
(٥/١)
بعد أن تناولنا في السلسلة السابقة من “آفاق رقمية” الخطة الاستراتيجية لبنك السودان المركزي للفترة ٢٠٢٦–٢٠٣٠م، أنتقل هذه المرة إلى الولاية الشمالية، للوقوف على جملة من الجهود الجارية في مسار التحول الرقمي، وما يمكن أن تضيفه التقنية إلى حياة المواطن، وإلى العمل الحكومي، وإلى القطاعات الإنتاجية بشكل عام.
الدافع وراء الكتابة عن الشمالية هو ما لاحظته من اهتمام السيد الوالي وحكومته بهذا الملف، إضافة إلى مبادرات وجهود تبذلها الوزارات والمؤسسات والكوادر الفنية في هذا الشأن، وهي جهود جديرة بأن تسلط عليها الأضواء، مع الأمل في أن تستمر وتتوسع خلال المرحلة المقبلة.
فالتحول الرقمي، في جوهره، مشروع متكامل الأركان، ينطلق من البنية التحتية والبيانات والأنظمة، ثم يمتد ليشمل طريقة إدارة المؤسسات وأسلوب تقديم الخدمات. وعندما تدخل الرقمنة في صميم دورة العمل الحكومي، فإنها تسهم في ضبط الإجراءات وتوثيقها، وتنظيم البيانات، ومتابعة المعاملات، وربط الإنجاز بالمسؤولية.
ولهذا الجانب أهمية خاصة في العمل الحكومي، لا سيما في المجالين المالي والإداري، إذ يمكن للرقمنة أن تساهم في تنظيم دورة المستندات، ومتابعة الإيرادات والمصروفات، وإدارة المشتريات والمخازن والأصول، وربط الوحدات الحكومية ببعضها، وتوفير المعلومة في وقتها لمتخذ القرار.
غير أن هذه النتائج لا تتحقق بلمسة سحرية أو بمجرد إدخال نظام إلكتروني واحد، فهي تستلزم تخطيطا محكما، وإجراءات واضحة ودقيقة، وتنفيذا يتسم بالاحترافية، وبيانات منظمة، وتكاملا بين الأنظمة والأدوار والمسؤوليات، ونجاح أي مشروع رقمي مرهون بالعمل المؤسسي الذي يسنده من خلف الستار التقني.
في هذه السلسلة من آفاق رقمية سأتوقف عند عدد من المحاور التي أراها جديرة بالمتابعة في الولاية الشمالية، وهي: الخدمات الحكومية، والبنية الرقمية، وبوابة الولاية الإلكترونية، والزراعة، والاستثمار والسياحة، وتسويق المحاصيل، والتعدين وتنظيمه، إضافة إلى بعض التجارب الرقمية داخل الوزارات والمؤسسات المختلفة.
وتهدف هذه المقالات إلى إبراز ما ينجز من عمل، وتشجيع المبادرات القائمة، والدعوة إلى مواصلة البناء عليها، بحيث تتحول الجهود المتفرقة إلى منظومة مترابطة تخدم المواطن، وتسند إدارة الولاية واقتصادها، وكذلك الوقوف عند التحديات ومعالجتها.
كما أن تجربة الشمالية تستحق أن توثق، لتستفيد منها ولايات أخرى في مرحلة إعادة بناء الدولة السودانية، وهنا يبرز دور وزارة التحول الرقمي والاتصالات وهيئاتها الثلاث، التي بذلت جهودا مشهودة على المستوى الاتحادي تصب في خدمة هذه التجارب وتسندها، ومن أبرزها تطوير منصة “بلدنا” لتقديم الخدمات الحكومية إلكترونيا، إلى جانب تطبيقات التوثيق الرقمي ممثلة في “سوداباس”، وتمثل هذه المنصات والتطبيقات بنية تحتية اتحادية يمكن أن تبنى عليها التجارب الولائية، وتستثمر في دعم كافة الولايات، وتبادل الخبرات، ووضع الأطر التي تيسر انتقال التجارب الناجحة بين الولايات.
في الحلقات القادمة، نقترب أكثر، من المواطن والخدمات الحكومية، مرورا بالبنية الرقمية وبوابة الولاية، وصولا إلى الزراعة والتعدين والاستثمار، لنختم بما يمكن أن تقدمه تجربة الولاية الشمالية للسودان في مرحلة ما بعد الحرب.
١٥ سبتمبر ٢٠٢٦م



