الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

إذ كان لا بد، فليكن الحوار السوداني مبدئياً كما كان الاستقلال

محمد الحاج

تتجه الأنظار هذه الأيام إلى مرحلة جديدة ومفصلية في تاريخ السودان ومستقبل أجياله القادمة. ففتح باب حوار شامل تُعد من أكثر العمليات الوطنية تعقيدًا وحساسية في هذا التوقيت؛ فمن ناحية ما تزال الحرب مستعرة في أجزاء من البلاد، ومن ناحية أخرى ما يزال ملايين السودانيين مشتتين في بقاع الأرض، نازحين ولاجئين ومهاجرين، يحملون هم الوطن وأحلام العودة إلى دولة آمنة ومستقرة.

وهنا يكمن جوهر القضية؛ فالعودة إلى ما كان عليه السودان قبل اندلاع الحرب لم تعد خيارًا مقبولًا لدى قطاعات واسعة من الشعب السوداني. فالأزمة الحالية لم تصنعها الحرب وحدها، وإنما هي نتاج تراكمات سياسية واقتصادية وإدارية امتدت لعقود طويلة. ولذلك يبرز السؤال المشروع: ماذا يمكن أن يقدم الحوار السوداني السوداني هذه المرة؟ وهل ينجح فيما أخفقت فيه محطات الحوار السابقة؟

منذ استقلال السودان في الأول من يناير 1956، شهدت البلاد العديد من المبادرات والمؤتمرات والحوارات الوطنية التي هدفت إلى معالجة أزمات الحكم والهوية والتنمية والسلام. ومن أبرز هذه المحطات مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 الذي سعى إلى معالجة القضية الجنوبية، واتفاقية أديس أبابا عام 1972 التي نجحت في إيقاف الحرب الأهلية الأولى لما يقارب العقد من الزمان، ثم اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) عام 2005 التي أنهت أطول الحروب الأهلية في أفريقيا ومهدت لمرحلة جديدة من التحول السياسي.

كما شهد السودان مشروع الحوار الوطني الذي أُعلن عنه في يناير 2014 واختُتم في أكتوبر 2016 بوثيقة وطنية شملت توصيات واسعة تتعلق بالحكم والهوية والحريات والسلام والاقتصاد. وقد مثّل هذا الحوار فرصة مهمة لفتح باب النقاش بين عدد من القوى السياسية والمجتمعية، وأسفر عن توصيات ومخرجات مهمة على المستوى النظري. إلا أن غياب عدد من القوى السياسية الرئيسية والحركات المسلحة، وضعف آليات التنفيذ والضمانات، جعلا كثيرًا من تلك المخرجات غير قادر على تحقيق التحول الوطني المنشود.

وبينما نجحت بعض الحوارات السابقة في تحقيق مكاسب جزئية، فإنها لم تنجح في معالجة جذور الأزمة السودانية بصورة شاملة ونهائية. فالمشكلة لم تكن في ندرة الحوارات، وإنما في ضعف تنفيذ مخرجاتها، وغياب التوافق الوطني الواسع حولها، واستمرار ثقافة الإقصاء والاستقطاب السياسي.

اليوم يختلف المشهد السوداني عن كل المراحل السابقة. فالسودان يعيش حربًا مدمرة منذ أبريل 2023 خلفت أوضاعًا إنسانية وأمنية واقتصادية غير مسبوقة، وأعادت طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بشكل الدولة وطبيعة الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم ومستقبل المؤسسات الوطنية.

ولذلك فإن أي حوار سوداني سوداني هذه المرة لا يمكن أن يُبنى على قواعد الماضي أو يستنسخ تجارب لم تحقق أهدافها كاملة.
وفي هذا السياق برز الإعلان الأخير عن تشكيل لجنة مستقلة لتهيئة الحوار السوداني السوداني، والتي أعلنت أن مهمتها تقتصر على بناء الثقة وإجراء المشاورات الأولية وتهيئة المناخ لحوار وطني شامل داخل السودان، دون فرض أجندة مسبقة أو إقصاء لأي طرف. كما أكدت أهمية توفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، وضرورة أن يكون الحوار سودانيًا خالصًا وتُصاغ مخرجاته بإرادة وطنية مستقلة.

