الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

من أزمة الشرعيات إلى بناء التوافق:نحو رؤية استراتيجية للحوار الوطني واستعادة الدولة (٢-٢) !؟

السفير د. معاوية التوم


لم يكن التفاعل الواسع مع مقال «من أزمة الشرعيات إلى استعادة الدولة» مجرد إشادة بفكرة أو تأييد لموقف؛ بل كشف عن حاجة وطنية أعمق: الحاجة إلى الانتقال من تشخيص الأزمة إلى بناء المسار الذي يمكن أن يقود إلى الخروج منها بمنهج توافقي يتراضى حوله أهل السودان.
فقد جاءت ردود الفعل من أكاديميين وسياسيين ودبلوماسيين وخبراء قانون وفاعلين في الشأن العام، من داخل السودان وخارجه، لتؤكد أن الأزمة السودانية، في عمقها، لم تعد أزمة حرب وحدها، ولا أزمة سلطة أو شرعية منفردة، وإنما أصبحت أزمة مركبة تتصل بمستقبل الدولة، وبطبيعة نظام الحكم، وبالعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبإدارة التنوع والموارد، وبموقع السودان في محيطه الإقليمي والدولي.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى أن تنتقل الفكرة من مقال يثير النقاش إلى رؤية تفتح الطريق أمام حوار وطني منظم؛ حوار لا يكون مجرد منصة جديدة لتبادل المواقف، ولا مؤتمراً لتسجيل الحضور، وإنما عملية استراتيجية مقصودة تستهدف بناء التوافق حول القضايا التي يتوقف عليها مستقبل السودان.
فالمطلوب هنا ليس تكرار الدعوة إلى الحوار الوطني، وإنما الانتقال بها من مستوى الفكرة السياسية إلى مستوى المشروع الاستراتيجي المبني على المشتركات والقابل للتنفيذ.

من المبادرة الفردية إلى المشروع الوطني
القيمة الحقيقية لأي مبادرة وطنية لا تقاس بقدرة صاحبها على الدفاع عنها، وإنما بقدرتها على التحول إلى ملكية عامة تتجاوز الأشخاص وحظوظ النفس والتيارات والمواقع.
ولهذا فإن الخطوة التالية ينبغي ألا تكون إنتاج رؤية مغلقة، وإنما فتحها أمام مجموعة مختارة من الخبراء وقادة الرأي والأكاديميين والسياسيين والشخصيات الوطنية، من داخل السودان وخارجه، في سلسلة من جلسات الحوار المتدرجة، بحيث تتفاعل الأفكار بما يعرف (بالحوار التفاعلي)، وتراجع الفرضيات، وتُختبر البدائل، وتنضج الرؤى عبر النقاش.
فالبلاد لا تحتاج في هذه اللحظة إلى صوت فردي إضافي، مهما كانت قيمة صاحبه، بقدر حاجتها إلى عقل جمعي وطني يستطيع أن يرى السودان خارج الاستقطاب الراهن، وأن يضع المصالح العليا للدولة فوق الحسابات المرحلية.
ومن هنا فإن الغاية ليست صناعة إجماع مصطنع، وإنما بناء توافق قابل للحياة حول الحد الأدنى من القضايا التي لا يجوز أن تبقى رهينة للخلاف السياسي والمصالح الضيقة.

الحوار الوطني بوصفه عملية استراتيجية
الحوار الذي نحتاجه ليس حدثاً سياسياً عابراً، بل عملية تخطيط استراتيجي وطنية.
والتخطيط الاستراتيجي هنا لا يعني فرض أجندة موضوعية مسبقة على المشاركين، وإنما توفير الإطار العلمي والمنهجي الذي يسمح للقضايا الوطنية بأن تُناقش بصورة منظمة، وأن تنتقل من الانطباعات إلى المعلومات، ومن المواقف إلى البدائل، ومن التشخيص إلى السياسات.
ولهذا ينبغي أن تبدأ العملية بتشكيل (لجنة عليا قومية وطنية)، من شخصيات مشهود لها بالكفاءة والخبرة والاستقلالية والنزاهة، لا تتولى اتخاذ القرار نيابة عن السودانيين، وإنما قيادة العملية وتوفير مظلتها الوطنية والمنهجية.
وتكون مهمتها وضع الخطوط العريضة للحوار، وبناء الوعي به، والتواصل مع القوى السياسية والمجتمعية والأهلية ، ودعوة الخبراء والقيادات والفعاليات المختلفة للمشاركة، مع ضمان أن تظل العملية مفتوحة أمام التنوع السوداني الحقيقي وشاملة ، لا أمام تمثيل شكلي للقوى.

