الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الحرب الثلاثية والمشروعية الدولية: في ضوء المواثيق الدولية… من المسؤول؟ وما الكلفة؟

السفير د. معاوية التوم


بعد مرور شهرين على اندلاع المواجهة ، أي ما يمكن وصفه بـ«الحرب الثلاثية» في الإقليم—بأطرافها المتداخلة وتقاطعاتها البرية والبحرية—تتضح ملامح أزمة لا تُختزل في الميدان العسكري وحده، بل تمتد إلى اختبار صريح لمنظومة المشروعية الدولية بأكملها. فهذه الحرب لم تُشعل فقط خطوط التماس، بل فتحت سجالًا قانونيًا كثيفًا حول حدود استخدام القوة، وحماية المدنيين، وحرية الملاحة، ومسؤولية الأطراف عن الأضرار المتفاقمة.

في قلب هذا السجال تقف ثلاث منظومات قانونية كبرى: ميثاق الأمم المتحدة بوصفه المرجعية العليا لتنظيم استخدام القوة، والقانون الدولي الإنساني الذي يحكم سلوك الأطراف أثناء النزاعات، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تنظم حقوق وواجبات الدول في البحار والمضائق الدولية. وبين هذه الأطر الثلاثة، تتحدد شرعية الأفعال وتُقاس المسؤوليات.

أولًا: استخدام القوة وحدود المشروعية

ينص ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة أو التهديد بها، باستثناء حالتين: الدفاع الشرعي عن النفس، أو التفويض الصادر عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع. غير أن ما جرى خلال الشهرين الماضيين يكشف توسعًا في تفسير «الدفاع عن النفس» ليشمل ضربات استباقية، واستهدافات خارج الحدود، بل وعمليات بحرية تمسّ ممرات دولية. هذا التوسع، وإن استند إلى ذرائع أمنية، يطرح إشكالية جوهرية: هل ما نشهده هو تطبيق للنصوص، أم إعادة تأويلها وفق ميزان القوة؟

اللافت أن بعض الأطراف سعت إلى «شرعنة» عملياتها عبر خطاب وقائي، منع تهديد وشيك، بينما رأت أطراف أخرى أن تلك العمليات تمثل انتهاكًا صريحًا لسيادة الدول. وبين الموقفين، ظل مجلس الأمن عاجزًا عن إنتاج موقف موحّد، ما عمّق فراغ المشروعية وفتح الباب أمام «قانون القوة» بدل «قوة القانون». حيث جري استخدام الفيتو من قبل الصين وروسيا في الجلسة التي طلبتها دول الخليج برئاسة البحرين خلال أبريل الجاري وامتناع دولتين مقابل ١١ دولة لصالح القرار.

ثانيًا: القانون الدولي الإنساني… بين النص والانتهاك
إذا كان ميثاق الأمم المتحدة يحدد متى تُستخدم القوة، فإن القانون الدولي الإنساني يحدد كيف تُستخدم. وهنا تتكاثر الأسئلة الصعبة: إلى أي مدى التزمت الأطراف بمبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية؟ وهل جرى تحييد المدنيين والبنية التحتية الحيوية فعلًا؟

الوقائع الميدانية تشير إلى ارتفاع كلفة المدنيين، سواء عبر الضربات المباشرة أو عبر الأثر غير المباشر، تعطّل الخدمات، انقطاع الإمدادات الكهربائية والغاز، وتدهور الأمن الغذائي. استهداف منشآت ذات طابع مدني، أو استخدام وسائل قتال ذات آثار واسعة النطاق، يضع الأطراف أمام مساءلة قانونية محتملة، خاصة إذا ثبت عدم اتخاذ الاحتياطات الكافية لتقليل الضرر، وارتفاع الكلفة البشرية والأثر الكبير لأسعار الطاقة عالمياً.

كما تبرز قضية «المسؤولية القيادية»، حيث لا يقتصر الأمر على الفاعلين المباشرين، بل يمتد إلى من أصدر الأوامر أو غضّ الطرف عن الانتهاكات. وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات لتوثيق الأدلة تمهيدًا لمساءلات مستقبلية، سواء على المستوى الوطني أو الدولي او الحالتين معا.

ثالثًا: قانون البحار… حرية الملاحة في مهبّ الصراع
البعد البحري للحرب الثلاثية أضفى تعقيدًا إضافيًا. فالمضائق الدولية وخطوط الشحن الحيوية تحوّلت إلى مسرح للتجاذب العسكري والاقتصادي. وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تتمتع السفن بحق المرور العابر في المضائق، دون عرقلة أو تهديد. لكن ما شهدناه من عمليات تعطيل، أو تهديد بإغلاق ممرات بحرية، أو استهداف ناقلات، يطرح تساؤلًا حول مدى احترام هذا المبدأ.

