الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

اتفاقية مكة… نواة توازن استراتيجي جديد والسودان أمام اختبار التموضع

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

تتجاوز قيمة التحالفات العسكرية حدود التعاون الدفاعي المباشر، فبعضها يولد في لحظة تاريخية تصبح فيها الحاجة إلى إعادة ضبط موازين القوة ضرورة، وتتحول فيها الشراكة من خيار سياسي إلى استجابة استراتيجية لبيئة مضطربة. ومن هذا المنظور، تكتسب «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان دلالة تتجاوز أطرافها الثلاثة إلى مستقبل بنية الأمن وموازين القوة في المنطقة.

الاتفاقية التي وُقعت في مكة المكرمة في السابع من أغسطس 2026م أرست مبدأ واضحاً للأمن الجماعي، يقوم على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على جميعها، إلى جانب تطوير التعاون العسكري والدفاعي وتعزيز الردع والتنسيق والتكامل بينها. وهي بذلك تنقل العلاقات بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد من مساحات التعاون والتنسيق إلى إطار دفاعي أكثر تنظيماً وعمقاً، يحمل في داخله إمكانية التطور إلى صيغة إقليمية أوسع إذا أثبتت التجربة فاعليتها.

وأحسب أن هذه الاتفاقية تمثل مؤشراً على استعادة الإقليم جانباً من قدرته على صناعة توازناته بأدواته الذاتية، وتعكس تحولاً جيوبوليتيكياً مهماً قد يسهم في كبح فوضى القوة في المنطقة. وإذا تُرجمت إلى مؤسسات وآليات فاعلة، واتسعت دوائر التعاون التي تنطلق منها، فقد تصبح نواة لحلف استراتيجي أكبر يعيد قدراً من التوازن إلى جغرافيا شديدة الاضطراب، قليلة اليقين بحاضرها، وأكثر غموضاً في مستقبلها.

وتكتسب الاتفاقية وزنها الحقيقي من طبيعة عناصر القوة التي تجمعها؛ فالسعودية تمثل ثقلاً سياسياً واقتصادياً ومركزاً مهماً في معادلات الخليج والبحر الأحمر والعالمين العربي والإسلامي، فيما تمتلك تركيا قوة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة وموقعاً جيوستراتيجياً يصل الشرق الأوسط بالقوقاز والبحر الأسود والبحر المتوسط، وتضيف باكستان إلى هذه المعادلة عمقاً عسكرياً واستراتيجياً وردعاً نووياً وخبرة دفاعية ممتدة. واجتماع هذه العناصر يفتح المجال أمام بناء منظومة ردع متعددة الأبعاد، تتكامل فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والموقع الجغرافي والثقل السياسي.

وتزداد أهمية ذلك في ظل التحولات التي تشهدها بنية الأمن الإقليمي. فقد عاش الشرق الأوسط وما يجاوره لعقود طويلة تحت تأثير معادلة أمنية تعتمد بدرجة كبيرة على القوى الدولية، وبصفة خاصة الولايات المتحدة، بينما تتجه القوى الإقليمية الكبرى بصورة متزايدة نحو امتلاك قدر أكبر من أدواتها الخاصة، وتنويع شراكاتها، وبناء ترتيبات تستطيع من خلالها حماية مصالحها وتقليل تأثر أمنها بتقلبات السياسات الدولية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة اتفاقية مكة باعتبارها إحدى علامات التحول نحو أمن تسهم دول المنطقة بدرجة أكبر في هندسته وحماية توازناته. ولا يقتضي ذلك نشوء حلف عسكري مغلق أو محور موجه ضد دولة بعينها، خاصة مع التأكيد على الطبيعة الدفاعية للاتفاقية، لكنه قد يعني بروز نواة لمركز قوة جديد يستطيع، إذا اكتملت أدواته، التأثير في حسابات الردع، ورفع تكلفة المغامرات العسكرية، وإضافة عنصر جديد إلى معادلات القوة الإقليمية.

ولا تنحصر تداعيات هذا التحول في الخليج أو الشرق الأوسط بمعناه الجغرافي الضيق، فقد أصبحت دوائر الأمن الإقليمي مترابطة بين الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والقرن الأفريقي. فالسعودية قوة محورية على البحر الأحمر، وتركيا وسعت خلال السنوات الماضية حضورها السياسي والاقتصادي والعسكري في القرن الأفريقي، فيما ترتبط باكستان بعلاقات دفاعية وثيقة مع الرياض، وتمتلك قدرات وخبرات بحرية يمكن أن تصبح جزءاً من أي هندسة أوسع لأمن الممرات البحرية.

ومن ثم، فإن تطور هذه الشراكة مستقبلاً قد يمتد بصورة طبيعية إلى مجالات الأمن البحري وحماية التجارة الدولية وتأمين خطوط الطاقة، فضلاً عن الصناعات الدفاعية والتدريب وتبادل المعلومات ومكافحة التهديدات العابرة للحدود. وهذا الاحتمال يضع السودان مباشرة أمام اختبار التموضع في بيئة استراتيجية يعاد تشكيلها من حوله.