ورغم الترحيب الذي أبدته بعض الجهات الإقليمية والدولية بالمبادرة مثل مفوضية الاتحاد الأفريقي، فإن نجاحها لن يتحقق بالإعلانات وحدها، بل بقدرتها على بناء الثقة بين السودانيين وإقناع مختلف الأطراف بأن الحوار ليس منصة للغلبة السياسية أو إعادة إنتاج الأزمة، وإنما وسيلة وطنية للاتفاق على مستقبل الدولة.

ولكي يحقق هذا الحوار نتائج نهائية ومستدامة، فإن المطلوب هذه المرة يختلف عن كل ما سبق. فمن الضروري الاتفاق أولاً على الحد الأدنى من الأولويات الوطنية، وفي مقدمتها حماية وحدة السودان، والحفاظ على مؤسسات الدولة، ومعالجة الأزمة الاقتصادية و الإنسانية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، ثم الانتقال إلى القضايا الأكثر تعقيدًا المتعلقة بالدستور ونظام الحكم وتوزيع السلطة والثروة.

كما أن نجاح الحوار يتطلب مشاركة جميع مكونات المجتمع السوداني دون استثناء أو إقصاء؛ من الأحزاب السياسية، والإدارات الأهلية، ومنظمات المجتمع المدني، والطرق الصوفية، والنقابات المهنية، والمرأة، والشباب، والنازحين واللاجئين، ورجال الأعمال، والأكاديميين، والقيادات المجتمعية في الولايات والأقاليم المختلفة. فالسودان اليوم بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يكتبه جميع أبنائه لا نخبة سياسية محدودة.

ومن الأهمية بمكان ألا يقتصر الحوار على النخب السياسية وحدها، وإنما يجب أن يمتد إلى القرى والفرقان والأحياء والجامعات والأسواق ومعسكرات النزوح ومجتمعات المهجر، حتى تصبح مخرجاته معبرة عن الإرادة الشعبية الحقيقية. فكل سوداني تضرر من الحرب هو صاحب مصلحة مباشرة في السلام والاستقرار وإعادة بناء الدولة.

إن استكمال هياكل السلطة الانتقالية يجب أن يكون أحد المخرجات الرئيسية لهذا الحوار. فالدولة تحتاج إلى مؤسسات مدنية فاعلة وقادرة على إدارة المرحلة المقبلة، وتحديد اختصاصات الأجهزة التنفيذية والتشريعية، ووضع جدول زمني واضح للانتقال السياسي، وصولًا إلى انتخابات حرة ونزيهة تعبر عن إرادة الشعب السوداني.

وإذا كان الاستقلال السوداني قد تحقق عبر توافق وطني واسع جمع السودانيين حول هدف واحد هو بناء الدولة المستقلة، فإن اللحظة الراهنة تتطلب روحًا مشابهة من المسؤولية الوطنية. فالسودان لا يحتاج اليوم إلى منتصر ومهزوم، ولا إلى غالب ومغلوب، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني جامع يؤسس لسلام دائم ودولة عادلة ومواطنة متساوية.

إن الحوار السوداني السوداني ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإنقاذ الوطن. وإذا كان لا بد من الحوار، فليكن حوارًا حقيقيًا وشاملًا، يستوعب جميع القضايا ، ويعترف بأخطاء الماضي، ويضع مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية والشخصية الضيقة. عندها فقط يمكن أن يكون هذا الحوار بدايةً فعليةً لمرحلة جديدة، كما كان الاستقلال بدايةً لعهد جديد قبل سبعين عامًا.

اترك رد