السودان في البيان المصري–الصيني… السيادة والنيل والبحر الأحمر في معادلة واحدة

في البيانات المشتركة بين الدول، تكتسب بعض العبارات أهميتها من السياق الذي وردت فيه أكثر مما توحي به صياغتها المباشرة. ومن هذه الزاوية يجب ان نتوقف عما ورد بشأن السودان في البيان المشترك الصادر في القاهرة عن القمة التي جمعت الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال زيارة الأخير إلى مصر، وهي زيارة جاءت في الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وفي لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات واسعة في موازين القوة والشراكات الدولية.
فالبيان تجاوز الدعوة إلى وقف الحرب في السودان، ووضع معها مجموعة من المبادئ بالغة الدلالة؛ شمل ذلك احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والعمل من أجل وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية. وهي عناصر تقدم، إذا قُرئت مجتمعة، تصوراً واضحاً لطبيعة التسوية التي ترى القاهرة وبكين أنها يمكن أن تقود السودان إلى الاستقرار.
وأهمية هذه الصياغة أنها تبدأ بالدولة قبل العملية السياسية.
فالأزمة السودانية تجاوزت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م حدود الصراع على السلطة، وأصبحت تهديداً مباشراً لبنية الدولة ومؤسساتها وسيادتها ووحدة أراضيها. ولهذا فإن التأكيد على «الحفاظ على المؤسسات الوطنية» يضع قضية السودان في إطارها الصحيح؛ وهي أن إنهاء الحرب ينبغي أن يقود إلى استعادة الدولة لقدرتها ووحدتها وسلطتها، بما يغلق الطريق أمام أي ترتيبات تكرس تعدد الجيوش أو مراكز القوة أو مناطق النفوذ.
أما الحديث عن «عملية سياسية شاملة بملكية سودانية»، فيحمل رسالة أخرى لا تقل أهمية. فالسودان يحتاج إلى دعم إقليمي ودولي للخروج من الحرب، مع الحفاظ على قراره الوطني ومنع تحول المساعدة الخارجية إلى وصاية على مستقبله السياسي. يمكن للعالم أن يسهل الحوار، ويدعم وقف الحرب والإعمار، لكن السودانيين هم الذين ينبغي أن يحددوا شكل دولتهم ونظام حكمهم وترتيبات انتقالهم السياسي.
وتتضاعف أهمية البيان عند الانتقال من الفقرة الخاصة بالسودان إلى ما ورد بشأن القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فقد أكد الرئيسان أن استقرار القرن الأفريقي يتطلب احترام سيادة دوله ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، وأن المسؤولية الرئيسية عن حوكمة البحر الأحمر وأمنه تقع على الدول المشاطئة، مع احترام إرادتها وتعزيز التعاون بينها لضمان أمن الملاحة والتجارة الدولية.
وهنا يصبح السودان حاضراً في أكثر من موضع، حتى عندما لا يُذكر اسمه صراحة.
فالسودان جزء من المجال الاستراتيجي للقرن الأفريقي، ودولة مشاطئة للبحر الأحمر، ويمتلك ساحلاً ممتداً وموقعاً يتوسط المجال البحري بين قناة السويس وباب المندب. ومن ثم فإن استعادة استقراره قضية تتصل أيضاً باستقرار منظومة البحر الأحمر بأكملها.
فكلما ضعفت الدولة السودانية ازدادت قابلية ساحلها وموانئها ومجالها البحري لأن تصبح ساحة للتنافس الخارجي، وكلما استعادت مؤسساتها وقدرتها وسيادتها أصبحت شريكاً أكثر فاعلية في بناء منظومة إقليمية لحماية البحر الأحمر.
والقول إن حوكمة البحر الأحمر وأمنه مسؤولية دوله المشاطئة يحمل دلالة استراتيجية مهمة للسودان؛ فهو ينسجم مع ضرورة تجنب ترتيبات أمنية تُفرض على البحر الأحمر من خارجه أو تُدار بمعزل عن الدول المطلة عليه. والتعاون الدولي يظل ضرورياً بحكم عالمية الملاحة والتجارة، مع احتفاظ الدول المشاطئة بالدور المركزي في تحديد أولويات أمن البحر وترتيباته.
