
ليست الكلمات مجرد أدوات لغوية محايدة نستخدمها للتعبير عن أفكارنا كما نشاء، فالمفردات التي تتداولها الأمم مع مرور الزمن تتحول تدريجياً إلى حوامل للمعنى، وإلى عدسات ذهنية تعيد تشكيل طريقة فهمنا للواقع وطبيعة استجابتنا له. وبعض الكلمات التي تبدو في ظاهرها بريئة أو إيجابية قد تتحول ـ إذا أسيء استخدامها ـ إلى أدوات خفية تعيد إنتاج الأزمات، أو تمنح الإنسان قدرة مقلقة على قبول ما كان ينبغي رفضه، والاعتياد على ما كان يفترض مقاومته.
ومن بين هذه المفردات تبرز كلمة التعايش بوصفها واحدة من أكثر الكلمات إثارة للتأمل.
في أصل معناها، تحمل هذه الكلمة دلالة إيجابية عميقة، فهي تعني القدرة على القبول المتبادل، واحترام التنوع، وتنظيم العلاقة مع المختلفين عرقياً أو دينياً أو ثقافياً أو سياسياً داخل إطار يحفظ السلم الاجتماعي ويمنع الانزلاق نحو الصراع. ولهذا ارتبط مفهوم التعايش في الوعي الإنساني بقيم نبيلة مثل التسامح، والتعددية، واحترام الآخر، والعيش المشترك، والقدرة على إدارة الاختلاف دون عنف أو إقصاء.
فالتعايش السلمي بين المكونات الوطنية يمثل قيمة إيجابية، كما أن التعايش مع قيم المواطنة التي تضع الوطن فوق الولاءات الضيقة يشكل أحد الأسس الضرورية لبناء الدولة الحديثة. كذلك فإن احترام حق الآخر في الاختلاف الفكري أو الثقافي أو الديني يمثل وجهاً حضارياً من وجوه التعايش الذي يثري الحياة العامة ويمنح الجماعة الوطنية القدرة على التطور والتماسك.
غير أن المشكلة تبدأ عندما تنتقل هذه المفردة من سياقها الطبيعي إلى فضاءات أخرى تكتسب فيها دلالة مختلفة تماماً.
فعندما يبدأ الحديث عن التعايش مع الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات الأساسية، والفساد الإداري، والصراعات والانقسامات الاجتماعية، فإن المفردة هنا تفقد بعدها الإيجابي تدريجياً، وتتحول إلى صيغة نفسية واجتماعية تكرّس الاعتياد على الخلل بدلاً من السعي إلى مقاومته.
فالإنسان حين يظل معرضاً لفترات طويلة للأوضاع المختلة يبدأ تدريجياً في فقدان حساسيته الطبيعية تجاهها، فتتراجع قدرته على إدراك خطورتها بالدرجة نفسها التي كانت تثير قلقه في بداياتها. ومع مرور الوقت، يتحول ما كان يبدو استثناءً مقلقاً إلى مشهد مألوف، ويغدو الواقع غير الطبيعي جزءاً عادياً من تفاصيل الحياة اليومية. ويظهر أثر ذلك بوضوح عندما يعتاد المواطن انقطاع الكهرباء، وندرة الوقود، وتراجع التعليم، وانهيار المؤسسات الصحية، ومشاهد النزوح والاقتتال، وخطابات الكراهية والانقسام الاجتماعي، إذ يعيد هذا التكرار تشكيل إدراك الإنسان للواقع حتى تصبح المأساة نفسها جزءاً اعتيادياً قابلاً للاستمرار، ويبدأ الوعي الجمعي في التكيف مع وضع كان ينبغي أن يظل موضع رفض دائم.
ومع استمرار هذا النمط من التكيف تتعرض الأمم لخسارة أكثر عمقاً من الأزمة ذاتها، إذ تبدأ تدريجياً في فقدان إرادتها الداخلية اللازمة للإصلاح والتغيير. وتبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في المجال السياسي حين تتكرر مشاهد الفساد، وسوء الإدارة، وضعف مؤسسات الدولة لفترات طويلة، فينتقل الوعي العام بهدوء من مرحلة رفض الخلل إلى مرحلة الاعتياد عليه، قبل أن يصل إلى مستوى يصبح معه الإصلاح مطلباً مؤجلاً لم يعد يستشعر الناس ضرورته كما ينبغي.
