الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

السيادة الرقمية…

د. محمد عبدالرحيم يسن





برز اتجاه كبير في الآونة الأخيرة في عدد من الدول الأوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا والدنمارك، نحو مراجعة الاعتماد على الحلول التقنية الأمريكية، والتوجه إلى بناء بدائل محلية أو مفتوحة المصدر. هذا المسار يجد جذوره في تجارب سابقة على مستوى العالم، فقد سبقت الصين إلى بناء منظومتها التقنية الخاصة، في خطوة استهدفت تقليل الانكشاف الخارجي وتعزيز الاستقلال. في هذا السياق تتجه فرنسا إلى تقليص الاعتماد على نظام مايكروسوفت ويندوز، عبر نقل أجهزة الحاسب الحكومية إلى نظام لينكس مفتوح المصدر. القرار يعكس تحولا في النظرة إلى التقنية، واعتبارها مكونا أساسيا في بنية السيادة الرقمية.
بدأ هذا التوجه منذ العام 2023 عندما أشار الوزير الفرنسي للتحول الرقمي إلى سعي بلاده لاستعادة السيطرة على مصيرها الرقمي، وهو تعبير يحمل دلالة تتجاوز الجانب التقني. وتكررت هذه الرسائل في العام 2024 مع التأكيد على أهمية التحكم في البيانات والبنية التحتية باعتبارها عناصر سيادية. واليوم اتخذت فرنسا خطوة في الانتقال بالحكومة من ويندوز الى لينكس.
اختيار نظام التشغيل لينكس يرتبط بفلسفة مختلفة في التعامل مع البرمجيات. نظام مفتوح المصدر يتيح التطوير وفق احتياجات كل دولة، بعيدا عن القيود المرتبطة بالأنظمة المغلقة، ومن هنا بدأت فرنسا تنفيذ هذا التوجه تدريجيا من داخل وكالة التحول الرقمي الحكومية، في مسار يوازن بين الطموح ومتطلبات التشغيل. هذه الخطوة من فرنسا جديرة بالوقوف عندها، ومعرفة أسبابها.
عند النظر إلى تجربة السودان، نجد أن هذا التوجه قديم، بدأ منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، عندما تم تطوير تطبيقات باستخدام البرمجيات مفتوحة المصدر، فقد نجحت مراكز بحثية وجامعات وشركات محلية في تطوير برامج وتدريب كوادر تمتلك معرفة عملية في استخدام هذه التقنيات، وأسهم ذلك في نشر ثقافة الاعتماد على الحلول المفتوحة في بيئات تعليمية ومهنية مختلفة. هذه التجربة جديرة بالاهتداء، خاصة أننا في مرحلة إعادة بناء، ويبدو أن التوجه نحو البرمجيات مفتوحة المصدر خيار مناسب، من ناحية التكلفة، والمرونة ويتميز بالاستقلالية. وتوفر عددا من الفوائد، من بينها تقليل النفقات المرتبطة بالتراخيص، وإمكانية التعديل والتطوير وفق الاحتياجات المحلية، إضافة إلى بناء قدرات وطنية قادرة على التطوير والصيانة دون الاعتماد الكامل على مزود خارجي. كما تتيح هذه النماذج فرصا أوسع للابتكار المحلي، وتدعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في المجال التقني.
ما حدث في فرنسا ، وغيرها من البلاد يمثل بداية مرحلة مختلفة في مسار التقنية العالمية، مرحلة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع اعتبارات السيادة. ومع اتساع هذا التوجه، قد تتغير قواعد المنافسة، ويتراجع الاحتكار لصالح بيئات أكثر انفتاحا وتعددا.

٢٠ أبريل ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!