الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

السودان وثروة النحاس… فرصة تاريخية بين الاستثمار والسيادة!؟

السفير د. معاوية التوم

مورد استراتيجي طال انتظاره من بين الثروات الطبيعية التي يزخر بها السودان، يظل النحاس أحد أكثر الموارد الوطنية التي تأخر استغلالها، رغم أنه أصبح اليوم من أهم المعادن الاستراتيجية في العالم، مع التوسع في الطاقة المتجددة، وصناعة السيارات الكهربائية، وشبكات الكهرباء، والإلكترونيات، والصناعات الدفاعية والتقنيات الحديثة. ولم يعد النحاس مجرد معدن صناعي، بل تحول إلى أحد أعمدة الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.

وعلى خلفية الجدل الإعلامي الذي أثير مؤخراً حول مشروع استثمار النحاس والشراكة المقترحة مع الجانب الصيني، تبدو الحاجة ملحة لإعادة هذا الملف إلى إطاره الصحيح، باعتباره قضية سيادية واقتصادية تتعلق بمستقبل السودان ومصالحه العليا التي لا تقبل التأجيل ، لا مجرد صفقة استثمارية أو خلاف إداري بين مؤسسات الدولة ومنظومة صناعة القرار فيه.

لماذا تأخر مشروع النحاس؟

تعود جذور المشروع إلى الدراسات الجيولوجية التي أُنجزت عبر شركة أرياب، بالتعاون مع بيوت خبرة فرنسية، والتي خلصت إلى جدوى تطوير مناجم النحاس باستثمارات قاربت خمسمائة مليون يورو، مع فترة استرداد تجاوزت ثلاثة عشر عاماً.

غير أن العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على السودان آنذاك فرضت ترتيبات قانونية اشترطت تنفيذ المشروع بعيداً عن الحكومة السودانية، وهو ما رفضته الدولة حفاظاً على سيادتها، فتوقفت المبادرة، بينما اتجه المستثمرون إلى الذهب، الذي كان أقل تكلفة وأسرع عائداً، وظلت ثروة النحاس حبيسة باطن الأرض لعقود.

الشراكة الصينية… هل تمثل نقطة التحول؟تشير المعلومات المتداولة إلى أن السودان توصل إلى تفاهمات مع شريك صيني يمتلك الخبرة والإمكانات المالية والتقنية، والضوابط المتبعة داخليا، وفق صيغة شراكة تقوم على استثمار يناهز 500 مليون يورو، إلى جانب عوائد مالية للدولة وفق القوانين المنظمة للاستثمار والتعدين، مع استيفاء المتطلبات الفنية والبيئية والمالية كافة.

وتقضي الخطة بأن تتم معالجة الخام في المرحلة الأولى داخل الصين، إلى حين إنشاء مرافق الصهر والتصنيع داخل السودان، بما يمهد لتوطين صناعة النحاس تدريجياً، على غرار التجربة الناجحة التي شهدها قطاع النفط منذ عام 1995، بشراكة صينية.

القيمة الحقيقية ليست في التعدين وحدهتكمن أهمية المشروع في أنه يتجاوز استخراج الخام إلى بناء صناعة وطنية متكاملة، قادرة على تحريك قطاعات النقل والطاقة والخدمات والصناعات التحويلية، ورفع مساهمة التعدين في الناتج القومي.

كما يمكن للمشروع أن يعيد الحياة إلى ميناء أوسيف المعدني، ويعزز ربطه بشبكة السكك الحديدية، ويوفر أكثر من عشرين ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن نقل المعرفة، وتأهيل الكوادر الوطنية، وزيادة الصادرات، وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد السوداني، ليتكامل مع النفط والذهب.

البحر الأحمر… بعد استراتيجي لا يقل أهميةلا يمكن فصل مشروع النحاس عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها البحر الأحمر، والذي أصبح أحد أهم ممرات الملاحة والتجارة العالمية ومناطق التنافس الدولي.

