الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

مصطفى عبدالحفيظ .. رجل من جيل البناة

د. محمد عبدالرحيم يسن

رحل عن دنيانا الباشمهندس مصطفى عبد الحفيظ وداعة الله، فرحل معه واحد من رجال الاتصالات الذين ارتبطت أسماؤهم بمسيرة تطور هذا القطاع في السودان، وبرحيله فقد السودان مسؤولا شغل مواقع قيادية ومهندسا مبدعا، وقائدا مهنيا، وإنسانا ترك أثرا سيبقى حاضرا في المؤسسات التي أسهم في بنائها، وفي كل من عمل معه أو تعلم على يديه.

عرفت الراحل منذ سنوات الدراسة الجامعية، ثم جمعتنا ميادين العمل في محطات كثيرة امتدت لعقود، داخل السودان وخارجه، وفي المؤتمرات واللجان الفنية والاجتماعات الإقليمية والدولية، وخلال تلك الرحلة الطويلة رأيت فيه نموذجا للمهندس الذي جمع بين العلم الواسع، والانضباط المهني، وسعة الأفق، وهدوء الطبع، والإيمان بأن التقنية وسيلة لبناء الوطن وخدمة الإنسان.

كان من الجيل الذي تعلم هندسة الاتصالات تخصصا، وبرمجة الحاسوب إجتهادا في زمن كانت فيه المعرفة التقنية تعتمد على الاجتهاد الشخصي والقدرات الذاتية ،قبل ظهور أدوات اليوم. امتلك مصطفى عبدالحفيظ معرفة متميزة بلغات التجميع، ثم أتقن لغات البرمجة عالية المستوى، وشارك في تطوير عدد من الأنظمة المتخصصة، وأسهم في تصميم حلول تقنية عالجت احتياجات عملية، وهو ما منحه رؤية متكاملة تجمع بين التفاصيل الفنية ومتطلبات الإدارة والتخطيط، ولهذا كان قادرا على التحاور مع المبرمج، والمهندس، والإداري، وصاحب القرار بالقدر نفسه من المعرفة والتمكن.

بدأ مسيرته المهنية في أوائل تسعينيات القرن الماضي في واحدة من المؤسسات الوطنية العريقة، في مرحلة كانت تتطلب رجالا يجمعون بين الكفاءة والإخلاص، وأسهم في تطوير منظومات الاتصالات في ظروف بالغة الصعوبة، ثم تعرض لإصابة أثناء مهمة ميدانية أثرت في حركته، لكنها لم تنل من عزيمته، عاد إلى عمله أكثر إصرارا، وظل يؤدي رسالته بإيمان وصبر، واضعا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

تدرج في مواقع المسؤولية حتى تولى الإدارة الفنية بالهيئة القومية للاتصالات، ثم قيادتها، قبل أن يعين وكيلا لوزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، وخلال تلك السنوات كان حاضرا في أهم ملفات تطوير القطاع، وأسهم في بناء الأطر التنظيمية، وإدارة الطيف الترددي، وتعزيز الأمن السيبراني، كما تولى رئاسة المركز السوداني للاستجابة للطوارئ السيبرانية (سودان سيرت)، وأسهم في ترسيخ هذا المجال الحيوي في السودان، وامتد عطاء المهندس مصطفى عبدالحفيظ إلى خارج حدود السودان، فكان من أبرز الوجوه السودانية في اجتماعات الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU). ترأس وفود السودان في عدد من المؤتمرات العالمية للاتصالات الراديوية، واختير نائبا لرئيس عدد من اللجان الرئيسية، وأسهم في أعمال المجموعة العربية لإدارة الطيف الترددي، كما كان حلقة وصل بين الخبرات العربية والأفريقية في كثير من القضايا الفنية، فقدم صورة مشرقة للكفاءة السودانية، ونال احترام كل من عمل معه في تلك المحافل.