وتزداد دلالة هذا الموقف لصدوره عن الصين، وهي قوة دولية كبرى ترتبط مصالحها مباشرة بأمن طرق التجارة والموانئ وسلاسل الإمداد، وعن مصر التي تمثل ثقلاً استراتيجياً محورياً في شمال البحر الأحمر بحكم موقعها وقناة السويس. ولذلك فإن توافق القاهرة وبكين على مركزية الدول المشاطئة يمنح هذا المبدأ ثقلاً يتجاوز حدود البيان، ويضع أمام السودان فرصة لتعزيز موقعه داخل أي رؤية إقليمية مستقبلية لأمن البحر الأحمر.
غير أن قراءة الموقف الصيني بالنسبة للسودان تتجاوز البحر الأحمر إلى النيل، وهو شريان أمن مائي وغذائي وتنموي لا يقل في أهميته الاستراتيجية عن الساحل والبحر. وهنا تكتسب علاقات الصين بكل من مصر وإثيوبيا أهمية خاصة؛ فبكين ترتبط بالقاهرة بشراكة استراتيجية شاملة، كما ترتبط بأديس أبابا بعلاقات استراتيجية واقتصادية واستثمارية واسعة، بينما يقع السودان في قلب معادلة النيل ويتأثر مباشرة بالخلاف حول سد النهضة ومستقبل إدارة مياه النهر.
وهذه الشبكة من العلاقات تمنح الصين، متى توافرت الإرادة السياسية لدى الأطراف، مساحة للمساعدة في تقريب المواقف بين مصر وإثيوبيا والسودان، وخفض التوتر، وتشجيع تفاهمات تراعي المصالح والحقوق المائية للدول الثلاث. فبكين ليست طرفاً مباشراً في الخلاف، لكنها تملك من العلاقات والمصالح والنفوذ الاقتصادي ما يمكن أن يمنح دبلوماسيتها وزناً إذا اختارت توظيفه في هذا الاتجاه.
ومن الزاوية نفسها يمكن النظر إلى الأزمة السودانية وعلاقتها بإثيوبيا. ففي ظل الاتهامات السودانية المتكررة لأديس أبابا بتسهيل أنشطة وإمدادات مرتبطة بمليشيا الدعم السريع، وما أثارته التطورات على الحدود الشرقية والنيل الأزرق من مخاوف أمنية متزايدة، تصبح العلاقة الوثيقة بين بكين وأديس أبابا ذات أهمية مباشرة للسودان. فالصين، بما تمتلكه من مصالح ونفوذ وعلاقات مع إثيوبيا، يمكنها الدفع باتجاه احترام سيادة السودان ومنع استخدام أراضي دول الجوار أو إمكاناتها في تغذية الحرب وإطالة أمدها.
وهنا يكتسب ما ورد في البيان عن احترام سيادة دول القرن الأفريقي ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية معنى عملياً أكبر؛ فالمبادئ السياسية تزداد قيمتها عندما تنعكس على السلوك الإقليمي، ويصبح احترام السيادة التزاماً يمنع التدخل في الصراعات الداخلية ويحد من تمدد آثار الحرب خارج حدود الدولة.
وهناك بعد آخر يتعلق بمبادرة «الحزام والطريق» الصينية. فالسودان، بموقعه الرابط بين الداخل الأفريقي والبحر الأحمر، وبموانئه وساحله وقربه من أحد أهم مسارات التجارة البحرية العالمية، يمتلك مقومات تضعه في قلب المبادرة، وتمنحه أهمية داخل شبكات الربط الاقتصادي واللوجستي التي تقوم عليها الرؤية الصينية.
