بين الشرعية والمرجعية: من أحلام ديسمبر /أبريل إلى سؤال الدولة السودانية!؟

عندما اصطدمت الثورة بالواقع
عندما خرج السودانيون إلى الشوارع في ديسمبر ٢٠١٨، وأبريل ٢٠١٩ ، لم تكن مطالبهم تقتصر على تغيير حكومة أو إسقاط نظام سياسي فحسب، بل كانت تعبيراً عن تراكم طويل من الإحباطات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وحلماً جماعياً بالامل في دولة تمثل أشواق الانتقال الامن بوضعية أكثر عدالة وكفاءة واستقراراً. وقد نجحت تلك الموجة الاحتجاجية في الوصول إلى محطتها الأولى في أبريل 2019 بسقوط نظام الإنقاذ وعزل الرئيس عمر البشير، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة اتسمت بجدلية معقدة بين “الشرعية” و”المرجعية”، والتراجع في كل شي وهي الجدلية التي ما تزال تلقي بظلالها على المشهد السوداني حتى اليوم.
ففي اللحظة التي اعتقد فيها كثير من السودانيين أن البلاد قد دخلت مرحلة الانتقال نحو الديمقراطية والاستقرار، بدأت تتكشف أزمة أعمق تتعلق بمن يملك حق التحدث باسم الثورة، ومن يملك حق إدارة الدولة، وما هي المرجعية التي ينبغي أن تحكم عملية الانتقال السياسي ومطلوباته لتحقيق الرؤية الوطنية.
شرعية الثورة أم شرعية الدولة؟
نشأت معادلة معقدة منذ الأيام الأولى للفترة الانتقالية. فقد اعتبرت قوى سياسية محددة أنها الممثل الحصري للثورة، واستندت في ذلك إلى دورها في الحراك الشعبي الذي سبق سقوط النظام. وفي المقابل، برزت أسئلة جوهرية حول حدود هذه الشرعية الثورية، ومدى قدرتها على التحول إلى شرعية حكم وإدارة دولة متعددة الأعراق والثقافات والانتماءات السياسية، وأسس حفظ التوازن والمشاركة الواسعة دون إقصاء.
ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين مفهوم “شرعية الثورة” ومفهوم “شرعية الدولة”. فالدولة بطبيعتها تقوم على التوافق الوطني والمؤسسات الجامعة، بينما اتجهت بعض القوى إلى التعامل مع المرحلة الانتقالية باعتبارها فرصة لإعادة هندسة المشهد السياسي وفق تصوراتها الخاصة، وشعاراتها وأجندتها التي تعتمد على الخارج، وهو ما خلق حالة متزايدة من الاستقطاب والانقسام والانصراف عن هموم الوطن الي الأجندات الخاصة .
أزمة الإقصاء ومصادرة التمثيل
أحد أبرز الإشكالات التي رافقت المرحلة الانتقالية تمثل في ظهور نزعة إقصائية تجاه قطاعات واسعة من المجتمع والقوى السياسية. فبدلاً من بناء تحالف وطني واسع يستوعب التنوع السوداني، جرى التعامل مع العملية السياسية من منظور الغالب والمغلوب، والثائر وغير الثائر، والمدني والعسكري، والثوري وغير الثوري بمعايير من نسجهم لا تقوم على المثال.
وقد أدى هذا النهج إلى إضعاف فرص بناء توافق وطني حقيقي، كما ساهم في إنتاج حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي. فالثورات تنجح في إسقاط الأنظمة، لكنها لا تستطيع بمفردها إدارة الدول ما لم تتحول إلى مشروع وطني جامع قادر على استيعاب الجميع.
وكانت النتيجة أن تحولت معركة بناء الدولة إلى صراع حول احتكار الشرعية واحتكار التمثيل السياسي، الأمر الذي أضعف مؤسسات الانتقال نفسها وأفقدها كثيراً من الزخم الشعبي الذي رافق بداياتها،قاد الي فشل الثورة وأفرغها من أي أمل أو حلم علق بها .
الإطاري… لحظة الانكشاف الكبرى
جاء الاتفاق الإطاري ليكشف حجم الأزمة البنيوية التي تعانيها العملية السياسية السودانية. فقد قُدم الاتفاق باعتباره بوابة للخروج من الانسداد السياسي، لكنه في الواقع أعاد إنتاج الأزمة ذاتها من خلال حصر العملية السياسية في مجموعات محددة، بسند اجنبي ومنظومة تحشيد مضللة قادها فولكر ولعبته يونيتامس، وإقصاء قوى أخرى ذات وزن سياسي واجتماعي معتبر، وتنافر بين مكونات الحكم، وغياب للرؤية والبوصلة.
ومنذ ذلك الوقت، أخذت الانقسامات تتعمق داخل الحاضنة السياسية نفسها. فظهرت الخلافات داخل تحالف قوى الحرية والتغيير، ثم شهدت الساحة السياسية سلسلة من الانشقاقات والتحالفات الجديدة، وصولاً إلى ولادة كيانات متعددة حملت أسماء مختلفة لكنها عكست في جوهرها أزمة واحدة تتمثل في غياب المشروع الوطني الجامع، وقصر نظر من ادعوا قيادة الثورة.
