الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الكرمك تتحرر… ماذا يغيّر انتصار النيل الأزرق في مسار الحرب المفروضة على السودان!؟

السفير د. معاوية التوم

لم يكن إعلان القوات المسلحة السودانية اليوم استعادة مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق مجرد تقدم ميداني جديد، وإنما يمثل محطة ذات دلالات عسكرية وأمنية استراتيجية وسياسية تتجاوز حدود المدينة نفسها. فالكرمك ليست بلدة حدودية عادية، وإنما إحدى أهم البوابات الشرقية للسودان، بما تمثله من قيمة جغرافية وأمنية واقتصادية، فضلاً عن رمزيتها التاريخية في الصراعات التي شهدها الإقليم. والتجارب التي خاضتها هذه المنطقة في التاريخ الحديث، وما واجهته من تحديات، أثبتت أنها عصية على الاحتلال ومقاصد الأعداء.

ويأتي هذا التطور في سياق سلسلة من العمليات العسكرية التي نفذها الجيش السوداني خلال الأشهر الأخيرة ضد تمرد الدعم السريع وداعميه من داخل الاقليم وخارجه، والتي أفضت إلى استعادة مساحات واسعة من الأراضي، والانتقال من مرحلة الدفاع واحتواء التمرد إلى مرحلة المبادأة والهجوم واستعادة السيطرة على المراكز الحيوية، وتأمين هذا الثغر الاستراتيجي.

أولاً: أهمية الكرمك الاستراتيجية

تقع الكرمك على الحدود السودانية الإثيوبية، وتشكل إحدى أهم نقاط العبور نحو إقليم بني شنقول الإثيوبي، كما تمثل بوابة ولاية النيل الأزرق الشرقية. وتكمن أهميتها في عدة اعتبارات:

• تأمين الحدود الشرقية ومنع استخدامها ممراً لتسلل العناصر المسلحة.

• قطع خطوط الحركة والإمداد التي يمكن أن تستفيد منها الجماعات المتمردة.

• تعزيز الأمن في واحدة من أكثر المناطق حساسية في السودان.

• تأمين الطريق الرابط بين النيل الأزرق وبقية ولايات السودان.

ومن ثم فإن السيطرة عليها تعني استعادة الجيش لإحدى العقد الأمنية المهمة في شرق البلاد، وانعكاسات ذلك على المنطقة بما يشمل جبال النوبة وجنوب كردفان.

ثانياً: رسالة بأن الحرب لم تعد محصورة في المركز

أحد أهم الدلالات أن الجيش بات يدير الحرب باقتدار على أكثر من محور في الوقت نفسه.فبينما تستمر العمليات في دارفور وكردفان وعلى بعض حدودنا الممتدة ، تتقدم القوات أيضاً في النيل الأزرق، وهو ما يعكس:

• اتساع القدرة العملياتية للقوات المسلحة.

• تحسن منظومة القيادة والسيطرة.

• تراجع قدرة المليشيا على الاحتفاظ بجيوب متباعدة جغرافياً، وحالة الانهيار الداخلي التي تواجهها.

وهذا التحول يعكس انتقال الجيش من رد الفعل إلى فرض إيقاع العمليات العسكرية، لاجل محاصرة التمرد في المحور الغربي.

ثالثاً: تضييق الخناق على المليشيا

خلال الأشهر الأولى من الحرب اعتمدت المليشيا بصورة كبيرة على الحركة والانتشار عبر أطراف السودان وحدوده المفتوحة.أما استعادة الكرمك فتضيف حلقة جديدة إلى عملية إغلاق تلك المنافذ، بما يؤدي إلى:

• تقليص هامش المناورة.

• تقليل فرص إعادة التموضع.

• زيادة صعوبة الحصول على الإمدادات البشرية واللوجستية.

• رفع كلفة استمرار العمليات المسلحة.

• تراجع الأوضاع الامنية في هذا الشريط الحدودي

وكلما تقلصت المساحات المتاحة، أصبحت المليشيا أكثر انكشافاً أمام العمليات العسكرية.

رابعاً: انعكاسات سياسية ودبلوماسية

لا تنفصل التطورات العسكرية عن المشهد السياسي.فكل تقدم يحققه الجيش يعزز عدة رسائل أمام المجتمع الدولي:

أولاً، أن الدولة السودانية ما تزال تمتلك مؤسساتها العسكرية القادرة على فرض السيطرة و سيادة القانون والتقدم الميداني.

ثانياً، أن الرهان على فرض واقع عسكري جديد بواسطة المليشيات أصبح أكثر صعوبة.

ثالثاً، أن أي عملية سياسية مستقبلية لا يمكن أن تتجاهل موازين القوى الجديدة التي تفرضها التطورات الميدانية وانتصارات القوات المسلحة.

وبالتالي فإن المكاسب العسكرية تتحول تدريجياً إلى أوراق تفاوضية وسياسية.

خامساً: انعكاسات على النيل الأزرق

ظلت ولاية النيل الأزرق خلال السنوات الماضية إحدى الولايات الحساسة أمنياً، بسبب موقعها الحدودي والتداخلات الإقليمية، والتأثيرات الخارجية بفتح جبهات لإنهاك الجيش.

