
بيمر الإنسان في رحلته بالحياة بالعديد من التجارب؛ منها ما يفتح له أبواب النجاح، ومنها ما يضع في طريقه العثرات والصعوبات. غير أن التجارب لا تنتهي بانتهاء أحداثها، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تأثيرًا، هي مرحلة رد الفعل. فلكل تجربة أثر، ولكل أثر استجابة، وهذه الاستجابة هي التي تسهم في تشكيل الشخصية، وتحدد طريقة الإنسان في فهم الحياة والتعامل مع الآخرين. فالتجارب لا تغادر الإنسان عند انتهاء أحداثها، بل تترك في داخله ندبة، أو نافذة، أو مرآة؛ ندبة تذكره بالألم، ونافذة يطل منها على الحكمة، ومرآة يرى فيها نفسه بعد أن تغير.
تحتفظ الذاكرة الإنسانية بالتجارب المؤلمة أكثر مما تحتفظ بالتجارب السعيدة، لأن العقل مهيأ لحماية صاحبه من تكرار الخطر، وهو ما تؤكده كثير من الدراسات في علم النفس. لذلك قد يجد الإنسان نفسه مترددًا أمام موقف جديد، ليس لأنه مخيف في ذاته، بل لأنه يشبه موقفًا قديمًا ترك في نفسه أثرًا موجعًا. وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: «لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين»، وهو توجيه يدعو إلى التعلم من التجربة واتخاذ أسباب الحيطة دون الوقوع في الغفلة. ومن هذا المعنى أيضًا جاء المثل الشعبي: “الضاق لدغ الدبيب بخاف من جر الحبل.” فالخوف لا يكون دائمًا من الحبل، وإنما من الذكرى التي أيقظها.
يكفي أن يخسر تاجر رأس ماله مرة، فيتردد طويلًا قبل أن يستثمر من جديد، أو أن يتعرض طفل لعضة كلب، فيخشى الاقتراب من جميع الكلاب، رغم اختلافها. فالذاكرة لا تحفظ الحدث فحسب، بل تحفظ المشاعر التي رافقته، وتستدعيها كلما تشابهت الظروف.
لكن التجارب لا تصنع رد فعل واحدًا عند الجميع. فالألم قد يجعل إنسانًا أكثر رحمة، لأنه عرف قيمة المواساة، وقد يجعل آخر أكثر حذرًا، لأنه يخشى تكرار ما مر به، وقد يحول ثالثًا إلى شخص قاسٍ يرى في الشدة وسيلته الوحيدة لحماية نفسه. فليست كل الجراح تنزف دمًا؛ بعض الجراح تنزف خوفًا، وبعضها تنزف قسوة، وبعضها يتحول إلى رحمة يعرف بها صاحبها وجع الآخرين.
لهذا، ليس غريبًا أن نجد مديرًا كان يومًا ضحية لرئيس متسلط، فإذا جلس على المقعد نفسه مارس الأسلوب ذاته، معتقدًا أن الشدة هي الطريق الوحيد لفرض الهيبة، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج ما آلمه في الماضي. إنها إحدى صور الإنسان حين يعجز عن معالجة جراحه، فيورثها لمن حوله بدل أن يداويها.
لكن الصورة لا تكتمل إذا نظرنا إلى الألم وحده. فهناك من جادت عليه الحياة بالنجاح والوفرة والفرص، حتى لم يعرف طعم الحرمان، ولم يختبر مرارة الفشل أو الحاجة. هذه التجارب المريحة قد تصنع إنسانًا شاكرًا متواضعًا، لكنها قد تصنع أيضًا شخصًا يظن أن الحياة منحت الجميع ما منحته له، وأن الوصول إلى النجاح مجرد قرار، وأن التعثر دليل على ضعف الإرادة.
قد يستغرب من نشأ في وفرة سبب تعثر شاب يبحث عن عمل، أو يلوم طالبًا أخفق في دراسته دون أن يدرك الظروف التي أحاطت به، لأنه لم يعش يومًا التجربة التي عاشها غيره. هنا لا تنبع القسوة من جرح قديم، بل من غياب التجربة التي تعلم الإنسان كيف يشعر بآلام الآخرين.
من هنا، قد تولد القسوة من طريقين متناقضين؛ من ذاكرة موجوعة لم تلتئم، أو من حياة مريحة لم تتعلم التعاطف. الأولى تجعل الإنسان يرى الخطر في كل شيء، والثانية تجعله لا يرى معاناة الآخرين أصلًا. وبين الطرفين تضيع الرحمة، ويضعف الإحساس بالإنسان.
يقف الشعور بالأمان في قلب هذه المعادلة. فالذي افتقد الأمان قد يبحث عنه بالخوف أو بالسيطرة، والذي عاش في أمان دائم قد يظن أن الأمان حق طبيعي لا يحتاج إلى حماية أو مشاركة. وفي الحالتين يختل ميزان العلاقات الإنسانية. لذلك قد تجد شخصين يمتلكان السلطة نفسها؛ أحدهما يجعلها وسيلة لحماية الناس لأنه عرف معنى الخوف، والآخر يجعلها أداة للسيطرة لأنه لم يعرف إلا الشعور بالامتياز.
التجارب تمنح الإنسان المادة الخام، لكن الوعي هو الذي يصوغها ويحدد مآلاتها. فقد يخرج شخص من الألم أكثر إنسانية، ويخرج آخر أكثر قسوة، كما قد يخرج شخص من النعيم أكثر تواضعًا وامتنانًا، بينما يخرج آخر أكثر غرورًا واستعلاءً. فالفارق الحقيقي ليس في التجربة نفسها، وإنما في الدرس الذي استخلصه الإنسان منها.
التاريخ والحياة اليومية مليئان بهذه النماذج؛ فكم من فقير أصبح أكثر سخاءً بعد أن تحسنت أحواله لأنه لم ينسَ أيام الحاجة، وكم من ثري ازداد تواضعًا لأنه أدرك أن ما يملكه نعمة لا سببًا للتكبر. وفي المقابل، نجد من حوّل جراحه إلى انتقام، أو امتيازاته إلى استعلاء، فكانت التجربة نفسها طريقًا إلى نتيجتين مختلفتين.
لذلك، لا ينبغي أن يكون سؤالنا: ماذا فعلت بنا الحياة؟ بل: ماذا فعلنا نحن بما منحته لنا الحياة؟ هل جعلنا الألم أكثر رحمة، أم أكثر انتقامًا؟ وهل جعلنا النجاح أكثر تواضعًا، أم أكثر استعلاءً؟
فالوعي هو المسافة التي تفصل بين التجربة ورد الفعل. وفي تلك المسافة يملك الإنسان حرية الاختيار؛ إما أن يكون أسيرًا لماضيه، يعيد إنتاج جراحه أو امتيازاته، وإما أن يجعل من كل تجربة معلمًا يرشده إلى فهم نفسه والناس من حوله. وهناك تتشكل الحكمة، لا في وقوع الأحداث، بل في الطريقة التي نستجيب بها لها.
في النهاية، لا يقاس الإنسان بحجم ما عاناه، ولا بحجم ما امتلكه، وإنما بما صنعته تلك التجارب في قلبه. فالحياة تمنح الجميع دروسًا، لكنها لا تمنح الجميع الحكمة. والحكمة هي أن نتذكر دائمًا أن الجراح لا تبرر القسوة، وأن النعم لا تبرر الكبر، وأن أجمل ما يمكن أن تتركه التجارب في الإنسان ليس الخوف ولا الغرور، وإنما الرحمة. فالتجربة حدث، أما رد الفعل فهو الذي يصنع سلوك الإنسان.





