
في المقال السابق تناولنا الخطة الاستراتيجية الخمسية لبنك السودان المركزي ٢٠٢٦–٢٠٣٠م، وكيف وضعت التحول الرقمي في قلب رؤيتها. وننتقل اليوم إلى المصارف والمؤسسات المالية، باعتبارها الطرف الذي سيحول هذه التوجهات إلى خدمات يلمسها المواطن في حياته اليومية.
فالخطة كما ذكرنا تتحدث عن إعادة هيكلة المصارف، وإعادة الرسملة والدمج أو التصفية المنظمة، وفي الوقت نفسه تدعو إلى إعادة تصميم نماذج الأعمال المصرفية والمالية لتصبح أكثر تنوعا ومرونة واستجابة لمتطلبات التحول الرقمي والشمول المالي، وهذا يعني أن الرقمنة أصبحت جزءا من إعادة بناء نموذج المصرف نفسه.
وللاقتراب أكثر من واقع القطاع، أجريت دراسة بسيطة للحضور والجاهزية الرقمية للمصارف المدرجة في موقع بنك السودان المركزي، وعددها ٣٨ مصرفا، وشملت الدراسة المواقع الإلكترونية وما توفره من معلومات وخدمات، والخدمات المصرفية عبر الإنترنت، وتطبيقات الموبايل، وإمكانية الوصول إلى الخدمات وتنفيذها رقميا، ولم تشمل الدراسة الحالة المالية أو الأداء المصرفي، وإنما مستوى النضج الرقمي كما يظهر للعميل.
وأظهرت النتائج تفاوتا كبيرا في الجاهزية الرقمية للمصارف ، فقد جاءت عدد ٣ مصارف في المستوى الممتاز و ١١ مصرفا في المستوى الجيد، و٩ في المستوى المتوسط، و١٣ في المستوى الضعيف، بينما جاء مصرفان في مستوى أقل من ٣٠ نقطة من أصل ١٠٠ وفق المؤشر المستخدم في الدراسة.
وتكشف نتيجة الدراسة عن واقع يستحق التأمل؛ فالقطاع المصرفي السوداني يمتلك تجارب رقمية جيدة يمكن البناء عليها، وفي الوقت نفسه توجد فجوة كبيرة بين مستويات الجاهزية تحتاج إلى معالجة خلال السنوات القادمة. وهذا أمر مفهوم في ظل الظروف التي مر بها القطاع، لكنه يجعل تطوير القدرات الرقمية أحد أهم متطلبات نجاح الخطة الاستراتيجية.
كما أن وجود موقع إلكتروني أو تطبيق للموبايل لا يعني بالضرورة اكتمال التحول الرقمي، فالمعيار الحقيقي هو قدرة العميل في الحصول على الخدمة وتنفيذ معاملته بصورة متكاملة وآمنة، مع تكامل الأنظمة والبيانات والهوية والمدفوعات والأمن السيبراني.
والتحدي أمام المصارف كبير، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تضررت البنية التحتية والأنظمة والبيانات والكوادر. لذلك لا أرى أن المطلوب هو انتقال جميع المصارف إلى المستوى نفسه وفي الوقت نفسه، وإنما أن تضع كل مؤسسة خارطة طريق واقعية تبدأ من معالجة الأساسيات: جودة البيانات، وتحديث الأنظمة، والبنية التحتية، والأمن السيبراني، وتأهيل الكوادر، وتحسين تجربة العميل، ثم الانتقال تدريجيا إلى الخدمات الرقمية المتقدمة.
والسنوات الخمس التي تغطيها الخطة تمنح القطاع فرصة مهمة لإعادة بناء نموذج العمل المصرفي على أسس جديدة، ويمكن أن تكون مرحلة التعافي فرصة لإعادة تصميم العمليات والخدمات، بدلا من إعادة إنتاج النموذج التقليدي بالصورة نفسها.
إذا أحسن استثمار هذه الفرصة، يمكن أن يصبح المصرف السوداني مهيئا على تقديم خدماته عن بعد، والوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع، وخفض تكلفة التشغيل، وتحسين إدارة المخاطر، والاستفادة من البيانات في اتخاذ القرار، والتعاون مع شركات التقنية المالية في تطوير منتجات جديدة، وعندها تصبح جاهزية المصارف الرقمية جزءا من نجاح الخطة الاستراتيجية لبنك السودان، فالتحول لا يكتمل بمجرد تحديث أنظمة البنك المركزي، ولكن عندما تتحول المصارف إلى مؤسسات مرنة ولديها القدرة على تقديم خدمات مالية رقمية آمنة ومتكاملة.
في المقال الثالث والأخير من هذه السلسلة ننتقل إلى العنصر الذي يمكن أن يغير طريقة عمل البنك المركزي والمصارف معا.



