
kameir@yahoo.com
القاهرة، 14 سبتمبر 2026
قرأت باهتمام كبير مقال الدكتورة ناهد محمد الحسن، “حين يقف الجميع أمام المرآة: المثقف والبندقية وأخلاق الحوار في زمن الحرب”. وأحسب أن أهمية المقال لا تنبع من كونه تعليقاً على مقالات النور حمد، أو على تعقيبي عليه، أو على ما كتبه حيدر بدوي وخالد كودي ومنى أبو زيد، وإنما من أنه يضعنا جميعاً أمام سؤال أوسع: ماذا تفعل الحرب باللغة، وبالمثقف، وبأخلاق الحوار، وبقدرتنا على مساءلة أنفسنا قبل مساءلة الآخرين؟
وقد منحني مقال ناهد، وسؤالها الذكي حول تجربتي مع الحركة الشعبية، فرصة للعودة إلى جانب مهم من تجربتي السياسية والفكرية، كنت قد وثّقت بعض ملامحه من قبل في كتابي “رحلتي مع منصور خالد:. ولا أعود إلى هذه التجربة هنا من باب الدفاع عنها أو الاحتماء بها، بل من باب مساءلتها: ماذا يتعلم المثقف حين يقترب من حركة تحمل السلاح؟ وما حدود تأثير الفكرة في البندقية؟ ومتى تتحول التجربة إلى مراجعة لا إلى حصانة؟
وقد أعجبني في مقاربة ناهد أنها لم تكتفِ بتصنيف الناس داخل خريطة الحرب، بل حاولت أن تستمع إلى أفضل ما في حجة كل طرف قبل مساءلتها. فهي أنصفت النور في تشخيصه العميق لأزمة الدولة السودانية، ولم تختزله في موقعه الراهن، لكنها في الوقت نفسه لم تعفه من السؤال الصعب: متى تتحول الحاجة إلى ميزان قوة إلى منح شرعية سياسية مفتوحة لقوة مسلحة؟ ومن يستخدم من؟ وإلى متى؟
لكن في الجزء الذي خصّتني به، طرحت ناهد سؤالاً لا أريد تجاوزه أو الالتفاف عليه. فهي لم تسألني، لحسن تقديرها: لماذا تحاكم النور وقد فعلت الشيء نفسه؟ بل قالت إن هذا السؤال يختزل تجربتين مختلفتين، ويستخدم الماضي لإسكات صاحبه بدلاً من التعلم منه. وبدلاً من ذلك سألتني: ماذا تعلمت من تجربتك إلى جوار بندقية الحركة الشعبية؟ وما الذي يستطيع المثقف أن يفعله داخل حركة مسلحة، وما الذي يكتشف لاحقاً أنه كان عاجزاً عن فعله؟ وهل المرآة التي أضعها اليوم أمام النور هي حصيلة مراجعة لتجربتي أنا، أم أنها لا تزال تحتفظ بصورتي خارج إطارها؟
هذا سؤال عادل ومشروع، بل أراه من أهم أسئلة المقال. ولا أريد أن أجيب عليه دفاعياً، أو أن أضع تجربتي خارج المساءلة. لهذا أتعامل مع سؤال ناهد لا بوصفه إحراجاً شخصياً، بل بوصفه مدخلاً ضرورياً لمراجعة تجربة لا يجوز أن تبقى خارج السؤال. فقد علّمتني تجربتي مع الحركة الشعبية أن القرب من حركة تحمل السلاح، مهما كان نبل الرؤية التي ترفعها، لا يمنح المثقف حصانة أخلاقية أو سياسية، بل يضاعف مسؤوليته عن السؤال: أين تنتهي الفكرة وأين يبدأ منطق البندقية؟
كانت تجربتي مع الحركة الشعبية، ومع الدكتور جون قرنق، تجربة فكرية وسياسية عميقة ومؤثرة في تكويني. لم تكن علاقتي بالحركة علاقة عسكرية، ولم أكن جزءاً من آلة الحرب، بل كنت قريباً من الرؤية السياسية والفكرية لمشروع السودان الجديد، ومن محاولة تحويل حركة مسلحة إلى مشروع وطني عابر للجهات والهويات الضيقة. لكن هذا لا يلغي أن الحركة كانت أيضاً حركة مسلحة، وأن القرب من أي حركة تحمل السلاح يضع المثقف، عاجلاً أو آجلاً، أمام سؤال صعب: هل يستطيع أن يؤثر في البندقية، أم أن البندقية هي التي تضع حدود تأثيره؟
في حالتي، لم تكن البندقية هي التي جذبتني إلى الحركة الشعبية، بل النافذة الفكرية والسياسية التي فتحها الدكتور جون قرنق برؤية السودان الجديد. ولولا تلك الرؤية، بوصفها مشروعاً لإعادة بناء السودان على أساس المواطنة والعدالة والتعدد والوحدة الطوعية، لما انضممت أصلاً إلى الحركة الشعبية.
