الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

كردفان… حين تضيق أرض المليشيا وتتسع خريطة الدولة

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

ليست المسألة في كردفان أن الجيش السوداني استعاد مدينة هنا، أو قرية هناك، أو دفع بقوات الدعم السريع بضعة كيلومترات إلى الغرب. القراءة بهذه الطريقة تختزل مشهداً أكبر في تفاصيله. ما يجري منذ أسابيع يبدو أقرب إلى تغيير تدريجي في هندسة الميدان نفسه؛ أرض تتناقص تحت أقدام المليشيا، وأرض تتسع أمام الدولة، وبين المساحتين تتغير معادلة الحرب.

من بارا إلى جبرة الشيخ، ومن أم سيالة وأم قرفة وجريجخ والبركة إلى حمرة الوز، ثم كجمر وشرشار والبنية الكرينية والقليعات وأولاد حزمة ومقولدات وريشان والقاعة وغابة اللقد والكوكيتي والمنطقة حول المزروب، وصولاً إلى الجمامة ثم سودري؛ أخذت خريطة شمال كردفان تتغير تباعاً. كما امتد التقدم إلى الممسوكة، فيما تحدثت مصادر عسكرية عن استعادة الفرشاية على محور الطريق بين الأبيض والدلنج. وباستعادة سودري في الخامس والعشرين من سبتمبر، أصبحت المسألة أبعد من سلسلة مواقع منفصلة، لأن المدينة تمثل عقدة تربط شمال كردفان بدارفور غرباً، وبالولاية الشمالية شمالاً، وبالممرات الممتدة شرقاً نحو وسط البلاد.

وحين توضع هذه الأسماء متجاورة على الخريطة، تظهر دلالة ربما تكون أهم من كل اسم منفرداً. فالقراءة المتصلة لهذه العمليات تشير إلى أن الجيش لا يخوض معارك نقاط منفصلة، وإنما يتحرك على خطوط ومحاور، يفتح الطريق ثم يؤمّنه، ويوسع نطاق السيطرة ثم ينتقل إلى العقدة التالية. استعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة وجريجخ لم تكن مجرد عودة مدن ومناطق إلى سيطرة الدولة؛ فقد أسهمت في تأمين طريق الصادرات بين أم درمان والأبيض، ثم جاء التحرك غرب الأبيض وشمال غربها ليواصل دفع خط السيطرة إلى الأمام. وهنا تحديداً يمكن قراءة ما يجري باعتباره تقدير موقف قبل أن يكون اندفاع قوات.

فالجيش الذي خبر هذه الحرب منذ أبريل 2023م، ودفع ثمناً باهظاً في مراحلها الأولى، يبدو اليوم أكثر اهتماماً بتراكم النتائج وتثبيت المكاسب من الاكتفاء بأثر الانتصار الآني. هناك فرق بين جيش يتحرك ليسترد موقعاً، وجيش يتحرك ليغيّر البيئة العملياتية التي جعلت فقدان ذلك الموقع ممكناً في الأصل. وما تكشفه عمليات كردفان هو عمل على الطرق ومصادر الإمداد والعقد الحاكمة ومناطق التجمع، ثم ربط المواقع المستعادة بعضها ببعض، بحيث تصبح الجغرافيا نفسها جزءاً من الضغط العسكري.

وهذا لا يحدث بالمصادفة. فحركة القوات على أكثر من محور، وتتابع استعادة المواقع، وتأمين الطرق بعد فتحها، ثم الانتقال إلى مناطق أبعد، كلها مؤشرات على أن ما يجري يستند إلى تقدير موقف وخطة ورؤية للعمليات، حتى وإن بقيت تفاصيلها، كما ينبغي، خارج المجال العام. فالخطط العسكرية لا تُقرأ فقط مما يقال عنها، وإنما من النسق الذي تصنعه نتائجها على الأرض. ولهذا فإن أهم ما يتغير اليوم ربما ليس عدد المدن المستعادة، وإنما العلاقة بين اتساع الأرض والقدرة على تثبيت السيطرة عليها.

فكلما اتسعت الأرض التي تعود إلى سيطرة الجيش والقوات المشتركة والقوات المساندة والمستنفرين، ضاقت المساحة المتاحة للمليشيا للحركة والمناورة والإمداد وإعادة التجمع. والحرب في بلد واسع مثل السودان ليست صراعاً على المدن وحدها؛ إنها صراع على الطرق والفراغات والمسافات. من يملك الطريق يستطيع تحريك القوة، ومن يفقد العقدة تضيق أمامه الخيارات، ومن تتقطع خطوطه قد يظل موجوداً على الخريطة، لكنه يصبح أقل قدرة على تحويل وجوده إلى قوة عملياتية. كثرت الزعازع في بنية المليشيا، وبدأت الأوتاد عندها تتناقص.

