الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الحرب الإقليمية ومستقبل التمويل الإنساني للسودان: هل تدفع الأزمات الجديدة السودان إلى هامش الأولويات الدولية!؟

السفير د. معاوية التوم


منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، بكل جرائمها المتعاظمة ومترتباتها في الهجرة الداخلية واللجوء والدمار، ظل البلد يتصدر تقارير الأمم المتحدة بوصفه إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، بل إن بعض التقديرات الأممية ذهبت إلى اعتباره أكبر أزمة نزوح وجوع معاصرة. غير أن المفارقة المؤلمة تتمثل في أن ضخامة الاحتياجات الإنسانية لم تُترجم إلى استجابة تمويلية موازية، بل إن السودان يواجه اليوم أزمة مزدوجة: حرب داخلية مفروضة ومدمرة من جهة، وانكماشاً متزايداً في التمويل الإنساني العالمي من جهة أخرى. ومع اتساع رقعة التوترات الإقليمية والحروب الدولية، يبرز سؤال جوهري: هل تدفع الأزمات الجديدة السودان إلى هامش الأولويات الدولية؟

من أكبر الأزمات الإنسانية إلى واحدة من أكثرها نقصاً في التمويل
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عشرات الملايين من السودانيين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، فيما يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار مؤشرات خطر المجاعة في عدد من المناطق. ورغم هذا الحجم الهائل من الاحتياجات، فإن خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 لم تحصل بحلول أبريل إلا على نحو 20% من التمويل المطلوب، وهو معدل يعكس فجوة خطيرة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.
وتزداد الصورة قتامة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن السودان لا يواجه فقط أزمة داخل حدوده، بل يمتد تأثير الحرب إلى سبع دول مجاورة تستضيف ملايين اللاجئين السودانيين، ما دفع الأمم المتحدة وشركاءها إلى إطلاق نداء تمويلي بقيمة 1.6 مليار دولار لدعم اللاجئين السودانيين في الإقليم.

عالم يزدحم بالأزمات
في الظروف الطبيعية، كان من الممكن أن تحظى الكارثة السودانية باهتمام دولي أوسع. لكن العالم اليوم يعيش مرحلة غير مسبوقة من “تزاحم الأزمات”.
فالحرب في أوكرانيا ما زالت تستنزف الموارد السياسية والمالية للدول الغربية، بينما تستمر تداعيات الحرب في غزة وما يرتبط بها من احتياجات إنسانية هائلة. وإلى جانب ذلك، جاءت المواجهة الإقليمية الأخيرة في الشرق الأوسط وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية لتضيف ضغوطاً جديدة على ميزانيات المانحين والمنظمات الإنسانية. وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن استمرار الاضطرابات الإقليمية قد يدفع ملايين إضافيين نحو الجوع ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف العمليات الإنسانية عالمياً.
وفي الوقت نفسه، سجل التمويل الإنساني العالمي خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً، حيث انخفضت المساهمات الإنسانية والتنموية المرتبطة بالأمن الغذائي بصورة كبيرة، بينما تتزايد أعداد المحتاجين للمساعدة في مناطق متعددة من العالم.

لماذا يخسر السودان المنافسة على الاهتمام الدولي؟
لا يتعلق الأمر بحجم المعاناة الإنسانية وحده، بل بطبيعة البيئة السياسية والإعلامية المحيطة بالأزمة.
فالحرب السودانية، رغم ضخامتها، لا تمتلك الزخم الإعلامي الذي تحظى به أزمات أخرى ترتبط بصورة مباشرة بالمنافسات الجيوسياسية الكبرى أو بالمصالح الاقتصادية للدول المؤثرة. كما أن تعقيد المشهد السوداني وتعدد أطرافه وتداخل أبعاده المحلية والإقليمية يجعل تسويقه إعلامياً وسياسياً أكثر صعوبة مقارنة بصراعات أخرى ذات خطوط استقطاب واضحة.
وقد انعكس ذلك على حجم التغطية الإعلامية العالمية، وعلى مستوى الحشد الشعبي والسياسي للضغط باتجاه زيادة التمويل. وفي عالم باتت فيه المنافسة على الموارد الإنسانية شديدة، أصبحت القدرة على جذب الانتباه الدولي عاملاً مؤثراً في حجم التمويل المتاح، وليس حجم المأساة الإنسانية وحده.