ويتمتع السودان بموقع استراتيجي يمتد على ساحل البحر الأحمر، بما يجعله مؤهلاً ليكون مركزاً إقليمياً للصناعات التعدينية والخدمات اللوجستية إذا أحسن استثمار موارده الطبيعية.وتزداد أهمية هذا المشروع في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها البحر الأحمر، والذي أصبح أحد أهم مسارح التنافس الدولي بعد اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب. فالسودان يمتلك شريطاً ساحلياً يتجاوز 800 كيلومتر على البحر الأحمر، بما يمنحه موقعاً استراتيجياً فريداً يمكن توظيفه لتعزيز دوره في التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية. كما أن وجود شريك اقتصادي بحجم الصين في مشروعات إنتاجية استراتيجية قد يضيف بعداً جديداً للاستقرار الاقتصادي، ويعيد علاقات البلدين الي مستوى ارفع، ويعزز من فرص تطوير البنية التحتية وربط السودان بالمبادرات الاقتصادية الإقليمية والدولية، مع ضرورة أن تظل جميع الشراكات خاضعة للمصلحة الوطنية والسيادة الكاملة للدولة السودانية.

الجدل الإعلامي… بين حق الرقابة وضرر التشويشمن الطبيعي أن تخضع المشروعات الاستراتيجية للنقاش والمراجعة والتثبت عبر القنوات الرسمية ، وأن تُثار حولها التساؤلات الفنية والقانونية، فذلك من صميم الحوكمة الرشيدة.

غير أن ما برز خلال الأيام الماضية من ملاسنات وتبادل اتهامات بالتخوين وتسريبات إعلامية بين بعض الدوائر المعنية لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يبعث برسائل سلبية للمستثمرين، ويضعف ثقة الشركاء المحتملين في بيئة الاستثمار السودانية، ويضير بالصفقة المحتملة.فالخلافات الفنية مكانها المؤسسات واللجان الوطنية المختصة، وليس المنابر الإعلامية، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات سيادية ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية.

الحاجة إلى قرار سيادي حاسم إذا كانت هناك ملاحظات فنية أو قانونية أو مالية على الصفقة، فمن الواجب أن تُراجع بواسطة لجان مستقلة من بيوت الخبرة والخبراء من الداخل او الخارج ، وأن تُحسم وفق معايير مهنية مجردة، بعيداً عن الشخصنة أو تضارب المصالح.

أما استمرار حالة التجاذب، فإنه قد يبدد فرصة ربما لا تتكرر في ظل المنافسة الدولية المتزايدة على المعادن الاستراتيجية، في وقت يسعى فيه السودان إلى التعافي وإعادة بناء اقتصاده بعد الحرب.

فرصة لا ينبغي أن تضيع لقد أثبتت التجربة السودانية مع الصين في قطاع النفط أن الشراكات الاستراتيجية المدروسة قادرة على إحداث تحولات كبيرة في الاقتصاد الوطني، متى ما توفرت الإرادة السياسية، والإدارة الرشيدة، والرؤية بعيدة المدى.

واليوم يقف السودان أمام فرصة مماثلة مع قطاع النحاس، لكن النجاح هذه المرة لن يقاس بتوقيع العقود وحده، وإنما بقدرة الدولة على توطين الصناعة، وتعظيم القيمة المضافة، وبناء كوادر وطنية، وتحويل هذا المورد إلى رافعة حقيقية للتنمية بادخاله عجلة الانتاج.إن السودان بحاجة إلى أن ينتقل من مرحلة الحديث عن ثرواته إلى مرحلة استثمارها بكفاءة، وأن يُدار هذا الملف بعقل الدولة والمهنية والمصلحة العليا، لا بمنطق التجاذبات المؤقتة.

فالنحاس ليس مجرد معدن يُستخرج من باطن الأرض، بل قد يكون أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي، وبوابة جديدة لاستعادة السودان مكانته في الاقتصادين الإقليمي والإفريقي، إذا أحسن استثمار هذه الفرصة التاريخية، ووُضعت المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. واحدى التعريفات الحديثة لهذه الثروات تقول:“في زمن التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، لم يعد النحاس مورداً تعدينياً عادياً، بل أصبح أحد معايير القوة الاقتصادية للدول، والسودان يمتلك فرصة تاريخية لتحويل هذا المورد المؤجل إلى ركيزة للتعافي والتنمية والسيادة الاقتصادية.

ولتأكيد البعد الاستراتيجي لهذا المورد الوطني المنتظر وأهميته القصوى ، أقول بأن إدارة الموارد الوطنية أصبحت اختباراً لقدرة الدولة على الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التنمية والنهوض والفرصة ماثلة بين أيدينا الان!؟.

اترك رد

error: Content is protected !!