الرواية الأولى

نروي لتعرف

ليمانيات / د. إدريس ليمان

لو جَارتْ عليك أيَّام تعال لعيونَّا بتشيلك ..!

د. ادريس ليمان

المتابع لقضايا اللجوء والهجرة والمهتم بشؤونهما يجد أنَّ النظام الأوروبى المشترك المتعلق بالإصلاح القانونى لقضايا اللجوء بصيغته الجديدة قد دخل حيز التنفيذ يوم أمس الأول 12 يونيو 2026م فى خطوة إصلاحية لقوانين اللجوء الأوروبى تُعد الأكبر منذ عقود طويلة ، وتضمن النظام الجديد تشديد الرقابة على الحدود الدولية للإتحاد الأوروبى وإنشاء مراكز إستقبال جديدة إلى جانب آلية تهدف إلى تعزيز التضامن وتقاسم المسؤولية والأعباء بين الدول الأعضاء .. فالنظام الأوروبى المشترك للجوء هو إطار قانونى شامل ينظم سياسات اللجوء داخل الإتحاد الأوروبى ويتضمن حِزمة واسعة من القوانين والتشريعات التى وصفتها المفوضية الأوروبية بأنها صارمة ولكنها عادلة ..!! وتأمل أن تؤدى تلك الإصلاحات إلى توحيد إجراءات اللجوء فى مختلف دول الإتحاد الأوروبى إلى جانب معالجة التفاوت الكبير فى الأعباء والمسؤوليات التى تتحملها الدول الأعضاء فيما يتعلق بإستقبال اللاجئين ومعالجة طلباتهم رغم مخاوف العديد من المنظمات التى تعمل فى مجال الإغاثة الدولية من أن تؤدى هذه الإصلاحات الجديدة إلى فرض المزيد من القيود على طالبى اللجوء .. ولعل هذا الخبر سانحة طيبة لإطلالة سريعة على إرث السودان فى قضايا اللجوء والهجرة وما وجده من تجاهل دولى بعد الحرب ..!! فمن أبهى ما يَتَجلَّى فى الإنسان السودانى بشهادة الأمم والشعوب المُنصفة تلك القيم الأخلاقية التى تَشَكَّلت فى صمت الزمن بعيداً عن ضجيج الإدِّعاء وإستعراض الفضائل .. فكان كرمه فائضاً دون مَنٍّ ولا أذى ، وتواضعه راسخاً دون تَكَلُّف ، وصبره وإحتماله منسوجان من خيوط اليقين برب العالمين .. ففى عَالَمٍ يلهث خلف البريق العابر وفى زمنٍ يعلو فيه الضجيج قَدَّم السودان فيما يتعلق بإستضافة اللاجئين لما يزيد عن الستة عقود درساً بليغاً بلغة الأفعال لا بلغة الأقوال والإشارة ، وقدَّم أنموذجاً عميقاً بأنَّ للأصالة والإنسانية مكاناً لا يُزاحم فى قُرانا وبوادينا ، وحافظ على التوازن الأخلاقى والإنسانى دون التفريط فى الثوابت والسيادة الوطنية .. فكانت التجربة السودانية فى ملف اللاجئين جديرة بالتأمل العميق الإنصات الهادئ بوصفها ثراءًا إنسانياً وأخلاقياً وقِيَميَّاً لا يُقاسُ بمال ولا يُقَدَّر بثمن .. فالكتابة عن معتمدية اللاجئين ليست ترفًا فكرياً ولا إندفاعاً عابراً بل هى شهادة تؤدَّى وإعتراف بفضل هذا الإنسان السودانى المعروق النبيل الذى إستضاف إخوته فى الإنسانية وآثر أن يؤدى أمانة الإسلام خُلُقَاً وسُلُوكاً وجعل منها حياةً تُعاش وقيمة تُمارس .. فمنذ أن بدأت موجات اللجوء فى َمطلع الستينات من القرن الماضى كان أداء الدولة على المستويين الرسمى والشعبى فى منتهى النضج الإنسانى رؤيةً وأداءًا ، وكانت حقوق اللاجئين ولاتزال إستشعاراً إنسانيَّاً وهَمَّاً وطنياً مشتركاً بين الدولة والمجتمعات المُستضيفة ، ولم تكن أبداً شعارات للكسب السياسى أو تقارير إنسانية مُعلَّبة للتسول الدولى ..!! بل كانت ورشة وطنية وعنواناً للدولة السودانية المُتحضِّرة التى تلتزم بتعهداتها دون الإخلال بأمنها القومى وسيادتها الوطنية وكان هذا هو دور المعتمدية الذى قامت به خلال مسيرتها الناصعة وحضورها الفاعل فى المحافل الإقليمية والدولية كواحدة من مؤسسات الدولة الراشدة التى إستطاعت أن تنجح فى خلق مقاربة متوازنة تحافظ على الهوية الوطنية وسيادة الدولة دون أن تتخلي عن البُعد الأخلاقى الذى يضبط أدائها العام .