وهنا يبرز فارق مهم لا أطرحه لتبرئة تجربة الحركة الشعبية أو إعفائها من المساءلة، وإنما لفهم اختلاف السياقين. فالحركة الشعبية، منذ نشأتها، قدّمت نفسها بوصفها حركة تحرير تحمل مشروعاً سياسياً وفكرياً معلناً لإعادة بناء السودان، حتى وإن ظلت ممارستها محكومة بتناقضات الحركة المسلحة، وبكلفة الحرب، وبمآلات انتهت إلى الانفصال. أما الدعم السريع فقد نشأ، في الأصل، قوةً مسلحة في قلب الدولة، وارتبط بحسابات السلطة والحرب والاقتصاد السياسي للعنف، ولم يظهر خطابه عن إعادة تأسيس الدولة أو التهميش أو المشروع السياسي إلا لاحقاً، وبصورة أوضح بعد اندلاع الحرب. وهذا فارق لا يمكن تجاهله عند المقارنة بين التجربتين.
ففي الحالة الأولى، كانت الفكرة سابقة على علاقتي بالبندقية، وكانت هي سبب الاقتراب منها. أما في الحالة الثانية، فيبدو أن البندقية سبقت الفكرة، ثم جاءت الفكرة لاحقاً لتبحث عن معنى سياسي للبندقية. وهذا لا يحسم وحده الحكم على أي تجربة، لكنه يفرض سؤالاً مختلفاً تماماً: هل نحن أمام قوة سياسية حملت السلاح باسم مشروع معلن، أم أمام قوة مسلحة تسعى، بعد تمددها في الحرب، إلى اكتساب مشروع سياسي يضفي عليها معنى وشرعية؟
وقد أتاحت رؤية السودان الجديد، بالفعل، مساحة ولو محدودة للتفاكر والحوار حول معنى السودان الجديد، وحول العلاقة بين النضال المسلح والمشروع السياسي الأرحب. كانت هناك إمكانية لأن لا تُختزل الحركة في بندقيتها، وأن تُقرأ بوصفها حاملاً محتملاً لمشروع وطني يتجاوز منطق الحرب. لكن التجربة علّمتني أيضاً أن وجود الرؤية لا يكفي، وأن المساحة الفكرية، مهما كانت مهمة، تظل هشة إذا لم تتحول إلى مؤسسات وبرامج وسياسات وآليات مساءلة قادرة على ضبط السلاح وتوجيهه، لا أن تترك للسلاح أن يعيد تعريف الرؤية وحدودها.
ومن هنا تعلمت أن الرؤية العظيمة لا تكفي وحدها. فقد كانت رؤية السودان الجديد، كما طرحها جون قرنق، من أهم المحاولات الفكرية والسياسية لإعادة بناء السودان على أساس المواطنة والعدالة والتعدد. لكن بعد اتفاقية السلام الشامل، وبعد رحيل قرنق تحديداً، بدأت أرى بوضوح أن الحركة نفسها لم تعد قادرة، أو لم تعد راغبة بالقدر الكافي، في حمل هذه الرؤية إلى نهاياتها الوحدوية والديمقراطية. ولذلك لم أصمت.
كتبت بعد اتفاقية السلام الشامل سلسلة من المقالات ناقداً فيها أداء الحركة الشعبية، ونذر التوجه الانفصالي داخلها، وضعف موقع قطاع الشمال، وفشل الحركة في تحويل مشروع السودان الجديد إلى برامج وسياسات ومؤسسات. ووصفت مؤتمر الحركة العام الثاني في مايو 2008 بأنه “مؤتمر الفرصة المهدرة”، لأنه لم يفتح الحوار الجاد حول مستقبل الحركة، ولا حول العلاقة بين حق تقرير المصير ومشروع السودان الجديد، ولا حول انتقالها من حركة مسلحة إلى حزب سياسي ديمقراطي قادر على قيادة تحول وطني واسع. (انظر، مثلاً، مقالي “الشماليون بالحركة الشعبية: تحويل الخصوم إلى أصول!!”، ومقالات أخرى منشورة في منبر الرأي وصحيفة الصحافة، والمعاد نشرها في أرشيف سودانايل sudanile.com).