أي مساس بحرية الملاحة لا يقتصر أثره على الدول المتحاربة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، وارتفاع تكاليف الشحن، التأمين اضطراب سلاسل الإمداد، وتقلبات أسعار الطاقة والغاز . ومن ثم، فإن انتهاك قواعد قانون البحار يتحول من نزاع إقليمي إلى أزمة دولية ذات تبعات واسعة، وهذا النموذج الذي يجري تجاوز كل التجارب الكونية الماضية ، ويخشى أن يتدحرج الي حرب إقليمية. في سياق انهيار وقف إطلاق النار اليوم

رابعًا: المسؤولية الدولية… من يتحمّل الكلفة؟
تتوزع المسؤولية في هذه الحرب على مستويات عدة:
• مسؤولية مباشرة: تقع على عاتق الأطراف التي باشرت استخدام القوة أو انتهكت قواعد القانون الدولي الإنساني أو عطّلت الملاحة.
• مسؤولية غير مباشرة: تشمل الدول الداعمة عسكريًا أو لوجستيًا، إذا ثبت علمها بطبيعة الانتهاكات أو مساهمتها فيها.
• مسؤولية جماعية: تطال المجتمع الدولي ومؤسساته، خاصة في ظل عجزه عن منع التصعيد أو فرض آليات مساءلة فعّالة.
أما من حيث التبعات، فهي تتجاوز الخسائر البشرية والمادية لتشمل تآكل الثقة في النظام الدولي نفسه. فحين تُنتهك القواعد دون محاسبة، تتراجع هيبة القانون، وتزداد شهية الفاعلين لتجاوز الخطوط الحمراء، وحدوث فوضى عارمة دوليا باستخدام القوة المطلقة في حرب غير متناظرة.

خامسًا: ما بعد الشهرين… إلى أين؟
بعد شهرين، لا تبدو الحرب الثلاثية قريبة من الحسم، بل أقرب إلى «إدارة صراع» مفتوح. وفي ظل غياب إطار تفاوضي جاد، واستمرار منطق الردع المتبادل، يظل خطر الانزلاق قائمًا، سواء نحو توسيع رقعة الحرب، أو نحو إغلاق ممرات بحرية حساسة، أو نحو مزيد من الانتهاكات بحق المدنيين والبنى التحتية.
المخرج لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار، بل في إعادة الاعتبار لمنظومة المشروعية الدولية. وهذا يتطلب:
• تفعيل دور مجلس الأمن بعيدًا عن الاستقطاب.
• إنشاء آليات تحقيق مستقلة لتوثيق الانتهاكات.
• ضمان حماية الملاحة الدولية عبر ترتيبات جماعية.
• الدفع نحو تسوية سياسية تستند إلى مبدأ «الأمن المتبادل» لا «الردع المتفلت».

خلاصة
تكشف الحرب الثلاثية، بعد شهرين من اندلاعها، عن مفارقة قاسية: عالم يمتلك منظومة قانونية متقدمة، لكنه يعجز عن فرضها حين تتقاطع المصالح الكبرى. وبين نصوص ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي الإنساني، وقواعد قانون البحار، تتحدد اليوم ملامح اختبار جديد للنظام الدولي—إما أن ينجح في استعادة توازنه، أو ينزلق أكثر نحو فوضى محكومة بقانون القوة.

وفي كل الأحوال، يبقى الثابت أن كلفة تجاهل القانون أعلى بكثير من كلفة الالتزام به—ليس فقط على أطراف الحرب، بل على العالم بأسره.

تكشف الحرب الثلاثية، بعد ثلاثة أسابيع فقط من وقفٍ هشٍّ لإطلاق النار سرعان ما انهار، عن مفارقة أكثر قسوة وحدّة: نظام دولي يمتلك ترسانة قانونية متقدمة، لكنه يفقد فاعليته كلما احتدمت المصالح وتقدّمت اعتبارات القوة على حساب القواعد. فبين نصوص الأمم المتحدة ومرجعيات القانون الدولي الإنساني وأحكام قانون البحار، لم يعد التحدي في صياغة القواعد، بل في القدرة على إنفاذها في لحظة اختبار حقيقي.
إن انهيار وقف إطلاق النار اليوم بهذه السرعة لا يعكس فقط هشاشة التفاهمات، بل يكشف عن تآكل أدوات الضبط والردع في النظام الدولي، ويفتح الباب أمام نمط من الصراعات “المفتوحة زمنياً”، حيث تُدار الحروب دون أفق سياسي واضح، وتُستخدم فيها الممرات الحيوية كساحات ضغط وابتزاز.
وفي هذا السياق، لم يعد السؤال: هل يستطيع النظام الدولي استعادة توازنه؟ بل: إلى أي مدى يمكنه تحمّل مزيد من التآكل قبل أن يفقد قدرته على التنظيم؟
ذلك أن كلفة تجاهل القانون لم تعد مؤجلة أو نظرية، بل باتت فورية وعابرة للحدود، تطال أمن الطاقة، واستقرار الأسواق، وسلامة الملاحة، وثقة الدول في قواعد اللعبة الدولية.
وعليه، فإن اللحظة الراهنة لا تمثل مجرد أزمة عابرة، بل مفترق طرق:
إما إعادة الاعتبار لمنطق القانون كضامن جماعي للاستقرار، أو ترسيخ واقع دولي جديد تُكتب قواعده تحت ضغط النار، لا على طاولات التفاوض.
—————-
٢٦ أبريل ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!