ومن هذا المنظور، يحمل استقرار السودان قيمة اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدوده. فبلد مستقر يمتلك هذا الموقع وهذه الموارد يمكن أن يشكل مساحة مهمة للاستثمار في الموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة والتعدين والزراعة، وربط مناطق الإنتاج والأسواق في الداخل الأفريقي بالممرات البحرية على البحر الأحمر. وهكذا يصبح الموقع السوداني نفسه مورداً استراتيجياً يمكن توظيفه في إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد، متى أحسن السودان قراءة قيمته والتفاوض حولها.
وعند هذه النقطة يلتقي النيل بالبحر الأحمر والحزام والطريق في معادلة سودانية واحدة؛ النيل كشريان للأمن المائي والغذائي، والبحر الأحمر كبوابة للأمن البحري والتجارة، والموقع الجغرافي كجسر محتمل بين الداخل الأفريقي ومسارات الاقتصاد العالمي. وهي عناصر تمنح السودان أهمية أكبر مما توحي به ظروف الحرب الراهنة، وتجعل استقراره مصلحة إقليمية ودولية تتجاوز حدوده الوطنية.
ومن هنا ينبغي للسودان قراءة المواقف الواردة في البيان بوصفها نافذة عملية يمكن البناء عليها، تتجاوز قيمتها حدود الدعم الدبلوماسي. فالقاهرة تمثل عمقاً جغرافياً وأمنياً وسياسياً مباشراً، بينما تمثل بكين شريكاً دولياً له تاريخ مهم في الاقتصاد السوداني وقطاع النفط والبنية التحتية، ويتمتع بثقل متزايد في أفريقيا والشرق الأوسط ومجلس الأمن والمنظومة الدولية.
وهذه فرصة أمام الدبلوماسية السودانية لبناء رؤية أكثر نشاطاً تجاه البلدين، وتحويل المبادئ الواردة في البيان إلى مساحات عملية للتعاون؛ حيث يمكن دعم مؤسسات الدولة، ودعم الجهود الرامية إلى وقف تدفقات السلاح والمقاتلين عبر الحدود، ومساندة مسار سوداني–سوداني للحوار، والإسهام في إعادة الإعمار واستعادة الاستثمارات، وتطوير رؤية لأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتوظيف العلاقات الصينية الواسعة في الإقليم بما يخدم أمن السودان المائي والحدودي ومصالحه الاستراتيجية.
كما ينبغي أن تتحول الإشارة إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية إلى قاعدة واضحة في التعامل مع الأزمة السودانية؛ فالدعوة إلى وقف الحرب تفقد جانباً من معناها ما دامت شبكات الإمداد والتمويل والتدخل الخارجي مستمرة في تغذية الصراع وإطالة أمده. وحماية سيادة السودان تبدأ من احترام حقه في ألا تتحول أراضي دول الجوار أو موارد القوى الخارجية إلى أدوات لإدامة الصراع داخله.
وفي النهاية، تكمن القيمة الحقيقية للبيان المصري–الصيني بالنسبة للسودان في أنه يجمع بين السيادة والمؤسسات الوطنية والملكية السودانية للحل السياسي، ويضعها داخل رؤية أوسع لأمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بينما تفتح علاقات الصين ومصالحها الإقليمية دوائر أخرى تتصل بالنيل وإثيوبيا والحزام والطريق وإعادة الإعمار.
وهي معادلة تستحق أن يتوقف عندها السودان جيداً.
فمستقبل البلاد يبدأ بوقف الحرب، ويكتمل باستعادة الدولة ومؤسساتها، والسلام المستدام يحتاج إلى نظام سياسي ومؤسسات وطنية قادرة على حمايته، كما أن السيادة تظل منقوصة ما بقي القرار السياسي أو أمن الحدود والمياه والبحر عرضة لإرادات خارجية.
ومن القاهرة، تبدو الرسالة المصرية–الصينية واضحة؛ وتتلخص في أن السودان المستقر يبدأ من دولة موحدة ذات سيادة، ويقوم على حل يصنعه السودانيون أنفسهم. أما موقعه بين النيل والبحر الأحمر، فيمنحه فرصة تتجاوز التعافي من الحرب إلى استعادة مكانته دولةً فاعلة في معادلات الإقليم ومصالحه الكبرى.