ثم جاءت مرحلة ما بعد انفصال الجنوب وفك الارتباط بين قطاعي الشمال والجنوب في الحركة الشعبية. في تلك المرحلة شاركت في تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ شمال، وترأست لجنة الرؤية والبرنامج. وقد افتتحت أول اجتماع للجنة بخطاب دعوت فيه إلى صياغة برنامج “ملهم ومقنع”، لا مجرد شعارات، وإلى تأسيس تنظيم سياسي ديمقراطي جماهيري في ظرف تاريخي جديد بعد الانفصال. وتم نشر الخطاب في عدد من الصحف السودانية والمنصات الإلكترونية.
كانت الفكرة الأساسية التي طرحتها في ذلك الخطاب أن الحركة في الشمال لا تستطيع أن تعيش على الذاكرة وحدها، ولا على الاسم وحده، ولا على الرصيد الرمزي للسودان الجديد وحده. كان عليها أن تجيب عن سؤال طبيعتها وهويتها: هل هي حزب سياسي أو حركة سياسية تمارس نشاطها وفق ترتيبات دستورية تقوم على التعددية، أم أنها لا تزال حركة تحرير بالمعنى العسكري القديم؟ وكان جوهر ما دفعنا إليه في لجنة الرؤية والبرنامج هو ضرورة تحول الحركة إلى تنظيم سياسي مفتوح ومنفتح، لا مجرد استمرار لحركة مسلحة بواجهة سياسية.
ولذلك دعوت إلى مراجعة نقدية لرؤية السودان الجديد في سياق ما بعد الانفصال، لا للتخلي عنها، بل لتحريرها من الالتباس بين الرؤية والحامل التنظيمي. فقد قلت، وما زلت أعتقد، إن عدم الانتماء إلى الحركة الشعبية لا يتناقض مع الإيمان برؤية السودان الجديد، كما أن الانتماء إلى الحركة لا يعني بالضرورة الإيمان الحقيقي بها. فالإخفاق في التمييز بين الرؤية كإطار مفهومي، والحركة كتنظيم سياسي وعسكري حمل هذه الرؤية في لحظة تاريخية محددة، كان أحد أسباب الإرباك الكبير في التجربة.
وقد كان لافتاً أن ذلك الخطاب وجد صدى واسعاً، حتى عند بعض من يختلفون معي سياسياً. فقد كتب القيادي الإسلامي المحبوب عبد السلام مداخلة مطولة بعنوان “الأرض ذات المانجو والنخيل”، قال فيها إن الكلمة حملت إليه “طمأنينة خاصة”، لأنها لم تكتفِ بالدفاع عن حق الحركة الشعبية في الشمال في الوجود، بل نقلت النقاش إلى سؤال أعمق: كيف تتحول الحركة، بعد انفصال الجنوب، إلى قوة سياسية قادرة على الإسهام في إعادة بناء السودان، وعلى مراجعة تجربتها بشجاعة؟ وقد رأى المحبوب، للمفارقة المهمة، أن قوة تلك المداخلة جاءت من “الشهادة الصادقة على النفس”، أي من نقد التجربة من داخلها، لا من تبريرها أو إخفاء أخطائها.
هذه النقطة مهمة عندي اليوم في الرد على سؤال ناهد. فقد كان ممكناً أن أتعامل مع تجربتي في الحركة الشعبية كرصيد أخلاقي مغلق، أو كحكاية بطولة شخصية، أو كحصانة من المساءلة. لكنني لم أفعل ذلك. حاولت، قدر استطاعتي، أن أقرأ التجربة من داخلها، وأن أقول إن الحركة التي حملت مشروع السودان الجديد أخفقت في لحظة حاسمة في تحويل ذلك المشروع إلى برنامج ومؤسسات وسياسات، وأنها أهدرت فرصاً تاريخية، وأنها لم تفتح الحوار الداخلي الجاد حول التوفيق بين حق تقرير المصير ومشروع السودان الجديد، ولا حول مستقبل الشماليين داخلها، ولا حول تحولها إلى تنظيم سياسي ديمقراطي واسع.