ماذا نريد من الحوار؟
قبل أن نبدأ الحوار، ينبغي أن نعرف إلى أين نريد أن نصل؟.وهذه ربما تكون أولى القواعد التي يفرضها التفكير الاستراتيجي.فلا معنى لحوار لا تحدد نتائجه المرجوة، ولا لقائمة طويلة من القضايا إذا لم يكن واضحاً ما الذي نريد أن نفعله بها.ومن ثم ينبغي تحديد:
• الرسالة التي يقوم عليها الحوار؛
• الرؤية التي تهديه؛
• المبادئ والقيم الحاكمة له؛
• أهدافه العليا والأهداف التفصيلية؛
• أولياته وموضوعاته؛
• النتائج التي يتعين أن ينتهي إليها؛
• الآليات التي تحول مخرجاته إلى سياسات وقرارات.
والهدف النهائي ليس إنتاج وثيقة جديدة تضاف إلى أرشيف الوثائق السودانية، وإنما الوصول إلى رؤية وطنية قابلة للتحول إلى مسار سياسي ودستوري ومؤسسي مستدام يقود الي مخرج آمن للبلاد وشعبها، ويضع حداً لمعاناتها.

قراءة السودان قبل وصفة الخروج منه
لا يمكن بناء استراتيجية ناجحة دون قراءة دقيقة للبيئة التي تتحرك فيها. ولهذا ينبغي أن يبدأ الحوار بتحليل شامل للواقع السوداني: سياسياً، وأمنياً، واقتصادياً، واجتماعياً، ومؤسسياً، إلى جانب قراءة البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالسودان.
فالحرب لم تعد شأناً داخلياً منفصلاً عن محيطه. كما أن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بما يجري داخل حدوده، وإنما سيتأثر بصورة مباشرة بتحولات الإقليم، وتنافس القوى الدولية، وأمن البحر الأحمر، ومصالح دول الجوار، وتدفقات السلاح والمال، والاقتصاد السياسي للحرب، والتحولات الجارية في النظام الدولي.
لكن القراءة الاستراتيجية لا ينبغي أن تتحول إلى استسلام للضغوط الخارجية؛ بل إلى فهم لها وتحديد لمساحات الحركة الوطنية في مواجهتها.
والسؤال هنا ليس فقط: ما الذي يفعله الآخرون بالسودان؟بل أيضاً: ما الذي يستطيع السودان أن يفعله في بيئة إقليمية ودولية متغيرة؟

تحديد القضايا لا تكثيرها
بعد قراءة الواقع، تأتي المرحلة الأكثر أهمية: تحديد القضايا الاستراتيجية الكبرى التي ينبغي أن يكون حولها الحوار.
وهذه القضايا لا ينبغي أن تُحدد وفق أجندة حزب أو جماعة أو نخبة، وإنما وفق ما يمس مستقبل الدولة السودانية ذاتها وسلامتها.
ومن بينها، على سبيل المثال، قضايا الشرعية السياسية، وشكل الدولة ونظام الحكم، والانتقال السياسي، والدستور، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وإدارة التنوع، وبناء المؤسسات، وإصلاح القطاع الأمني، وإدارة الموارد، وإعادة الإعمار، والعدالة والمصالحة الوطنية، والسلام والعلاقات الخارجية، ودور السودان الإقليمي والدولي.
لكن الأهم من تعداد القضايا هو ترتيبها وفق الأولويات والعلاقات المتبادلة بينها؛ لأن بعض الأزمات ليست مستقلة، وإنما تمثل نتائج لأزمات أعمق وتشابكات تقتضي المعالجات الشاملة.

من تحليل الأزمة إلى مصفوفة الخيارات
هنا تبرز أهمية استخدام أدوات التخطيط الاستراتيجي، ومنها تحليل عناصر القوة والضعف والفرص والمهددات، ليس باعتبارها تمارين أكاديمية، وإنما باعتبارها أدوات تساعد على اتخاذ القرار.
فالسودان، رغم حجم الكارثة والمهددات التي تحيط به، لا يخلو من عناصر قوة: موقع جغرافي استثنائي، وموارد طبيعية هائلة، وعمق بشري وثقافي، ومؤسسات دولة قابلة لإعادة البناء، ومجتمع مدني واسع، وطاقات سودانية مهاجرة يمكن أن تكون جزءاً من عملية النهوض.
وفي المقابل توجد عناصر ضعف لا يمكن تجاهلها، تتصل بهشاشة المؤسسات، والانقسامات السياسية والاجتماعية، وتدهور الاقتصاد، وآثار الحرب، وتراكم الاختلالات في البنيوية في العلاقة بين الدولة والمجتمع والبيئة المحيطة .
كما أن هناك فرصاً ينبغي تحويلها إلى سياسات، ومهددات ينبغي الاستعداد لها قبل أن تتحول إلى أزمات جديدة. ومن هنا يجب أن ينتهي التحليل إلى خيارات استراتيجية واضحة، لا إلى تشخيصات فقط بلا معالجات.