خلال فترة إدارتي للمركز القومي للمعلومات، كان الفقيد مديرا للادارة الفنية بهيئة الاتصالات، جمعتنا أنشطة وبرامج كثيرة، وكان دائم الحضور في مناشط المركز داخل ولايات السودان، ولا أذكر أنه اعتذر عن المشاركة من نشاط يرتبط بعمل المركز، فقد كان حريصا على المشاركة، مساهما بخبرته، وقريبا من القضايا المطروحة في الميدان، وكان يمسك بملف الاتصالات باقتدار، ويتابع انتشار التغطية التي تقدمها شركات الاتصالات في الولايات، والتحديات التي تواجهها في الوصول إلى المناطق البعيدة، والجهود المبذولة لسد فجوات التغطية وتوسيع خدمات الاتصال، وقد أتاح له هذا الحضور المتواصل أن ينقل صورة واقعية عن احتياجات الولايات، وأن يعمل مع الجهات المختصة والشركات على معالجة المشكلات وتوسيع نطاق الخدمة، إيمانا منه بأن الاتصالات حق أساسي، وركيزة من ركائز التنمية والتحول الرقمي.

المهندس الإنسان مصطفى عبدالحفيظ كان قريبا من زملائه، متواضعا في تعامله، هادئا في نقاشه، بشوشا في مجلسه، يحترم الرأي الآخر، ويقدم النصح بلا خوف لقادة الدولة وصناع القرار، ويؤمن بأن النجاح دائما يتحقق بروح الفريق وتبادل الخبرة.

آمن الراحل المقيم أن بناء المؤسسات لا يقوم على اللوائح والقرارات وحدها، بل يقوم على الرجال الذين يملكون العلم، ويؤدون واجبهم بإخلاص، ويغرسون الخبرة في الأجيال التي تأتي بعدهم، فالمناصب تذهب، أما الأثر الذي يتركه الإنسان في الناس وفي المؤسسات فهو الذي يبقى.

اليوم وفي هذا الزمن الذي تتسارع فيه التقنيات، تظل الأوطان في حاجة إلى رجال من طراز الباشمهندس مصطفى عبد الحفيظ، رجال يجمعون بين المعرفة العميقة، والخبرة العملية، والنزاهة، والإخلاص، ويؤمنون بأن بناء الإنسان يسبق بناء الأنظمة، وأن نهضة الأوطان تبدأ بعقول أبنائها.

وكأن الله أراد أن تكون خاتمة حياته امتدادا لطريقته في الحياة، فقد ظل يؤدي واجبه حتى آخر يوم من عمره، يمارس عمله بكل ما عرف عنه من التزام وإخلاص، ثم انصرف بعد يوم حافل بالعطاء، بعد أن صلى المغرب والعشاء مع رفيقه الدكتور عمار البحر، وكانت تلك آخر محطاته في هذه الدنيا، وانتقل إلى جوار ربه في هدوء وسكينة، وهكذا عرفنا مصطفى عبد الحفيظ، هادئا في حضوره، هادئا في عمله، وهادئا حتى في رحيله الأبدي.

غادر الدنيا كما عاش فيها، تاركا خلفه سيرة طيبة، وعلما نافعا، وأثرا سيبقى شاهدا على رجل من جيل البناة.

رحم الله أخي وصديقي وزميلي الباشمهندس مصطفى عبد الحفيظ وداعة الله، وجزاه عن وطنه خير الجزاء، وجعل علمه، وعمله، وما قدمه من خدمة صادقة، في ميزان حسناته، ونسأل الله أن يخلف البركة في ذريته، وأن يبارك لهم فيما تركه من سيرة طيبة وذكر حسن، وأن يربط على قلب والدته، وزوجته، وأبنائه، وإخوانه، وسائر أهله ومحبيه، وأن يلهمهم الصبر الجميل، وأن يجمعهم به في مستقر رحمته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك رد

error: Content is protected !!