحقني وأنا أتابع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي:
إذا كان الذكاء الاصطناعي يكتب البرامج، فمن سيكتب الجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي؟
فالظن حتى الآن هم الباحثون والمهندسون من يبتكرون الفكرة، ويصممون النماذج، ويكتبون الشفرة، ثم يختبرونها ويطورونها. غير أن اطلاعي على تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد دفعني إلى النظر إلى السؤال بصورة مختلفة.
فالتقرير يرصد تقدما سريعا في قدرات الذكاء الاصطناعي وانتشاره، ويكشف في الوقت نفسه عن تحول أعمق يتعلق بدخول الذكاء الاصطناعي في عملية تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه ، وتشير نتائجه إلى أن بعض الأنظمة أصبحت قادرة على تنفيذ مهام حقيقية على الحاسوب بدرجة نجاح ارتفعت في أحد الاختبارات من نحو 12% إلى قرابة 66%، مع استمرار فشلها في جزء من المحاولات…
من أكثر النتائج إثارة في التقرير ما أطلق عليه الباحثون “الحدود المتعرجة للذكاء الاصطناعي”، فقد أصبحت بعض النماذج قادرة على حل مسائل رياضية بمستويات متقدمة جدا، وفي الوقت نفسه قد تفشل في مهام تبدو بسيطة للإنسان، وهذا يعني أن تقدم الذكاء الاصطناعي لا يسير في خط مستقيم، قد يصبح النظام قويا جدا في مجال محدد، وضعيفا جدا في مجالات أخرى على سبيل مثال قراءة عقارب الساعة.
من هنا يمكن القول أننا لم نصل إلى مرحلة يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي أن ينفصل عن الإنسان ويعيد بناء نفسه بلا حدود. غير أن جزءا من دورة تطوير الذكاء الاصطناعي أصبح قابلا للأتمتة.
فالإنسان يحتاج إلى وقت حتى يجرب فكرة واحدة، بينما تستطيع الآلة إجراء عدد كبير من التجارب خلال الفترة نفسها. وإذا أصبحت قادرة على التعلم من نتائج هذه التجارب، فإن عملية التطوير تدخل في دائرة متسارعة:
“حل أفضل، ثم تجربة أكثر، ثم نتائج أفضل، ثم نظام أقوى، ثم قدرة أكبر في البحث عن حلول جديدة”..
ولا نعرف حتى الآن إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه الدائرة.
أعود إلى السؤال الذي بدأت به المقال السابق..
ربما لم نصل بعد إلى اليوم الذي يكتب فيه الذكاء الاصطناعي الجيل القادم من نفسه، غير أننا اقتربنا من مرحلة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكا في تطوير الأدوات والخوارزميات التي تقوم عليها أجياله القادمة.
وهذا وحده تحول يستحق التأمل، فقد بدأت رحلتنا مع الحاسوب عندما كنا نكتب له كل شيء. ثم أصبحنا نطلب منه أن يساعدنا في كتابة ما نريد. واليوم بدأنا نطلب منه أن يبحث معنا عن طرق أفضل لبناء ما نريد.
وربما يكون السؤال الذي سيحدد المرحلة القادمة مختلفا:
إذا أصبح الذكاء الاصطناعي شريكا في صناعة الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي، فمن سيحدد إلى أين يتجه؟



