من يجب أن يكون حول الرئيس البرهان… من حكم الأفراد إلى دولة المؤسسات

حين تمر الدولة بأزمة وتدخل مراحلها الدقيقة، لا يصبح مركز الثقل في القرار عند القائد وحده، بل في البنية التي تُحيط به وتشارك في صناعة الاتجاه. فالرئاسة ليست فردًا يحكم بمفرده مهما كانت قدراته، أو اتسعت صلاحياته، بل منظومة بشرية وسياسية وتنفيذية تمثّل عقل الدولة وذراعها وضميرها، تُقدّر الموقف، وتُدير التنفيذ، وتوازن بين مقتضيات القوة ومتطلبات الدولة. ومن هذا المنظور، فإن السؤال في هذه اللحظة لا يتعلق بما سيفعله الرئيس فحسب، بل بمن يصوغ معه القرار، ومن يُسند القيادة سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا، وكيف تُبنى الحاضنة القادرة على تمكين الدولة من عبور واحدة من أكثر مراحل السودان حساسية وتعقيدًا.
إن البلاد اليوم لا تعاني من أزمة سياسية أو عسكرية فحسب، بل من اختلال شامل في البنية العامة للدولة؛ اختلال في الإدارة، وتآكل في المؤسسات، واهتزاز في التماسك الاجتماعي، وتدهور اقتصادي ومعيشي، وتحديات أمنية ممتدة. وقد جاءت الحرب لتُضاعف هذه الأزمات، وتُنتج واقعًا أكثر هشاشة، يهدد بالتفكك والانقسام، ويفتح الباب أمام استهدافات داخلية وخارجية، محلية وإقليمية ودولية، تتغذى جميعها على ضعف التماسك الداخلي وتشتت مركز القرار.
في مثل هذا الظرف، تصبح الحاجة إلى حاضنة اجتماعية وشعبية واسعة للقيادة أهم من الحاجة إلى حاضنة سياسية ضيقة. فالدولة لا تُبنى بالمحاصصات، ولا تُدار بمنطق الشِلَل، ولا تُحمى بترتيبات مؤقتة تُرضي مجموعات محدودة.
المطلوب اليوم هو الانتقال من حكم الأفراد والمجموعات الصغيرة والخاصة، إلى مؤسسة الرئاسة، ومن دائرة العلاقات الشخصية إلى منظومة دولة شاملة ومتكاملة، تحتها مؤسسات حقيقية تقوم بدورها في الحكم والإدارة، وتعمل وفق رؤية وخطة وبرنامج واضح للخروج بالبلاد إلى بر الأمان.
ومن هنا، فإن الذين يجب أن يكونوا حول الرئيس ليسوا مجرد أسماء أو تمثيلات سياسية، بل مواصفات ومعايير. أول هذه المعايير القدرة التنفيذية الحقيقية؛ أشخاص مؤهلون للمناصب ويمتلكون خبرة عملية في إدارة المؤسسات، ويعرفون كيف تُدار الدولة في ظروف الأزمات، فالدولة في هذه المرحلة تحتاج إلى مسؤولين لا يكتفون بالتصورات العامة غير المرتبطة بالتنفيذ، ولا يقفون عند حدود الهتاف أو الشعار، بل يمتلكون القدرة على تحويل القرار إلى فعل، والرؤية إلى برنامج، والبرنامج إلى نتائج ملموسة.
وثانيها القدرة السياسية، بمعناها الواسع، لا الحزبي الضيق؛ القدرة على بناء التوافقات، وإدارة التنوع، وتخفيف الاحتقان، وإيجاد مساحات مشتركة بين القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة. فالسودان لا يحتمل اليوم صراعًا سياسيًا إضافيًا، بل يحتاج إلى عقل سياسي جامع، يقدّم الوطن على الحزب، والمرحلة على المكاسب، والاستقرار على التنافس.