مرجعية وطنية للحوار
لا يمكن أن يكون الحوار الوطني بلا مرجعية.
والمقصود بالمرجعية هنا ليس وثيقة حزبية ولا برنامجاً سياسياً، وإنما منظومة المبادئ والقيم والموجهات الوطنية العليا التي يتوافق عليها المشاركون، وتصبح أساساً للحوار حول الحكم والسياسات والقوانين وإدارة الموارد والعلاقات الخارجية.
ومن أهم هذه المبادئ: وحدة السودان وسيادته، المواطنة المتساوية، سيادة القانون، احترام التنوع، التداول السلمي للسلطة، حماية المؤسسات الوطنية، العدالة، المشاركة، ورفض العنف والإقصاء، مع الاعتراف بأن الاختلاف السياسي حق أصيل وليس تهديداً للدولة.
مثل هذه المرجعية هي التي تجعل الحوار قادراً على تجاوز السؤال التقليدي: من يحكم؟ إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف تُحكم الدولة؟ ولأي غاية؟ وبأي مؤسسات؟

الدولة أولاً
المدخل الحقيقي للتوافق الوطني ينبغي أن ينطلق من إعادة تعريف مركز الأزمة: أزمة الدولة قبل أن تكون أزمة السلطة. فالسلطة تتغير، والحكومات تأتي وتذهب، لكن الدولة ينبغي أن تبقى وتستدام .
ولهذا يجب أن يتجه الحوار إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وترقية كفاءتها، وتحديد أدوارها، وتعزيز قدرتها على حماية المواطنين وإدارة الموارد وتقديم الخدمات وصيانة السيادة.
كما ينبغي أن يتناول دور القيادات السياسية والمجتمعية والدولة نفسها، وكيفية الارتقاء بأدائها، لأن إصلاح المؤسسات لا ينفصل عن إصلاح الثقافة السياسية التي تديرها.

حوار متعدد المستويات
ولكي لا يتحول الحوار إلى اجتماع نخبوي مغلق، ينبغي أن يُصمم على مستويات متعددة.
حوار للخبراء لصياغة البدائل، وحوار سياسي لمناقشة الخيارات، وحوار مجتمعي لاستيعاب أصوات الفئات المختلفة، ومسار خاص للسودانيين في الخارج، باعتبارهم جزءاً من رأس المال البشري والمعرفي والسياسي للبلاد. بشمولية التمثيل والانفتاح على أطياف المجتمع.
كما ينبغي ألا يكون الحوار جلسة واحدة أو مؤتمراً قصير العمر، وإنما عملية متدرجة تمتد لعدة جلسات ومراحل، تنتهي كل مرحلة منها بمخرجات تراجعها المرحلة التالية.
فالهدف ليس الوصول السريع إلى اتفاق هش، وإنما بناء توافق يتسم بالعمق والاستدامة.

الخطة قبل التنفيذ
ومن أهم الدروس التي ينبغي استيعابها أن الحوار نفسه يحتاج إلى خطة استراتيجية وبرنامج تنفيذي بآجال محددة. فلا ينبغي أن تبدأ الدعوات للمشاركة قبل الاتفاق على قواعد العملية، ولا ينبغي الدخول في القضايا التفصيلية قبل تحديد الرؤية والمبادئ والأهداف الكلية ، ولا ينبغي إنتاج التوصيات قبل تحديد الآليات التي يمكن أن تحولها إلى واقع.
ولهذا ينبغي أن تُكتب الخطة الاستراتيجية للحوار الوطني أولاً، وأن تتوافق عليها الفعاليات المشاركة، ثم تدخل العملية حيز التنفيذ.
وهنا يمكن أن تشمل الخطة: الهيكل المؤسسي، مستويات الحوار، معايير اختيار المشاركين، آليات اتخاذ القرار، إدارة الاختلاف، الجدول الزمني، قنوات الاتصال، أدوات التوثيق، المعينات الفنية، وآليات متابعة تنفيذ المخرجات.

