الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

زيارة مجلس السلم والأمن الأفريقي… السودان واستعادة مكانة الدولة

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

بعض الزيارات الرسمية تأتي محملة برسائل تتجاوز حدود البروتوكول والمراسم، لأنها تعكس تحولات في طريقة تعامل الدول والمنظمات مع الأزمات الكبرى، وتكشف عن طبيعة المرحلة التي تمر بها الدول وموقعها في محيطها الإقليمي والدولي. ومن هذا المنظور، فإن زيارة وفد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي إلى السودان في هذا التوقيت تحمل دلالات تتجاوز حدود التواصل الدبلوماسي المعتاد، فهي تعكس عودة السودان تدريجياً إلى دائرة الاهتمام الأفريقي، ومحاولة إعادة بناء علاقة مؤسسية بين الخرطوم والمنظمة القارية بعد مرحلة اتسمت بالتعقيد والتوتر.

فزيارة وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي برئاسة السفير محمد خالد، ولقاؤه السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، ثم لقاء رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، تأتي في لحظة مفصلية تؤكد أن الأزمة السودانية أصبحت أحد العوامل المؤثرة في توازنات الأمن الإقليمي وحسابات الاستقرار الدولي، لما ترتبط به من تداعيات على أمن القرن الأفريقي، واستقرار البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، وأمن دول الجوار.

لقد فرض الموقع الجغرافي للسودان عليه أن يكون جزءاً من معادلات الأمن الإقليمي. فالسودان يمثل حلقة وصل بين شمال القارة وشرقها، ويطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، كما أن استقراره يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الإقليم المحيط به. ولذلك فإن أي مقاربة جادة للأزمة السودانية تحتاج إلى قراءة شاملة لطبيعة الصراع وأبعاده الأمنية والسياسية والإنسانية، بعيداً عن اختزاله في إطار داخلي منفصل عن محيطه الإقليمي.

الرسالة الأبرز التي حملتها الزيارة تمثلت في التأكيد على سيادة السودان ووحدة أراضيه، وهو مبدأ يمثل أحد الأسس التاريخية للنظام الأفريقي منذ تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية. وقد جاء تأكيد رئيس الوفد على احترام سيادة السودان، ورفض التدخلات الخارجية، ومعارضة أي محاولات لإنشاء كيانات أو حكومات موازية، ليعكس إدراكاً لأهمية الحفاظ على تماسك الدولة السودانية باعتبارها أساساً لأي عملية سلام مستدامة.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية مضاعفة في ظل حرب شهدت محاولات لإعادة تشكيل الواقع السياسي والعسكري داخل السودان خارج مؤسسات الدولة. فالتحدي الأكبر الذي تواجهه الدول خلال الأزمات لا يرتبط فقط بموازين القوة العسكرية، وإنما بقدرتها على الحفاظ على وحدة القرار الوطني، ومنع تعدد مراكز السلطة، وصيانة مفهوم الدولة باعتبارها الإطار الجامع لكل مكونات المجتمع.

فالدول تستمد قوتها من تماسك مؤسساتها، ومن وضوح مرجعيتها السيادية، ومن احتكارها المشروع لأدوات القوة. وعندما تتعدد مراكز القرار، يصبح الأمن الوطني عرضة للاختراق، وتتحول السيادة إلى مساحة مفتوحة للتجاذبات الخارجية. ومن هنا فإن استعادة المؤسسات الوطنية لقدرتها على أداء وظائفها تمثل جوهر أي مشروع حقيقي للاستقرار والسلام.

أما الرسالة الثانية للزيارة فتتعلق بالانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى البحث عن مسار سياسي يقود إلى الاستقرار. فقد أكد مجلس السلم والأمن الأفريقي أهمية الحوار والمصالحة الوطنية، وهي رؤية تتقاطع مع طرح الحوار السوداني – السوداني باعتباره مدخلاً لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى.

غير أن نجاح أي حوار سياسي يحتاج إلى بيئة وطنية مستقرة ومرجعيات واضحة تحفظ مصالح الدولة والمجتمع. فالسلام في التجارب الدولية لا يبدأ من توقيع الاتفاقات، وإنما من بناء المؤسسات القادرة على حماية الاتفاق وتحويله إلى واقع مستقر. ولذلك فإن معالجة جذور الأزمة، وبناء التوافق الوطني، وإعادة تأسيس العلاقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، تمثل عناصر أساسية لجعل الحوار أداة لبناء المستقبل وليس مجرد وسيلة لتأجيل الخلافات.