ومن شأن استعادة الكرمك أن تفتح الباب أمام:

• عودة المؤسسات الحكومية.

• تحسين الأوضاع الإنسانية.

• تأمين حركة المواطنين والتجارة.

• تشجيع عودة النازحين.

• استعادة النشاط الاقتصادي المحلي.

فالاستقرار الأمني يمثل المدخل الطبيعي لأي عملية تنموية.

سادساً: الأثر الاستراتيجي

لا تقتصر أهمية تحرير مدينة الكرمك على استعادة السيطرة على مدينة حدودية ذات أهمية استراتيجية، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل البيئة العملياتية للحرب على المستوى الوطني. فالسيطرة على الكرمك تؤمّن الجبهة الشرقية، وتغلق أحد منافذ التسلل والإمداد، وتمنح القوات المسلحة مرونة أكبر في توجيه مواردها وقدراتها نحو مسرح العمليات الرئيسي في غرب البلاد.

وفي هذا السياق، فإن محوري كردفان ودارفور يمثلان جبهة عمليات واحدة مترابطة؛ إذ إن أي تراجع تتعرض له المليشيا في أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر، بحكم وحدة خطوط الإمداد، وتشابك حركة القوات، ووحدة القيادة الميدانية والراعي الإقليمي للحرب . ومن ثم فإن الإنجازات المتحققة في الكرمك تسهم بصورة غير مباشرة في زيادة الضغط العسكري على المليشيا عبر المحور الغربي بأكمله، وتحد من قدرتها على المناورة وإعادة الانتشار أو الدفع بالتعزيزات، بما يعزز فرص استكمال العمليات العسكرية، واستعادة السيطرة على مدن كردفان ودارفور، وفك الحصار عن المناطق المتأثرة بالنزاع، وصولاً إلى استعادة سيادة الدولة على كامل أراضي.

وينظر كثير من المراقبين إلى معركة الكرمك باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على استعادة الأطراف قبل استكمال الحسم في الغرب.

فالجيش يسعى إلى:

• تأمين خطوطه الخلفية.

• منع فتح جبهات جديدة.

• تركيز الجهد العسكري على دارفور وكردفان.

ومن ثم فإن نجاح العمليات في النيل الأزرق يمنح القيادة العسكرية مرونة أكبر في إعادة توزيع القوات والموارد نحو مسارح العمليات الرئيسية.

سابعاً: البعد المعنوي

في الحروب الطويلة، لا تقل المعركة النفسية أهمية عن المعركة العسكرية. ويمثل تحرير الكرمك دفعة معنوية مهمة:

• للقوات المسلحة.

• للقوات المشتركة والمساندة.

• للمواطنين في المناطق المتأثرة بالحرب.

• وللرأي العام السوداني ، والجوار والاقليم الذي يتابع تطورات المعركة.

كما يبعث برسالة إلى المليشيا بأن فقدان المواقع أصبح يتسارع بصورة يصعب تعويضها.

ثامناً: هل تغيرت معادلة الحرب؟

يصعب القول إن الحرب انتهت أو أن نهايتها أصبحت وشيكة، غير أن المؤشرات الحالية توحي بتحول مهم ووازن في ميزان العمليات واطراد التقدم.

فإذا استمرت القوات المسلحة في تحقيق تقدم متزامن على أكثر من جبهة، مع المحافظة على خطوط الإمداد واستقرار المناطق المستعادة، فإن ذلك قد يؤدي إلى:

• تقليص مناطق نفوذ المليشيا.

• زيادة الضغوط العسكرية عليها.

• رفع تكلفة استمرار القتال.

• تعزيز فرص استعادة الدولة لسيطرتها على كامل التراب الوطني.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهيناً باستمرار الزخم العملياتي، وتأمين المناطق المحررة، وتحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار إداري وخدمي يمنع عودة مظاهر الانفلات وحالة الهشاشة الامنية.

خاتمة

إن تحرير الكرمك ليس مجرد انتصار ميداني يضاف إلى سجل العمليات العسكرية، بل يمثل مؤشراً على تحول أوسع في إدارة الحرب ومساراتها. فالسيطرة على مدينة حدودية ذات أهمية استراتيجية تعكس قدرة الدولة والجيش على استعادة زمام المبادرة، وتؤكد أن المعركة لم تعد تقتصر على استعادة الأرض، وإنما تمتد إلى إعادة بناء هيبة الدولة، وتأمين حدودها، وتهيئة البيئة اللازمة لعودة المؤسسات المدنية والحياة الطبيعية.

وإذا كانت الخرطوم قد مثلت نقطة التحول الكبرى في ميزان الصراع، فإن الكرمك بتاريخها البطولي تؤكد أن معركة استعادة الأطراف تسير في الاتجاه نفسه، وأن الطريق إلى دارفور وكردفان، بما تمثله من ثقل عسكري وسياسي، قد بات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، لتغدو هذه الانتصارات حلقات متصلة في مشروع حرب الكرامة واستعادة سيادة الدولة على كامل الجغرافيا السودانية.

اترك رد

error: Content is protected !!