وهذه، في تقديري، صورة مناسبة لما يحدث داخل معسكر الدعم السريع نفسه. فالتراجع الميداني عندما يتكرر لا يبقى حدثاً عسكرياً معزولاً؛ ينتقل أثره إلى الروح المعنوية، وإلى تماسك الوحدات، وإلى ثقة المقاتل بقيادته، ثم إلى الحاضنة التي كانت ترى في القوة العسكرية ضماناً لاستمرار النفوذ. وفي الخامس والعشرين من سبتمبر أُعلن أيضاً عن انشقاق قوة تابعة للدعم السريع بقيادة الطيب محمد الوحيدو وانضمامها إلى الجيش. واقعة واحدة لا تكفي لبناء حكم شامل، لكنها تكتسب دلالتها عندما تأتي وسط مسار من فقدان المواقع والتراجع الميداني. ومن هنا تظهر تشققات الجدار.

وما يصيب الجدار العسكري لا يمكن عزله تماماً عن سقف المشروع السياسي الذي أُقيم فوقه. فـ«تأسيس» حاولت تقديم نفسها باعتبارها مشروعاً سياسياً يمتلك سلطة وأرضاً وقوة عسكرية قادرة على حمايتهما. لذلك فإن انكماش الأرض الواقعة تحت سيطرة القوة العسكرية التي يقوم عليها هذا المشروع يطرح، موضوعياً، أسئلة متزايدة حول قدرة بنيته السياسية على الصمود.

فالمشروع الذي يستمد جزءاً من ادعائه السياسي من الجغرافيا التي يسيطر عليها، يخسر من رصيده السياسي كلما خسر من رصيده الجغرافي. وليست المسألة أن سقوط مدينة يُسقط مشروعاً سياسياً تلقائياً، ولكن المشاريع التي تبني جانباً مهماً من وزنها السياسي على السيطرة الميدانية تتأثر بالضرورة عندما تبدأ تلك السيطرة في الانحسار. ولهذا فإن ما يحدث في كردفان لا يضغط على خطوط المليشيا العسكرية وحدها، وإنما يضع ضغطاً موازياً على السقف السياسي الذي حاول أن يقوم فوقها. غير أن ما يحدث في كردفان لا يمكن تفسيره بالبندقية وحدها.

هناك شغل ميدان واضح في إدارة المحاور وتنسيق حركة القوات المسلحة والقوة المشتركة والقوات المساندة والمستنفرين. وهناك شغل استخبارات يظهر أثره في استهداف التجمعات، وملاحقة التحركات، واختيار اتجاهات التقدم، والاستيلاء على العتاد ومخازن السلاح. وقد أعلنت القوة المشتركة في السابع عشر من سبتمبر تدمير أكثر من 120 عربة قتالية والاستيلاء على 60 أخرى، وهي أرقام صادرة عنها وتبقى في إطار روايتها العسكرية. لكن هناك أيضاً شغل مجتمع لا يقل أهمية.

فالحرب لا تُحسم فقط عندما يدخل الجيش مدينة، وإنما عندما تصبح البيئة الاجتماعية نفسها أقل قابلية لعودة القوة التي خرجت منها. المستنفرون، والمقاومة الشعبية، والمجتمعات المحلية، وشبكات المعلومات والإسناد، كلها تتحول في مثل هذه الحروب إلى جزء من معادلة السيطرة والاستقرار. والجغرافيا التي لا تجد من يحرسها اجتماعياً تظل قابلة للاختراق مهما كان حجم القوة العسكرية الموجودة فيها. وهنا تكتمل أضلاع الصورة ما بين ” ميدان يقاتل، واستخبارات ترى، ومجتمع يسند”. وإذا اجتمعت هذه العناصر في اتجاه واحد، فإن أثرها لا يظهر في نتيجة معركة واحدة بقدر ما يظهر في القدرة على تحويل الانتصارات المتفرقة إلى مسار متصل، والمسار المتصل إلى واقع جديد على الأرض.

لهذا تبدو كردفان اليوم أكبر من جبهة قتال. إنها اختبار لما إذا كانت الدولة تستطيع تحويل الانتصار العسكري إلى اتجاه استراتيجي مستدام؛ تأمين الطرق، وتثبيت السيطرة، وإعادة الإدارة والخدمات، وحماية السكان، ومنع المليشيا من إعادة إنتاج نفسها في الفراغات التي تتركها القوات خلفها. فالسيطرة العسكرية تفتح الباب، لكن عودة الدولة هي التي تغلقه خلف المليشيا.

ومن بارا وجبرة الشيخ شرقاً، مروراً بسلسلة المواقع غرب الأبيض وشمال غربها، وصولاً إلى الجمامة وسودري، لا تكمن أهمية ما جرى في إضافة أسماء جديدة إلى بيانات الانتصارات، وإنما في الخط الذي يصل بينها وما يرسمه ذلك الخط على خريطة الحرب. إنه يرسم اتجاهاً تتناقص فيه أرض المليشيا، وتتزايد فيه أرض الجيش والدولة، وتتراجع فيه القدرة على المناورة كلما فُقد طريق أو عقدة أو مركز إمداد، وتزداد فيه الزعازع كلما قلّت الأوتاد.

وربما يكون السؤال الأهم بعد سودري ليس: ما المدينة التالية؟ السؤال الأبعد أثراً هو: هل وصلت حرب كردفان إلى اللحظة التي يتحول فيها فقدان المواقع من تراجعات متفرقة إلى انكماش استراتيجي يصعب وقفه؟ والإجابة حتمًا لن تكتبها البيانات وحدها، ولكن ستكتبها الخريطة.

اترك رد