نحو مبادرة تتجاوز أصحابها
ما نطرحه هنا ليس مشروعاً جاهزاً، ولا وصفة نهائية للأزمة السودانية.إنه دعوة إلى فتح مسار للتفكير الوطني المنظم والعميق.والقيمة الحقيقية للمبادرة ستكون في قدرتها على استقطاب أصحاب الأفكار والخبرات المختلفة، وإخراج النقاش السوداني من دائرة ردود الفعل إلى دائرة الفعل الاستراتيجي (بملكية سودانية خالصة) وشمولية الطرح والمشاركة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تكون احتكاراً للمبادرة، وإنما تحريراً لها من صاحبها الأول، حتى تصبح ملكاً لكل من يؤمن بأن السودان يستطيع أن يجد طريقاً ثالثاً بين الحرب والانقسام، وبين التسويات المؤقتة وإعادة إنتاج الأزمة ، الي رسم معالم المستقبل.
فالمطلوب ليس أن نتفق على كل شيء؛ فهذا غير ممكن في دولة بهذا التنوع والتاريخ والتعقيد.
المطلوب أن نتفق على ما لا يجوز أن نختلف عليه: بقاء الدولة، ووحدة السودان، وسيادته، وحق مواطنيه في الأمن والاستقرار والكرامة والمواطنة والتعايش السلمي، وأن يكون اختلافنا حول كيفية إدارة الدولة لا حول وجودها.وبلوغ السلام الشامل والمصالحة الوطنية.

كلمة أخيرة
لقد أظهرت السنوات الماضية أن إدارة الأزمات بالحلول الجزئية، والتسويات المرحلية، وتبادل الشرعيات، لم تعد كافية.
السودان يحتاج إلى انتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة المستقبل، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن التنافس على الدولة إلى التوافق على كيفية بنائها والمحافظة عليها.
وإذا كان مقال «من أزمة الشرعيات إلى استعادة الدولة» قد حاول أن يفتح نافذة في جدار الأزمة، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون بناء الطريق الذي يمكن أن نعبر منه وتجسير صعابه .ذلك الطريق لا يصنعه فرد، ولا حزب، ولا مؤسسة واحدة. إنه يصنعه حوار وطني مستبصر، تقوده المعرفة، وتحكمه المصلحة الوطنية، وتدعمه منهجية التخطيط الاستراتيجي، وتشارك في صياغته عقول السودان وخبراته في الداخل والخارج.
وفي نهاية المطاف، فإن التحدي الحقيقي ليس أن نكتب وثيقة أخرى عن السودان، وإنما أن ننتج رؤية تستطيع الدولة أن تتبناها، والمجتمع أن يلتف حولها، والقوى السياسية أن تجد فيها مساحة للتوافق، والأجيال القادمة أن ترى فيها بداية مختلفة لمسار الدولة السودانية.
المعادلة الاستراتيجية التي ينبغي أن تحكم هذه المبادرة هي:لا حواراً لإدارة الانقسام، بل حواراً لبناء التوافق؛، ولا توافق لهدم كيان الامة؛ بل توافقاً على بناء الدولة؛ ولا رؤيةً للمستقبل تُكتب للنخب، بل مشروعاً وطنياً يعيد للسودان قدرته على صناعة مستقبله. وقدر السودان قيادة وشعباً ازاء هذا المنعطف التاريخي أنه:
«في لحظات الأزمات الوطنية الكبرى والمخاض ، لا يكون التنازل عن بعض المواقف تنازلاً عن الوطن، بل يكون التمسك بما يجمعنا هو أعظم انتصار؛ فالمسار الوسط لا يعني الوقوف بين الحق والحق، وإنما صناعة مساحة مشتركة يتنازل فيها الجميع عن بعض ما يريدون، ليكسب الوطن ما يحتاجه.» اي بمعنى أكثر وضوحاً
«حين تتسع الفجوة بين الأطياف، يصبح التنازل المتبادل جسراً لا هزيمة، ويغدو المسار الوسط هو الطريق الذي لا ينتصر فيه طرف على آخر، بل ينتصر فيه الوطن على أزمته.» وفي الختام أقول لأمّتنا وقياداتنا بمختلف طوائفها ومشاربها،«المشروع الوطني لا يولد حين ينتصر طرف على الأطراف الأخرى، وإنما حين يدرك الجميع، أن بعض التنازلات المتبادلة أقل كلفة من استمرار الانقسام؛ فالتوافق ليس أن يحصل كل طرف على ما يريد، بل أن يتنازل الجميع بما يكفي لكي يحصل الوطن على ما يستحق.»

اترك رد

error: Content is protected !!