وثالثها الخبرة العسكرية والأمنية الرشيدة، التي تدرك طبيعة الحرب القائمة، ومخاطرها، وامتداداتها، وتعمل على توحيد الجبهة الداخلية، ودعم القوات المسلحة، وإدارة الملف الأمني بعقل الدولة لا بعقل الميدان فقط. فالمعركة لم تنتهِ، والتهديدات لا تزال قائمة، وأي خلل في القيادة أو الحاضنة قد يفتح ثغرات خطيرة في لحظة لا تحتمل المغامرة.
إلى جانب هذه القدرات، تبرز الصفات الأخلاقية والسلوكية بوصفها ركيزة وشرطًا أساسيًا لا يقل أهمية. فالمطلوب ليس فقط أصحاب خبرة، بل أصحاب نزاهة، واتزان، وقدرة على العمل الجماعي، واحترام المؤسسية. أشخاص يؤمنون بأن المواقع تكليف لا تشريف، وأن المناصب ليست ملكًا دائمًا أو ملكية خاصة، بل مسؤولية مؤقتة تُسلَّم لغيرهم حين تنتهي المرحلة. هذا الإيمان بتداول المواقع والمناصب هو الضمان الحقيقي لبناء دولة مستقرة، لا سلطة تبحث عن الخلود.
وتبرز في هذه المرحلة حاجة حقيقية إلى حاضنة وطنية واسعة تسند القيادة وتوفّر لها عمقًا اجتماعيًا وسياسيًا يحمي القرار ويمنحه الاستقرار. غير أن هذه الحاضنة المطلوبة لا ينبغي أن تكون قبلية ولا حزبية، بل حاضنة وطنية جامعة. من له حزب، فليُسخّره للوطن لا للمنصب، ومن له قبيلة أو طائفة، فليجعلها رافعة للاستقرار لا أداة للمنافسة. فهذه المرحلة ليست مرحلة توزيع مواقع، ولا زمن محاصصات، بل زمن تأسيس وطني انتقالي، يحتاج إلى تجرد حقيقي من الطموحات الشخصية، وتقديم صادق للمصلحة العامة.
إن التماسك الداخلي حول القيادة، في هذه اللحظة، ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. فكلما كانت الجبهة الداخلية موحدة، ضاقت مساحة الاستهداف الخارجي، وتراجعت فرص توظيف الانقسامات الداخلية في صراعات إقليمية ودولية. أما إذا استمرت حالة التشظي، فإن السودان سيظل ساحة مفتوحة لتجاذبات الآخرين، بدل أن يكون دولة فاعلة في محيطها.
السودان اليوم أمام مرحلة حساسة تتشكل فيها خرائط جديدة في الإقليم، وتُعاد فيها صياغة موازين القوة. وإذا لم تكن القيادة محاطة بمنظومة متماسكة، تمتلك رؤية واضحة وإرادة صلبة وبرنامجًا عمليًا، فإن المخاطر لن تتوقف عند حدود الحرب، بل قد تمتد إلى وحدة الدولة نفسها.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان، بل في بناء مؤسسة رئاسة قوية تستند إلى حاضنة اجتماعية وطنية، وتُفعّل مؤسسات الدولة، وتدير مرحلة تأسيس وانتقال حقيقية؛ فالدول لا تُنقذها الأسماء الرنانة، بل تنقذها المؤسسات الفاعلة، ولا يحميها التنافس على المواقع، بل يحميها التوافق على الوطن. وحين يتحول من هم حول الرئيس من أفراد متفرقين وجماعات صغيرة تُحركها حظوظ النفس والسعي إلى المكاسب الشخصية في السلطة والثروة، إلى منظومة دولة متكاملة، ذات طابع مؤسسي يكون همّها الوطن ومصلحة الشعب، يصبح القرار أكثر توازنًا، والمرحلة أكثر استقرارًا، والطريق إلى السلام أكثر واقعية. وفي ذلك وحده قد يجد السودان فرصته الحقيقية للخروج من الحرب أكثر قوةً وتماسكًا، والعبور إلى دولة راسخة قادرة على البقاء والنهوض.
الثلاثاء 14 ابريل 2026م