الحرب الإقليمية: ضربة إضافية للعمل الإنساني في السودان
لا تقتصر آثار التوترات الإقليمية على تحويل الاهتمام السياسي والمالي بعيداً عن السودان، بل تمتد أيضاً إلى الجوانب التشغيلية للعمل الإنساني.
فمع اضطراب بعض خطوط الملاحة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن، تواجه المنظمات الإنسانية العاملة في السودان صعوبات إضافية في إيصال المساعدات. وقد أشارت جهات أممية إلى أن تطورات الصراع الإقليمي أثرت بالفعل على سلاسل الإمداد الخاصة بالمساعدات الإنسانية المتجهة إلى السودان، وأدت إلى ارتفاع التكاليف وإبطاء عمليات الشحن.
وهذا يعني أن كل دولار إنساني يُنفق اليوم يشتري مساعدات أقل مما كان يشتريه قبل سنوات، الأمر الذي يضاعف أثر فجوات التمويل القائمة أصلاً.

أزمة المانحين التقليديين
يواجه النظام الإنساني الدولي تحولاً هيكلياً يتمثل في تقليص عدد من الدول المانحة الكبرى لموازنات المساعدات الخارجية. وقد حذرت الأمم المتحدة منذ عام 2025 من أن التخفيضات التي أعلنتها بعض الحكومات المانحة تمثل ضربة قاسية للاستجابة الإنسانية في السودان، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات بصورة غير مسبوقة.
ولم تعد المشكلة مقتصرة على السودان وحده، بل أصبحت جزءاً من أزمة أوسع تواجه النظام الإنساني العالمي، حيث وصلت مساهمات التمويل الإنساني الدولية إلى أدنى مستوياتها خلال سنوات عديدة، الأمر الذي دفع وكالات الأمم المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص نطاق بعض برامجها حول العالم.

هل أصبح السودان ضحية “إرهاق المانحين”؟
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، بدأت تظهر مؤشرات ما يعرف في الأدبيات الإنسانية بـ”إرهاق المانحين”؛ وهي الحالة التي تتراجع فيها الاستجابة الدولية تدريجياً مع طول أمد الأزمة، حتى وإن استمرت الاحتياجات الإنسانية في التفاقم.
وتتجلى هذه الظاهرة في السودان من خلال الفجوة المتزايدة بين حجم الاحتياجات وحجم التمويل، ومن خلال اضطرار المنظمات الإنسانية إلى تقليص بعض الخدمات الأساسية أو إعادة ترتيب أولوياتها نحو التدخلات الأكثر إلحاحاً فقط.
ويبدو أن المجتمع الدولي يتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها أزمة مزمنة طويلة الأمد، لا حدثاً طارئاً يتطلب تعبئة استثنائية للموارد، وهو تحول بالغ الخطورة في ظل استمرار القتال واتساع رقعة النزوح واللجوء وانهيار الخدمات الأساسية.

ما الذي يمكن أن يغير المعادلة؟
رغم قتامة المشهد، فإن السودان لا يزال يمتلك بعض الفرص لتجنب الانزلاق إلى هامش الاهتمام الدولي، وفق التدابير أدناه.
أولاً، ربط الملف الإنساني السوداني بالأمن الإقليمي والدولي، فاستمرار الأزمة يهدد استقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل، ويزيد من موجات النزوح والهجرة غير النظامية.
ثانياً، توسيع قاعدة المانحين عبر استقطاب مساهمات أكبر من الاقتصادات الصاعدة والصناديق الإقليمية والقطاع الخاص والمؤسسات الخيرية الدولية.
ثالثاً، تعزيز الشفافية والحوكمة في إدارة المساعدات، بما يزيد ثقة المانحين ويشجع على استمرار التمويل.
رابعاً، الاستثمار في الإعلام الإنساني والدبلوماسية الإنسانية لتسليط الضوء على معاناة السودانيين في ظل المنافسة العالمية الشرسة على الاهتمام والموارد.

خاتمة
لم تعد أزمة السودان تواجه خطر التهميش بسبب الحرب الداخلية وحدها، بل بسبب التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي نفسه، وربما بدواعي تسييس العمل الإنساني بسبب الجغرافيا والجنس. فالعالم يدخل مرحلة تتكاثر فيها الصراعات بما يشمل النفوذ والمال وتتراجع فيها الموارد، بينما تتسع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، ويمارس التمييز والانتقائية بصورة بشعة.
وفي ظل الحروب الإقليمية الجديدة، وأزمات الطاقة والغذاء، وتراجع التمويل الدولي، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط استمرار المأساة السودانية، بل اعتياد العالم عليها. وعندما تتحول أكبر أزمة إنسانية في العالم إلى خبر عابر في أجندة دولية مزدحمة ومتداعية، فإن ملايين السودانيين يصبحون مهددين ليس بالحرب والجوع وحدهما، بل أيضاً بالنسيان!؟. دعك عن اعادة التاهيل والإعمار وكل مطلوبات الاستقرار.
—————
٩ يونيو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!