ومن الدلالات المهمة للزيارة اهتمام الوفد الأفريقي بعودة الحكومة السودانية إلى ممارسة أعمالها من العاصمة الخرطوم. فالعاصمة في مفهوم الدولة ليست مجرد موقع جغرافي لممارسة الحكم، وإنما رمز لاستمرارية السلطة الوطنية وقدرتها على إدارة المجال العام. ولذلك فإن عودة المؤسسات الرسمية إلى مركز الدولة تحمل معنى سياسياً يتجاوز الجانب الإداري، لأنها تعبر عن استعادة القدرة على إدارة شؤون المواطنين، وتشغيل المؤسسات، وتقديم الخدمات، وقيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

كما أن إعادة افتتاح مكتب اتصال الاتحاد الأفريقي في الخرطوم تمثل خطوة ذات دلالة سياسية مهمة، فهي تشير إلى انتقال العلاقة بين السودان والمنظمة القارية نحو مرحلة جديدة من التواصل المؤسسي، وتعكس رغبة في تعزيز دور الاتحاد الأفريقي في دعم الاستقرار السوداني. فالسودان ليس مجرد ملف على أجندة الاتحاد الأفريقي، وإنما دولة مؤسسة للمنظمة القارية، وصاحبة تاريخ طويل في صياغة العمل الأفريقي المشترك، كما أن موقعه الجغرافي يجعله جسراً استراتيجياً بين دوائر الأمن الأفريقي والعربي والدولي.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تفرض على السودان بناء حضور أفريقي أكثر فاعلية، ينتقل من موقع التأثر بالمواقف الإقليمية إلى المشاركة في صياغة الأجندة التي تمس أمن القارة ومصالحها. وهذا يتطلب طرح رؤية واضحة لمستقبل البلاد، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الإقليمية، والمشاركة في صناعة القرارات التي تمس قضايا القارة، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع المبادرات والمواقف بعد صدورها.

وفي المقابل، فإن الاتحاد الأفريقي أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في ترجمة مبادئه حول احترام السيادة وعدم التدخل إلى مواقف عملية تساعد السودان على تجاوز أزمته، وتحفظ وحدة أراضيه، وتدعم قيام عملية سياسية شاملة تقود إلى بناء نظام دستوري مستقر عبر انتخابات حرة ونزيهة. فالاستقرار في السودان يمثل مصلحة أفريقية مشتركة، بحكم موقعه الجغرافي وتأثيره المباشر في دوائر الأمن القاري.

إن زيارة مجلس السلم والأمن الأفريقي تمثل محطة سياسية مهمة في مسار الأزمة السودانية، لكنها تحمل في الوقت ذاته مسؤولية مشتركة. فنجاح أي جهود للسلام يرتبط بقدرة المجتمع الإقليمي والدولي على التعامل مع السودان باعتباره دولة ذات مؤسسات ومصالح سيادية، وبقدرة السودانيين على بناء توافق وطني يعيد ترتيب أولويات البلاد بعد الحرب.

فالمستقبل السوداني ستصنعه قدرة السودانيين على إعادة بناء مؤسساتهم، وترسيخ مفهوم الدولة، وتحويل مرحلة الحرب إلى فرصة لإصلاح عميق يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على القانون والمؤسسات والمشاركة السياسية المسؤولة.

فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة السودان على تحويل هذا الحضور الأفريقي المتجدد إلى شراكات عملية تدعم بناء المؤسسات، وتعيد صياغة موقعه الإقليمي، وتجعله شريكاً في صناعة أمن القارة لا مجرد ساحة لتداعيات أزماتها.

إن زيارة مجلس السلم والأمن الأفريقي قد تكون بداية لمسار جديد في علاقة السودان بمحيطه الأفريقي، والقيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستتحدد بقدرتها على الانتقال من التضامن السياسي إلى شراكة عملية تساعد السودان على استعادة دوره ومكانته، باعتباره دولة محورية في أمن واستقرار القارة، وشريكاً في صناعة مستقبلها لا مجرد متأثر بتحولاتها.

الثلاثاء 18 أغسطس 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!