ولم يكن انتقال المشهد من “قحت” إلى “تقدم” ثم إلى “صمود” سوى تعبير عن حالة السيولة السياسية التي صاحبت السنوات الأخيرة، حيث تآكلت المرجعيات السياسية وتراجعت القدرة على إنتاج رؤية موحدة لمستقبل البلاد.
الحرب بوصفها نتيجة وليست مجرد حدث
عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، من قبل الدعم السريع وحلفائه بالداخل والخارج ،تعامل البعض معها باعتبارها انفجاراً مفاجئاً للصراع بين القوات المسلحة وتمرد قوات الدعم السريع. غير أن قراءة أكثر عمقاً تشير إلى أن الحرب كانت نتيجة تراكمات سياسية وأمنية ومؤسسية امتدت لسنوات، كان طبيعيا أن تنتهي الي هذه النقطة المدمرة للبلاد.
فغياب التوافق الوطني، وضعف مؤسسات الدولة، والطموح الذاتي وانكشاف الأجندات المتعارضة، واستمرار حالة الاستقطاب، وتضارب الرؤى حول مستقبل المؤسسة العسكرية، جميعها عوامل ساهمت في تهيئة البيئة التي انفجرت فيها الحرب.
لقد كشفت الحرب حجم الهشاشة التي أصابت الدولة السودانية خلال سنوات الانتقال، وأظهرت أن الصراع لم يكن مجرد خلاف على السلطة، بل كان تعبيراً عن أزمة بنيوية في إدارة التنوع السياسي والاجتماعي، وفي العلاقة بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية، وبين مطالب التغيير ومتطلبات بناء الدولة.
الخراب الكبير وسقوط الأوهام
أفرزت الحرب واقعاً مأساوياً غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث. فوق القتل والاغتصاب والجرائم المنظمة، فقد تعرضت البنية التحتية للتدمير، وتفككت مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، ونزح الملايين داخل البلاد وخارجها باللجوء ، وتراجع الاقتصاد إلى مستويات خطيرة.
وفي خضم هذا المشهد، سقطت كثير من المباديء والشعارات والأوهام التي صاحبت المرحلة الانتقالية. فقد أثبتت التجربة أن إدارة الدولة لا يمكن أن تقوم على الإقصاء، وأن احتكار الوطنية أو للتمكين باسم الثورة أو التمثيل السياسي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام.
كما أثبتت الأحداث أن السودان أكبر من أي حزب أو تحالف أو جماعة سياسية، وأن استقراره يتطلب مشروعاً وطنياً جامعا في المشتركات يتجاوز الحسابات الفئوية الضيقة.
المخرج الوطني: من شرعية الغلبة إلى شرعية التوافق
بعد كل هذا الخراب، هنالك الكثير مما يثار من محاولات لاعادة التدوير بأشكال أكثر بؤساً
مما مضى، دون أدنى عبرة او موعظة ، ويبدو أن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه هو أن مستقبل السودان لا يمكن أن يبنى على منطق الغلبة السياسية المدعاة، أو الاحتكار الأيديولوجي أو الإقصاء المتبادل، والاستنصار بالأجنبي وأجنداته والإضرار بمصالح البلاد وسيادته واسترخاص كرامة شعبه، على نحو ما هو ماض.
فالمخرج الحقيقي يبدأ بالاعتراف بفشل تجربة الاحتكار السلطوي، والاستبعاد السياسي، وبأن بناء الدولة يتطلب مشاركة جميع القوى الوطنية التي تؤمن بوحدة السودان وسيادته واستقراره، وسلامة يدها مما وقع من جرائم .
كما أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تستند إلى مرجعية وطنية جامعة لا تحتكرها جهة بعينها، وإلى عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون وعدم الإفلات من العقاب والاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر مؤسسات شرعية منتخبة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي وتكريس حالة الفوضى، بقدر ما يحتاج إلى تأسيس مرحلة جديدة قوامها المصالحة الوطنية الشاملة وفق التجارب الاممية من حولنا وارثنا الوطني ، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنهاء الحرب، وإطلاق مشروع وطني جامع يستوعب الجميع دون إقصاء أو تهميش، اساسه ملكية المشروع لأبناء الوطن وشموليته في المشاركة لا المحاصصات .
خاتمة
لقد كانت (ثورة ديسمبر / أبريل) تعبيراً صادقاً عن تطلعات شعب أراد الحرية والعدالة والسلام، لكن الطريق من الحلم إلى الدولة كان أكثر تعقيداً مما تصور كثيرون. وبين شرعية الثورة ومرجعية الدولة ضاعت فرص عديدة، وتعمقت الانقسامات، حتى وصلت البلاد إلى الحرب واراقة الدماء و الدمار، وآلت الأوضاع الي ما هي عليه الان من واقع مأساوي وأثار عميقة باقية!.
واليوم، وبعد سنوات من التجربة المريرة، يبدو أن التحدي الأكبر لم يعد من يحكم السودان، بل كيف يُبنى السودان من جديد على أسس وطنية جامعة ومرتكزات لا خلاف حولها تحول دون تكرار أخطاء الماضي، وتؤسس لشرعية تستمد قوتها من التوافق الوطني لا من الإقصاء، ومن الدولة لا من الاستقطاب، ومن المستقبل لا من صراعات الأمس، وفتن التآمر الخارجي ومنصاته وحالميه!؟.
……،.،،،،،…..
١٣ يونيو ٢٠٢٦ م



