الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

السودان والاتهام الأمريكي… جدل الأدلة ومشروعية العقوبات

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

يقوم النظام القانوني الدولي على مبدأ جوهري مؤداه أن خطورة الاتهام تفرض دقة الإجراء، وأن جسامة العقوبة تستوجب سلامة مسار التحقق. لذلك أحاطت الاتفاقيات الدولية القضايا ذات الحساسية العالية، وفي مقدمتها اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، بمنظومة دقيقة من القواعد والإجراءات الفنية، حتى لا تصبح خاضعة للتقديرات السياسية أو الأحكام المنفردة، وبما يكفل حماية العدالة وصون مصداقية القانون الدولي.

وتعد الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية من أخطر القضايا التي يمكن أن تواجه أي دولة، لما يترتب عليها من آثار قانونية وسياسية وأخلاقية تتجاوز حدود الواقعة محل الاتهام، لتطال مكانة الدولة ومؤسساتها وعلاقاتها الخارجية. ومن هذا المنطلق، يثير البيان الأخير لوزارة الخارجية الأمريكية بشأن السودان جملة من التساؤلات الجوهرية حول العلاقة بين القانون والسياسة، وحدود الاختصاص الدولي، وآليات التحقق، ومدى الالتزام بالإجراءات التي أقرها المجتمع الدولي لمعالجة مثل هذه القضايا.

وقد أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات إضافية على الحكومة السودانية، بدعوى أنها توصلت إلى أن السودان استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024م، واتهمت الخرطوم بعدم الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ورفضها الاعتراف بما تزعم واشنطن أنه وقع، مع التأكيد على أن أي لجنة تحقيق وطنية لا يمكن أن تكون بديلاً عن آليات التحقق المستقلة التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

ولا شك أن هذه الاتهامات بالغة الخطورة، لأنها تمس المكانة القانونية للسودان، وتضع قواته المسلحة في موضع اتهام أمام المجتمع الدولي. كما أن الاتهامات بهذا المستوى لا تحتمل الاستنتاجات السياسية أو الترجيحات الإعلامية، وإنما تستوجب أدلة فنية قاطعة، وإجراءات تحقق مستقلة، وفق الآليات التي أقرتها الاتفاقيات الدولية ذاتها.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا جاء هذا القرار في هذا التوقيت؟ فالتوقيت في العلاقات الدولية نادراً ما يكون منفصلاً عن السياق السياسي. فقد صدر البيان الأمريكي في مرحلة تشهد فيها الحرب السودانية تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، بالتزامن مع تصاعد التنافس حول مستقبل السودان وتوازنات البحر الأحمر والإقليم. ومن ثم، فإن قراءة القرار بمعزل عن هذا السياق تبدو قراءة غير مكتملة، لأن الأدوات القانونية كثيراً ما تتقاطع مع الحسابات السياسية في إدارة الأزمات الدولية. وهذه الملاحظة لا تعني نفي صحة الاتهامات أو تأكيدها، وإنما تؤكد أن فهم الحدث يقتضي النظر إلى أبعاده كافة، لا إلى نص البيان وحده.

وقد جاء الموقف السوداني واضحاً في رفض هذه المزاعم، مؤكداً عدم استخدام أي أسلحة كيميائية، ومجدداً التزام السودان باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وواصفاً العقوبات بأنها إجراءات أحادية تفتقر إلى الشرعية الدولية. ومن الناحية القانونية، يستند هذا الموقف إلى أن الاتفاقية أنشأت منظمة متخصصة وآليات فنية للتحقق، ولم تجعل الفصل في مثل هذه القضايا خاضعاً لإرادة دولة واحدة، مهما كان وزنها السياسي أو العسكري.

وهنا تبرز إحدى أهم الإشكالات في القرار الأمريكي؛ إذ يبدو أن واشنطن انتقلت من مرحلة الاشتباه إلى مرحلة العقوبة قبل الإعلان عن اكتمال مسار تحقق دولي تتوافر فيه الشفافية والاستقلالية. وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام بالإجراءات التي أرستها اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وحول ما إذا كانت الاعتبارات السياسية قد سبقت الاعتبارات القانونية والفنية.

وتكشف القراءة الأوسع للمشهد أن الولايات المتحدة ظلت، طوال سنوات الحرب السودانية، تتبنى مواقف رأى كثير من السودانيين أنها لم تعكس الحياد الكامل، سواء في بطء تعاملها مع الانتهاكات الواسعة التي تعرض لها المدنيون، أو في محدودية الضغوط التي مارستها على الجهات الإقليمية المتهمة بدعم وتسليح وتمويل المليشيات، أو في تفاوت مستوى الحزم في التعامل مع أطراف الصراع المختلفة. ولذلك، فإن الاتهام الأخير لن يُقرأ داخل السودان بمعزل عن هذا الإرث السياسي، الذي ترك أثراً واضحاً على مستوى الثقة في حيادية الموقف الأمريكي، بصرف النظر عن الموقف من مضمون الاتهامات نفسها.

ولا يعني الدفاع عن السودان التقليل من أهمية القانون الدولي أو من خطورة استخدام الأسلحة المحظورة. فالسودان، إذا كان واثقاً من سلامة موقفه، تقتضي مصلحته الوطنية أن يكون أول المطالبين بتحقيق مهني ومحايد ومستقل، لأن الحقيقة التي تثبتها الآليات القانونية الدولية ستكون أكثر قوة واستدامة من أي اتهام سياسي أو حملة إعلامية.