وتكمن خطورة هذه الحالة في أن الإنسان يمتلك بطبيعته قدرة كبيرة على التكيف مع الظروف المحيطة به، وهي خاصية تمثل إحدى أهم وسائل البقاء حين تُستخدم لعبور الأزمات المؤقتة. غير أن هذه القدرة نفسها قد تتحول مع الوقت إلى عامل سلبي بالغ التأثير عندما تصبح أداة نفسية للتصالح مع الواقع المختل، وقبول التدهور المستمر، والتسليم التدريجي بأوضاع كان يفترض أن تظل موضع مقاومة مستمرة.
ولعل التجربة السودانية الراهنة تقدم اليوم واحدة من أكثر النماذج وضوحاً لفهم خطورة هذا المعنى. فبعد أكثر من عامين من الحرب، امتدت الأزمة بما يكفي لأن يبدأ قطاع واسع من الناس في التكيف النفسي التدريجي مع أوضاع لم يكن من المتصور قبل سنوات قليلة قبولها بهذا القدر من الاعتياد؛ مشاهد الدمار والنزوح، انقطاع الكهرباء، تراجع الخدمات الأساسية، انهيار العملة الوطنية، تعطل قطاعات التعليم والصحة، واتساع خطابات الانقسام الاجتماعي التي تتسلل بهدوء إلى بنية المجتمع.
فوجود الأزمات في حد ذاته لا يمثل المرحلة الأخطر التي تمر بها الأمم، لأن الأزمات بطبيعتها ظرف استثنائي قابل للتجاوز، بينما تبدأ المشكلة الأعمق عندما يعيد المجتمع تعريف هذا الواقع المختل باعتباره جزءاً عادياً من حياته اليومية. فعندما يعتاد الناس الأوضاع غير الطبيعية، ويتوقفون تدريجياً عن التعامل معها باعتبارها اختلالات طارئة تستوجب التغيير، تبدأ الأمة في الدخول إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث يصبح التكيف مع الأزمة بديلاً عن إرادة تجاوزها، ويتحول ما كان ينبغي مقاومته إلى واقع قابل للاستمرار دون إحساس كافٍ بخطورته.
ومن هنا تبرز أهمية أن تدرك المجتمعات ومؤسسات الدولة والنخب الفكرية أن بعض المفاهيم الكبرى لا يكفي الاحتفاء بها في صورتها النظرية المجردة، بل ينبغي الانتباه دائماً إلى طبيعة استخدامها والوظيفة التي تؤديها داخل الواقع العملي. فالتعايش يظل قيمة نبيلة ما دام أداة لتعزيز السلم الاجتماعي وصناعة الاستقرار، لكنه قد يفقد هذه الغاية تدريجياً عندما يتحول تحت ضغط الأزمات الممتدة إلى حالة نفسية تسمح للإنسان بالتصالح مع الاختلالات المستمرة والتكيف مع واقع كان يفترض أن يظل موضع رفض دائم.
إن التحدي الحقيقي لا يقتصر على مقاومة الأزمات ذاتها، بل يمتد أيضاً إلى حماية المفاهيم الكبرى من ذلك الانحراف الهادئ الذي قد يحولها مع مرور الوقت من أدوات للبناء والتماسك إلى مداخل غير مرئية تعيد إنتاج التردي وتضعف إرادة الإصلاح والتغيير.
وحين يصبح الاختلال والتردي مألوفاً، ويعتاد الناس ما كان ينبغي أن يقاوموه، تبدأ الأمم في خسارة أحد أهم شروط بقائها، والمتمثل في قدرتها الفطرية على التمييز بين التكيف الذي يحفظ الحياة، والاستسلام الذي يكرس التردي.



