ثُمر المداد / د. أحمد عبدالباقي

اللامبالاة داء يَفُتُّ فِي عَضُدِ المجتمع السوداني

د/ احمد عبدالباقي

اللامبالاة هي حالة وجدانية سلوكية، تعني: أن يتصرف المرء بلا اهتمام في شؤون حياته أو ألا يتخذ موقفا إيجابيا حيال الأحداث العامة مثل الأوضاع السياسية أو الاجتماعية أو الحوادث العِظام الخ…. التي يتأثر بها الوطن أو المجتمع ككل، حتي وإن كان هذا في غير صالح الفرد أو المجتمع، مع عدم توفر الإرادة على الفعل وعدم القدرة على الاهتمام بشأن النتائج التي تنجم عن تلك الأوضاع العامة ، قد يكون هذا التصرف جراء عدم قدرة المرء على حل المشكلات التي تواجهه بسبب تلك الأوضاع أو ضعفه أمام التحديات الماثلة، إضافة إلى استخفافه بمشاعر الآخرين أو باهتماماتهم كالطموحات والامال والهوايات الفردية أو المشاعر العاطفية المختلفة كالحب والكراهية والخصام والحسد وغيرها، اللامبالي لا يكترث ولا فرق عنده بين كل تلك المشاعر وان لم يبد هذا الامر صراحة امام الاخرين، و أما أسبابها فتتعدد من عضوي إلى نفسي وإن كان يغلب عليها الطابع الوجداني حينما لا يأبه الشخص بما يجري حوله سواء أكان علي المستوي الشخصي (اللامبالة الفردية) أو المستوي الجماعي (اللامبالة الجماعية).

أول من استخدم مصطلح اللامبالاة (psychological condition of indifference or apathy) هم الرواقيون(Stoicism) ، وهي مدرسة فلسفية أنشأها زينون القبرصي
( Zeno of Citium)
و علي الرغم من الإختلاف مع رؤي هذه المدرسة إلا أنها تُشدد علي ضرورة تحمل المسؤولية الاجتماعية بالإهتمام بالآخرين كأهتمام الإنسان بذاته ومعاملتهم كمعاملة الإنسان ذاته. وهي دخلت الفكر الدينى في النصارنية على يد كلمنس الكسندروس Clemens Alexandrinu الذي اعتمد المصطلح للتعبير عن الزهد في شواغل الدنيا، كذلك أصبح المصطلح أكثر شهرة بعد الحرب العالمية الأولى بسبب ما يسمى بـ “صدمة القذيفة” أو (shell shock) حيث كان يعيش الجنود أثناء العمليات الحربية في الخنادق وسط القصف ونيران الرشاشات و ثمت ملاحظة تم تسجيلها وهي الشعور باللامبالاة وفقدان الحس بالتفاعل الاجتماعي وسط الذين شهدوا ميادين المعارك تجاه رفاقهم القتلى والمشوهين ممن كانوا معهم.

تنقسم اللامبلاة إلي فردية وجماعية و لا نتطرق هنا الى اللامبالاة الفرديه، لا لأنها ليست مهمة ، ولا من باب المعارضة او التأييد بل من باب الإيمان بالحرية الفردية واعتبارها خصوصية من خصوصيات الفرد، فمن اختار ان يكون لامبالياً في شؤونه الخاصة فهذا شأنه، ولِيستخلص العبر لوحده. أما اللامبالاة الجماعية فهي محط حديثنا هنا لخطورتها علي المجتمع، و هي تعني عدم أكتراث الأفراد بما يجري خارج اطار البيت كالحي أو البلدة او المدينة أو الدوله أو عدم الاهتمام بالشأن العام الذي يتأثر به المجتمع قاطبة، فقد نكون أكثر الناس اهتماما بانفسنا وعملنا وتحصيلنا وجمال منظرنا ونظافة ساحتنا وقد نتفانى بتوفير كل وسائل الراحة لأهل بيتنا، لكننا نختار ان نكون غير مبالين بالنظافة العامة للبلد كما هو حال تكدس القمامة في الأحياء بالسودان خاصة العاصمة، أو غير آبهين بمستوى التعليم المتدهور كما هو في حال السكوت علي اغلاق المدارس والجامعات و عدم الاهتمام بمستقبل الأجيال، أو عدم الاكتراث للأخطار المحدقة بنا مثل انتشار الجريمة او الاحتجاج علي الروائح الكريهة المنبعثه من المزابل والنفايات وحظائر المواشي أو رفض الفوضى العارمة في حركة السير في الشوارع وعدم احترام القوانين المنظمة لذلك، أو ممارسة المحسوبية والواسطة في الحصول علي الوظائف أو قضاء الحوائج أو تخريب الممتلكات العامة أثناء المظاهرات وغيره من منغصات حياة المجتمع و بناء الوطن.

همسة

للأسف نري أمثلة كثيرة علي تفشي اللامبالة وسط المجتمع السوداني و تمارس بصورة يومية دون مناقشة أسبابها أو إصلاح شأنها، علينا أن ننتبه لخطورة ذلك لأن من “يحترفون” اللامبالاه تجاه مجتمعهم او شعبهم لا يعبأون بهمومه ولا بفشله مقارنة بباقي المجتمعات أو الشعوب، فكيف لنا أن نبني وطنا و هم الفرد يتمحور حول نفسه فقط ولا يبالي بمن حوله؟ كيف لنا أن نبني وطنا ونظن أن كل النجاح في تحقيق ذات الفرد دون المشاركة في نهضة المجتمع وبنائه، كيف لنا أن نبني وطنا ونحن نسُبه ونلعنه بسبب عثرات كنا نحن السبب فيها أو جزء منها بعدم المبالاة بالشأن العام. إذا أردنا أن نبني الوطن فليكن هو محور من محاور أهتمامنا حكاما ومحكومين و بالعمل الجاد في كل شؤونه، ولكن ليس بالهتافات أو الشعارات أو التعصب أو الإنفعالات، بل بالعمل والإقدام وحماية الشأن العام ومتلكاته والعمل علي ترقيته، وعلينا أن نتذكر ديننا الحنيف أسبق من تلك المدارس الفلسفية في الدعوة إلي الاهتمام بالشأن العام ووضعه ضمن أولوويات الفرد ، لذا فنحن أحق بذلك، و حفل القرآن الكريم بالعديد من الآيات الدالة علي ذلك وكذلك الأحاديث النبوية التي تحض علي ضرورة تفاعل الفرد مع مجتمعه ونبذ اللامبالة.

اترك رد

error: Content is protected !!