وفي المقابل، فإن العدالة الدولية لا تستقيم إذا اقتصرت على ملف واحد، بينما تُغفل انتهاكات جسيمة وثقتها تقارير عديدة بشأن الحرب في السودان، شملت استهداف المدنيين، والقتل الجماعي، والتهجير القسري، والعنف الجنسي، ونهب المدن والقرى، مع استمرار الحديث عن شبكات دعم وتسليح وتمويل عابرة للحدود. فإذا كان المجتمع الدولي حريصاً على ترسيخ العدالة، فإن هذه العدالة تقتضي التعامل مع جميع الانتهاكات بالمعيار نفسه، بعيداً عن الانتقائية أو الازدواجية.

وإذا أصبح الاتهام بديلاً عن التحقيق، والعقوبة بديلاً عن العدالة، فإن القانون الدولي يفقد أحد أهم مقوماته، وهو الحياد. فقوة القانون لا تنبع من سلطة من يطبقه، وإنما من نزاهة إجراءاته، واستقلال مؤسساته، ومساواة جميع الدول أمام أحكامه.

ومن المهم التذكير بأن القوات المسلحة السودانية مؤسسة وطنية نظامية تمتد جذورها لأكثر من قرن، وتعمل وفق بنية عسكرية احترافية وتقاليد مؤسسية راسخة. وقد ظلت، عبر تاريخها، جزءاً من مؤسسات الدولة السودانية، وتستند في عقيدتها العسكرية إلى مبادئ الانضباط العسكري واحترام القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. ولذلك، فإن أي اتهام باستخدام أسلحة محظورة يقتضي أن يقوم على أدلة فنية وقانونية دامغة، وأن يخضع لإجراءات التحقق التي أقرتها المنظومة الدولية، حفاظاً على العدالة ومصداقية القانون الدولي.

وإذا كان البيان الأمريكي يمثل تحدياً سياسياً وقانونياً للسودان، فإن التعامل معه ينبغي أن يكون تعاملاً مؤسسياً تتكامل فيه أدوات القانون والدبلوماسية والإعلام، بعيداً عن ردود الأفعال الآنية.

فعلى المستوى القانوني، ينبغي أن يبادر السودان إلى طلب تفعيل جميع الآليات المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في أي إجراءات تحقق مهنية ومحايدة، مع تشكيل فريق وطني يضم خبرات قانونية وفنية متخصصة لإدارة الملف، وإعداد المذكرات القانونية، وحشد الدعم داخل المنظمات الدولية، بما يضمن أن تُناقش القضية في إطار قواعد القانون الدولي، لا وفق موازين القوة السياسية.

وعلى المستوى الدبلوماسي، فإن المطلوب تحرك واسع مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، والدول العربية والأفريقية والإسلامية، والدول الصديقة، لشرح الموقف السوداني بالأدلة والوثائق، وتوسيع دائرة التواصل السياسي، حتى يستند الرأي الدولي إلى صورة متوازنة ومكتملة للوقائع.

أما على المستوى الإعلامي، فإن كسب ثقة الرأي العام الدولي يتطلب خطاباً مهنياً يخاطب العالم بلغاته المختلفة، ويقوم على الحقائق والوثائق والشهادات الموثقة، بعيداً عن الانفعال أو الخطاب التعبوي. فالتجربة الدولية تؤكد أن الصورة الذهنية كثيراً ما تتشكل في المراحل الأولى للأزمات، ومن ثم يصبح الاستثمار في الإعلام المهني جزءاً أساسياً من إدارة أي ملف دولي.

وعلى المستوى المؤسسي، تبرز أهمية مواصلة ترسيخ ثقافة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وتعزيز أنظمة التوثيق والرقابة والتدريب داخل القوات المسلحة، بما يدعم مهنيتها، ويعزز الثقة في التزامها بالقواعد القانونية، ويحد من فرص استغلال الوقائع أو تأويلها لأغراض سياسية.

ويمثل البيان الأمريكي اختباراً لقدرة السودان على إدارة ملف دولي بالغ الحساسية بمنهج مؤسسي يجمع بين القانون والدبلوماسية والإعلام في إطار رؤية وطنية متماسكة. فمثل هذه القضايا لا تُحسم بسلامة الموقف وحدها، وإنما بقدرة الدولة على عرض هذا الموقف والدفاع عنه وفق القواعد التي تحكم العلاقات الدولية.

ويبقى احترام القانون الدولي رهيناً باحترام إجراءاته قبل نتائجه. فحين تسبق العقوبة اكتمال مسار التحقق، أو تتداخل الاعتبارات القانونية مع الحسابات السياسية، لا يقتصر الأمر على نزاع يتعلق بدولة بعينها، بل يمتد إلى اختبار مصداقية النظام الدولي نفسه. ومن هنا، فإن ما يواجهه السودان اليوم يتجاوز حدود هذا الملف، ليطرح سؤالاً أوسع حول قدرة المؤسسات الدولية على ترسيخ العدالة بوصفها قاعدة عامة تُطبق على الجميع، لا أداة تتأثر بموازين القوة أو اعتبارات السياسة.

اترك رد

error: Content is protected !!