وفى تلخيصٍ غير مُخِل لهذا التأريخ الإنسانى باذخ الثراء : ( السودان وقّع وصادق على إتفاقية جنيف لسنة 1951م الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967م وإتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969م التى أرست معايير إقليمية مهمة للحماية على مستوى القارة الأفريقية ، وتأكيداَ لتلك الإلتزامات والمواثيق الدولية أصدر تشريعاً وطنياً خاصاً باللاجئين دمج فيه تلك الإلتزامات لتكون لها حُجيَّة أكثر عبر قانون تنظيم اللجوء لسنة 1974م الذى تم تعديله فى العام 2014م كأول دولة على مستوى الإقليم إن لم تكن على مستوى العالم تُصدِر تشريعاً وطنياً خاصاً باللاجئين حيث أكدت تلك التشريعات الوطنية الإجراءات العملية المتعلقة بإستضافة اللاجئين وإجراءات قبول طلباتهم وكيفية تقديم الحماية والعون القانونى لهم فضلاً عن المساعدات الإنسانية اللازمة وتأكيد مبدأ عدم الإعادة القسرية ، فأصبح السودان نتيجةً لذلك التيسير ملاذاً آمناً لمئات الآلاف من الجنسيات المختلفة من أثيوبيا وأريتريا والكنغو وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال .. ليس هذا فحسب بل وإمتدَّ الكرم السودانى إلى إستضافة السوريين واليمنيين الفارين من الحرب بأعداد كبيرة ومنحهم إقامات قانونية مجانية ومعاملة متساوية فى الحقوق دون الواجبات مع المواطنين السودانيين فتمتعوا بالخدمات الصحية والتعليمية فى كافة مراحلها ، وفى التجارة والإستثمار والتنقل بحرية فى جميع أنحاء البلاد ) .
ثُمَّ إندلعت الحرب اللعينة فجعلت من كان يُجير الناس حتى فى موروثه الغنائى لوجارت عليك أيام تعال لعيونا بتشيلك يطلب الإجارة من غيره فلا يجدها ..!! وحليل الكان بيهَدِّى الغير صِبِح مُحتار يَكوس هدَّاى ..!! فإتجه البعض شمالاً نحو ليبيا ومصر فى رحلات الموت عطشاً وغرقاً ، والبعض الآخر عَبَرَ الحدود الغربية إلى عدوتنا تشاد والشرقية إلى عدوتنا أثيوبيا كالمستجير من الرمضاءِ بالنار فلم يجد حمايةً دولية ولا مساعدات إنسانية بل وجد الضرب والنهب والموت على أيدى قطاع الطرق الأثيوبيين والتيه فى غابات آلالا بحيواناتها المفترسة ، والخطف والإبتزاز والإحتجاز وطلب الفدية من عصابات الإتجار بالبشر فضلاً عن الإجراءات القمعية والتعسفية كما نقلت إلينا الوسائط من ليبيا .. ونقص الغذاء والدواء والأمن كما هو الحال فى معسكرات اللاجئين فى تشاد ، وفى أحسن الأحوال الإستغلال المادى وإرتفاع الإيجارات وضعف فرص الحصول على مقاعد لدراسة الأبناء ..!! ومحصلة كل ذلك أن المجتمع الدولى بدلاً من أن يرد الجميل لهذا السودان العظيم تعامل بمنتهى الأنانية والإنتهازية والتجاهل التام إلاَّ من بعض التحركات المحدودة والخجولة ، فكانت عدالة المعاملة بالمثل تقتضى أن تتداعى المنظمات الدولية لإغاثة أهل السودان الكرماء لا تجاهلهم وتعمد إذلالهم بعدم توفير الحماية القانونية اللازمة لهم وحجب الخدمات الإنسانية عنهم .. فهل يا تُرى سنقتفى أثر المفوضية الأوروبية ونضرب بينا وبين اللاجئين بسورٍ باطنه فيه الرحمة والإنسانية وظاهرة أمننا القومى وسيادتنا الوطنية لاسيما بعد ثبوت مشاركة بعض اللاجئين فى الحرب لصالح المليشيا ضد من آواهم أم سيظل بابنا مفتوحاً كما كان من قبل ..!!؟ إنه ليس إستفهاماً بقدر ماهو أملٌ ورجاء ..!!
فيأيها الإنسان السودانى والكنز الإنسانى الذى لا يخون ولا يتبدل ولا تُقدّر قيمته بثمن أقول لك كما قال المنفلوطى فى مقالته أيُّها المحزُون : ( إن كُنتَ تعلم أنَّك أخذتَ على الدهر عهداً أنْ يكون لَكَ كما تُريد فى جميع شؤونك وأطوارك ، والاَّ يُعطيك ويمنعك إلاَّ كما تُحِب وتشتهى ، فجديرٌ بك أن تُطلِق لنفسك فى سبيل الحزن عِنانها كُلَّما فاتَك مأرب أو إستعصى عليك مطلب ) .
حفظ الله بلادنا وأهلها من كل سوء .

اترك رد

error: Content is protected !!