ولم يكن ذلك مجرد نقد نظري. فقد انتهت لجنة الرؤية والبرنامج إلى مسودة مانيفستو تؤكد ضرورة هذا التحول السياسي والمؤسسي. غير أن قيادة الحركة الثلاثية حينذاك لم تتبنَّ تلك المسودة، ولم يتحول الجهد إلى مراجعة سياسية وتنظيمية حقيقية. ثم مضت الحركة لاحقاً في مسار انتهى إلى انقسامها إلى أكثر من فصيل.
وكانت تلك، في الحقيقة، نهاية تجربتي الفعلية مع الحركة الشعبية، وبداية تحول قناعاتي بصورة أوضح نحو أولوية الحوار، والتسوية السياسية السلمية الشاملة، وبناء التوافق الوطني الواسع، بدلاً من الرهان على أن تحمل حركة مسلحة، مهما كانت شعاراتها، مشروع التحول الوطني وحدها.
ولهذا، حين كتبت في مطلع 2013 مقالي “الكرة في ملعب الرئيس: تفكك الدولة السودانية: السيناريو الأكثر ترجيحاً”، لم أكن أبحث عن بندقية جديدة أو عن حسم عسكري جديد. كنت أحذر من أن استمرار الوضع القائم، والحروب المتجددة، وانسداد الأفق السياسي، سيقود إلى تفكك الدولة السودانية. وكان جوهر ما طرحته أن الطريق الأقل كلفة هو تسوية سياسية شاملة وتحول ديمقراطي سلمي بمشاركة كل القوى السياسية، دون إقصاء أو استثناء، على مشروع وطني جديد يحافظ على ما تبقى من السودان ويعيد بناء شرعيته.
بمعنى آخر، تجربتي مع الحركة الشعبية لم تنتهِ إلى القول إن البندقية هي الطريق، بل إلى العكس تقريباً: أن البندقية، إذا لم تُضبط برؤية سياسية ديمقراطية ومؤسسات ومساءلة وآلية خروج، قد تبتلع الفكرة التي جاءت باسمها.
ومن هنا جاء اقتناعي المتزايد بأن السودان لا يخرج من أزمته بحسم عسكري، ولا بانتصار بندقية على أخرى، بل بتسوية سياسية سلمية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتعيد بناء الدولة على أساس المواطنة، وتحصر السلاح في جيش وطني واحد.
الفارق الذي أراه، إذن، لا يقوم على تبرئة تجربتي وإدانة تجربة النور، ولا على الادعاء بأن الحركة الشعبية كانت بلا أخطاء أو أن الدعم السريع وحده موضع السؤال. الفارق عندي أنني تعاملت مع تجربتي نفسها كمجال للمراجعة، لا كحجة لإسكات الآخرين. وقد انتقدت الحركة التي اقتربت منها، وكتبت عن فرصها المهدرة، وعن عجزها عن التحول إلى حركة سياسية ديمقراطية واسعة، وعن خطر انفصال مشروع السودان الجديد عن حامله التنظيمي.
ومن هنا، لا أقول للنور: لا تقترب من قوة مسلحة لأنني لم أفعل ذلك من قبل. بل أقول له، من داخل تجربة أعرف تعقيدها: القرب من البندقية لا يعفي المثقف من السؤال، بل يجعله أكثر عرضة له. وكلما اقترب المثقف من مركز القوة المسلحة، زادت مسؤوليته عن توضيح حدود هذا القرب، وعن مساءلة القوة التي يستند إليها، وعن رفض أن يتحول اسمه وفكره ورأسماله الأخلاقي إلى غطاء سياسي لسلاح لا يخضع للمساءلة.