ويقع السودان في قلب الجغرافيا التي تتقاطع عندها هذه التحولات؛ بساحله الممتد على البحر الأحمر، وموقعه المقابل للمملكة العربية السعودية، واتصاله بالقرن الأفريقي ووسط القارة، وإطلاله على فضاء بحري تمر عبره بعض أهم طرق التجارة والطاقة في العالم. وهذه عناصر تمنحه قيمة استراتيجية معتبرة، لكنها لا تتحول بذاتها إلى نفوذ أو مكانة ما لم تسندها دولة تمتلك الرؤية والقدرة وأدوات الفعل.

ومع كل ترتيب جديد للأمن الإقليمي والبحري يتشكل دون حضور سوداني فاعل، تتسع المسافة بين قيمة السودان الجغرافية ووزنه السياسي والاستراتيجي. ولذلك ينبغي قراءة اتفاقية مكة في الخرطوم من زاوية الفرص التي تتيحها بقدر قراءة التحولات التي تحملها؛ فالسعودية شريك بالغ الأهمية للسودان وقوة رئيسية في معادلة أمن البحر الأحمر، وتركيا ترتبط معه بتاريخ من التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، وباكستان تملك خبرة عسكرية وصناعات دفاعية يمكن للسودان الاستفادة منها. ويمنح تقارب الدول الثلاث الخرطوم مساحة لبناء شبكة علاقات متوازنة معها، وتحويل التقاطع في المصالح إلى فرص عملية لبناء القدرات الوطنية.

وتبدأ الاستجابة السودانية المطلوبة بإعادة تعريف موقع البحر الأحمر داخل منظومة الأمن القومي، باعتباره فضاءً استراتيجياً تتداخل فيه اعتبارات السيادة والدفاع والاقتصاد والطاقة والتجارة والعلاقات الخارجية، وليس مجرد ساحل أو منفذ بحري. وهذا يستدعي بناء استراتيجية وطنية متكاملة للبحر الأحمر تحدد المصالح والأولويات وحدود الشراكات، وتربط بين السياسة الخارجية والدفاع والموانئ والنقل والطاقة والاستثمار ضمن رؤية واحدة.

ويتصل بذلك تطوير القوات البحرية السودانية ورفع قدرتها على حماية المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة والموانئ والجزر والمنشآت الحيوية، مع توظيف العلاقات مع السعودية وتركيا وباكستان في مجالات التدريب والتأهيل ونقل التكنولوجيا والصناعات الدفاعية وبناء القدرات البحرية. فالدولة التي تطل على فضاء بحري استراتيجي بهذا الحجم تحتاج إلى قوة بحرية تتناسب مع قيمة المجال الذي تحميه وحجم المصالح التي تدافع عنها.

ويكتمل هذا المسار بتحرك دبلوماسي مبكر ومدروس تجاه الدول الثلاث لفهم آفاق هذه المنظومة ومجالات التعاون الممكنة معها، خاصة في الأمن البحري ومكافحة التهريب والإرهاب والجريمة المنظمة وحماية الملاحة وتبادل المعلومات والتدريب والتمارين المشتركة. والأجدى للسودان أن يدخل هذه التحولات من باب المبادرة وتقديم المصالح والمشروعات المشتركة، بدلاً من انتظار اكتمال الترتيبات ثم البحث عن موقع داخلها.

وقد تمثل اتفاقية مكة بداية تحول أكبر في بنية الأمن الإقليمي، وقد تبقى شراكة دفاعية محصورة في دولها الثلاث، والحكم النهائي عليها سيظل مرهوناً بقدرتها على الانتقال من النصوص السياسية إلى المؤسسات والآليات والقدرات المشتركة. غير أن أهميتها بالنسبة للسودان لا تتوقف على الشكل النهائي الذي ستؤول إليه، بقدر ما تكشفه من سرعة التحولات في محيطه؛ فالمنطقة تعيد ترتيب تحالفاتها، والدول تبني شبكات مصالحها، وموازين القوة تتشكل وفق حقائق جديدة.

الموقع يمنح الدولة فرصة، لكنه لا يمنحها مكانة؛ فالمكانة تُصنع بالقدرة ووضوح الرؤية وحسن إدارة المصالح. ومن هنا، لا يتمثل التحدي الحقيقي أمام السودان في الانضمام إلى هذا التحالف أو ذاك، بقدر ما يتمثل في تحديد الموقع الذي يريد أن يحتله في النظام الإقليمي الذي يتشكل من حوله. فبلد بهذه الجغرافيا والموارد والامتداد على البحر الأحمر ينبغي أن يكون شريكاً في صناعة ترتيبات أمن الإقليم، وأن يمتلك من الرؤية والقوة والشراكات ما يجعله جزءاً ممن يصنعون مستقبل هذه الجغرافيا، لا جزءاً من الجغرافيا التي يصنع الآخرون مستقبلها.

اترك رد

error: Content is protected !!