
في المقالين السابقين من هذه السلسلة تناولنا الخطة الاستراتيجية الخمسية لبنك السودان المركزي ٢٠٢٦–٢٠٣٠م، ثم توقفنا عند مستوى الجاهزية الرقمية للمصارف، وفي هذه الحلقة نتوقف عند الجانب التنفيذي، وكيف يمكن تحويل التحول الرقمي من توجه استراتيجي إلى عمل مستمر تقاس نتائجه ويتطور مع الزمن.
أرى أن بنك السودان قد وضع في خطته عددا من البرامج والمبادرات التي يمكن أن تشكل أساسا لإعادة بناء القطاع المصرفي والمالي على أسس سليمة وحديثة. ولكي تنتقل هذه المبادرات من مستوى التخطيط إلى التنفيذ، فإن البداية تحتاج إلى مراجعة وضع التقنية في المصارف والمؤسسات المالية، تشمل الأنظمة والبنية التحتية والبيانات والكوادر والخدمات الرقمية والأمن السيبراني، لتحديد مستوى الجاهزية والفجوات والاحتياجات الفعلية لكل مصرف، ومن ثم يحتاج كل مصرف إلى خارطة طريق رقمية تنسجم مع الخطة الخمسية لبنك السودان، واستثمار متدرج في الأنظمة والبيانات والكوادر والأمن السيبراني، حتى يتمكن العملاء من الحصول على خدمات مصرفية متكاملة وآمنة وسهلة، وتصبح جودة الخدمة وتنوعها عنصرا أساسيا في المنافسة بين المصارف. وحتى يتمكن البنك المركزي قياس مستوى التقدم ، يحتاج وضع مؤشر وطني للنضج الرقمي المصرفي يستند إلى معايير قابلة للقياس، تشمل البنية التقنية، وجودة البيانات، والخدمات المصرفية عبر الإنترنت والموبايل، والتكامل مع أنظمة الدفع والهوية الرقمية، والأمن السيبراني واستمرارية الأعمال، ويتيح هذا المؤشر معرفة مستوى كل مصرف، ومتابعة تطوره بصورة دورية، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تطوير.
ولضمان استمرار هذه العملية، يحتاج بنك السودان إلى تكوين آلية رشيقة للتحول الرقمي المصرفي، تتكون من ثلاثة إلى خمسة من أهل الخبرة وبعد النظر، تجمع بين المعرفة المصرفية والتقنية والبيانات والأمن السيبراني والمدفوعات والتقنية المالية، ولا يكون دور هذه الآلية تنفيذ المشاريع، وإنما متابعة خارطة الطريق، وقياس مستوى التقدم، وتقديم النصح والمشورة، ومساعدة المصارف في تجاوز العقبات، ومتابعة التطورات والتجارب الدولية، ورفع التوصيات إلى قيادة البنك، وتتكامل هذه الآلية مع إدارة الدفع الإلكتروني وإدارة التقنية في بنك السودان، للاستفادة من الخبرات القائمة وتنسيق الجهود ومتابعة تنفيذ المبادرات دون ازدواجية في الاختصاصات، كما تلتقي بصورة دورية مع المصارف وشركات التقنية والاتصالات، وهيئات التحول الرقمي في السودانة، لتبقى قريبة من واقع التنفيذ والتحديات التي تواجه القطاع.
وتحتاج هذه الآلية إلى صلاحية كافية للتواصل مع أصحاب القرار، من المحافظ ومديري المصارف، فالمطلوب ليس لجنة جديدة تضاف إلى الهيكل، وإنما عين تراقب، وعقل يقدم المشورة، وآلية تدفع القطاع إلى الأمام.
وبناءا على مستويات النضج الرقمي، يمكن وضع أهداف سنوية للمصارف، مع حوافز للمؤسسات التي تحقق تقدما في الأداء، وبرامج تصحيحية للمصارف المتأخرة، بعد توفير المتطلبات ومنح المهل المناسبة، وبهذا يتحول القياس من تصنيف إلى وسيلة عملية لتوجيه التطوير وتحسين الخدمات.
وتبقى دور شركات الاتصالات مهما لهذه المنظومة، باعتبارها البنية التي تحمل البيانات والخدمات الرقمية، ولذلك فإن التنسيق بينها وبين بنك السودان والمصارف ضروري لضمان استقرار الاتصال وجودة الخدمات، خاصة مع التوسع المتوقع في الخدمات المصرفية الرقمية.
والسودان، وهو يعيد بناء مؤسساته المصرفية بعد الحرب، يستطيع أن يجعل السنوات الخمس القادمة فرصة لإعادة تصميم العمل المصرفي على أسس حديثة، فالتحول الرقمي يمكن أن يسهم في خفض تكلفة الخدمة، وتوسيع الشمول المالي، وتحسين الرقابة، ودعم المدفوعات، واستعادة الثقة في القطاع المصرفي.
وفي تقديري يمكن تلخيص الأدوار في هذه المعادلة:
(بنك السودان يضع المعايير ويراقب ويحفز، المصارف تستثمر وتنفذ، شركات التقنية تطور، وشركات الاتصالات توفر البنية التي تحمل الخدمات) لخدمة المواطن.
إذا عملت هذه الأطراف ضمن رؤية واحدة، يمكن أن نشهد خلال السنوات القادمة نقلة ملموسة في الخدمات المصرفية الرقمية، وأن يتحول القطاع تدريجيا إلى منظومة متكاملة قادرة على خدمة الاقتصاد والمواطن،
والهدف في النهاية أن يصبح التحول الرقمي ممارسة مستمرة داخل القطاع المصرفي، تتطور مع التقنية واحتياجات الاقتصاد والمواطن ، وليس الوصول إلى عام ٢٠٣٠م فقط.
٣ سبتمبر ٢٠٢٦م