وقد يكون من حق النور، أو غيره، أن يقول إن الدولة السودانية القديمة، ومؤسستها العسكرية، وتحالفاتها الأيديولوجية والاجتماعية، وصلت إلى درجة من الانغلاق والعنف تجعل تفكيكها ضرورة لا ترفاً. هذا سؤال مشروع. لكن السؤال الموازي، والذي لا يقل مشروعية، هو: هل القوة المسلحة التي نستند إليها في هذا التفكيك تحمل مشروعاً ديمقراطياً قابلاً للمساءلة؟ ومن يملك قرارها؟ ومن يحاسبها؟ وما حدود وظيفتها السياسية؟ ومتى تنتهي؟ وهل يستطيع المثقف، حين يدخل في تحالف سياسي يستند إلى هذه القوة، أن يحتفظ بمسافة نقدية حقيقية منها، أم أن اسمه يصبح جزءاً من رأس مالها الرمزي؟
وهنا تبرز مسألة أخرى لا أطرحها بوصفها اتهاماً، بل كسؤال لازم لفهم حدود الموقع النقدي للمثقف: أين تقف المسافة النقدية بين النور والدعم السريع أو “تأسيس”؟ فليس مطلوباً من المثقف أن يكرر نقد خصومه، ولا أن يوازن كل جملة بجملة مضادة، لكن من حقنا أن نسأل: هل كل شيء في هذا المعسكر يسير على ما يرام؟ هل المشروع السياسي المعلن واضح بما يكفي؟ هل العلاقة بين المدني والعسكري داخله مضبوطة؟ هل توجد آليات مساءلة حقيقية عن الانتهاكات؟ وهل يستطيع المثقف القريب من هذا الموقع أن ينتقد القوة التي يستند إليها بنفس الحدة التي ينتقد بها خصومها؟
فإذا غاب هذا النقد، أو تأجل دائماً بحجة أن الأولوية هي لهزيمة الخصم الأخطر، فإن المسافة بين المثقف والبندقية تضيق أكثر مما ينبغي. وعندها لا تعود المشكلة في موقف سياسي مختلف فحسب، بل في خطر أن يصبح المثقف جزءاً من جهاز الشرعية الرمزية لقوة مسلحة، بينما يظل يظن أنه يحتفظ باستقلاله النقدي عنها.
هذه الأسئلة لا أطرحها على النور من خارج التاريخ، ولا من موقع براءة كاملة. أطرحها من موقع من عرف جاذبية المشروع الكبير حين تحمله حركة مسلحة، وعرف أيضاً حدود تلك الجاذبية حين تصطدم بالبنية العسكرية وموازين القوة ومصالح التنظيم. ولذلك فإن السؤال الذي طرحته ناهد يعيدني إلى تجربتي بقدر ما يفتح باب مساءلة تجربة النور.
وربما هذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به: أن المثقف لا يخرج نقياً تماماً من تجارب السياسة والحرب، لكنه يستطيع، إن أراد، أن يحوّل تجربته إلى مراجعة لا إلى حصانة، وإلى سؤال مفتوح لا إلى صك براءة. وأن القيمة الحقيقية ليست في أن يقول الإنسان إنه لم يخطئ أو لم يقترب من البندقية، بل في أن يسأل، بعد التجربة: ماذا فعلت بي هذه البندقية؟ ماذا فعلت بالفكرة التي آمنت بها؟ ومتى كان عليّ أن أتكلم؟ ومتى كان عليّ أن أغادر؟
من هذا الموقع أفهم سؤال ناهد وأقدّره. فهو لا يسألني لكي يسكتني، بل لكي يجعل المساءلة أكثر عدلاً، والمرآة أوسع من أن تُرفع في وجه طرف واحد. وهذه، في تقديري، هي القيمة الحقيقية لمقالها: أنه لا يكتفي بتصنيف الناس داخل خريطة الحرب، بل يحاول أن يعيد الاعتبار لأخلاق الحوار، ولحق الاختلاف، ولضرورة مساءلة الذات قبل مساءلة الخصم.
في زمن أصبحت فيه الكلمات متاريس، والمفاهيم ذخيرة، والاختلاف شبهة،
نحتاج إلى هذا النوع من الكتابة الهادئة التي لا تلغي الخلاف، لكنها تمنعه من التحول إلى إلغاء متبادل. لذلك أقرأ مقال ناهد لا بوصفه محاكمة لأحد، بل كدعوة لنا جميعاً لأن نقف أمام أسئلتنا وتجاربنا، لا أمام خصومنا وحدهم.
وأنا أقبل هذا السؤال، لأنني أؤمن أن نقد النور، أو أي مثقف آخر، لا يكون أخلاقياً ومقنعاً إلا إذا كان مستعداً لأن يمر عبر نقد الذات أيضاً.




