
(٥/١)
تناولت السلسلة السابقة من آفاق رقمية ، كيف يعمل الذكاء الاصطناعي، ورافقنا رحلة السؤال منذ لحظة كتابته ، ووصوله إلى مراكز البيانات، ثم مروره بمراحل الفهم والتحليل، وانتهاءا بتوليد الكلمات والأفكار. وتقودنا تلك الرحلة إلى مرحلة أخرى لا تقل أهمية، وهي استشراف الاتجاه الذي يسير نحوه الذكاء الاصطناعي.
فالتغيرات التي يشهدها هذا المجال لم تعد تقتصر على تطوير النماذج – [جات جي بي تي أو جميني وغيرهما]- أو زيادة سرعتها، فقد بدأت تعيد تشكيل طريقة العمل، وإنتاج المعرفة، وإدارة المؤسسات، واتخاذ القرارات.
خلال السنوات الأولى من ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي انحصرت الاستفادة منها في تنفيذ مهام محددة، مثل البحث، والترجمة، وكتابة النصوص، وتحليل البيانات. ومع كل إصدار جديد، كانت تتسع دائرة القدرات، حتى أصبح الذكاء الاصطناعي يشارك الإنسان في التخطيط، وإقتراح البدائل، وتنظيم الأفكار، وإعداد التقارير، ومراجعة المستندات، والمشاركة في الحلول. ظهر هذا التحول في بيئات العمل المختلفة، فالطبيب يستعين به في قراءة الصور الطبية، والمهندس في مراجعة التصاميم، والمحامي في تحليل العقود، والباحث في تلخيص الدراسات، والمبرمج في تطوير الأكواد، ورجل الأعمال في دراسة الأسواق، مما ساعد في زيادة قدرات الإنسان، وتمكينه من إنجاز أعمال أكثر في زمن أقل.
وتتحدث الشركات التقنية اليوم عن مرحلة جديدة تعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي، ويعبر هذا المفهوم عن أنظمة تستطيع تنفيذ سلسلة مترابطة من الأعمال لإنجاز مشروع محدد، مع متابعة العمل خطوة بعد أخرى حتى الوصول إلى النتيجة المطلوبة، ويقترب هذا الدور من مفهوم المساعد التنفيذي الذي يعمل إلى جانب الإنسان، ويتولى كثيرا من الأعمال اليومية التي كانت تحتاج إلى متابعة مباشرة، وهذا يعني أن بيئات العمل خلال السنوات القليلة القادمة ستشهد تغيرا كبيرا. فلكل موظف أو مدير أو باحث أو طبيب مساعد رقمي ينجز الأعمال المتكررة، ويحلل البيانات، ويراجع المستندات، ويقترح البدائل، ويترك للإنسان مساحة أوسع للتفكير والإبداع واتخاذ القرار.
وتبدو السنوات القادمة مرشحة للانتقال من مرحلة استخدام الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة العمل معه، ويشكل هذا التحول بداية فصل جديد في تاريخ التقنية، قد يغير مفهوم الوظيفة، والإنتاج، والإدارة، وربما يعيد تعريف معنى العمل نفسه.
في الحلقة القادمة نتناول أحد أبرز ملامح هذا المستقبل، وهو وكلاء الذكاء الاصطناعي




